متابعات تحليلية

تقرير البرلمان الأوروبي حول حقوق الإنسان في مصر: ملاحظات منهجية وموضوعية

سعيد عكاشة * 5495 28-12-2020
طباعة

مع صدور تقرير عن البرلمان الأوروبي مؤخراً بشأن حالة حقوق الإنسان في مصر، صدرت ردود فعل متنوعة من جانب وسائل الإعلام التقليدي وغير التقليدي على التقرير ليس في مصر وحدها بل في العالم كله. وبعيداً عن موقف من هاجموا التقرير واتهموه بترويج مغالطات وأحكام لا تمت للموضوعية بصلة، أو من احتفوا به نكاية في الدولة المصرية وليس انتصاراً لحقوق الإنسان كقضية في حد ذاتها؛ بعيداً عن هذا الموقف أو ذاك ثمة حاجة ضرورية لمناقشة التقرير وطبيعته، والتعرف على طبيعة الكتل الحزبية داخل البرلمان الأوروبي التي صاغت التقرير ودفعت به للتصويت عليه في جلسة عامة. كما يلزم أيضاً البحث عما إذا كان صدور هذا التقرير أمراً روتينياً؟ بمعنى أنه يصدر بشكل دوري، أم أنه إجراء طارئ دفعت به ملابسات معينة قد جرى تضخيمها لهدف غير ذي صلة مباشرة بحماية حقوق الإنسان؟

هذه الدراسة تحاول الإجابة على هذه الأسئلة.

أولاً: حول طبيعة التقرير

وفقاً للمصطلح الرسمي، فإن كلاً ما صدر عن البرلمان الأوروبي تحت عنوان "حالة حقوق الإنسان في مصر"، سواء ما صدر مؤخراً أو خلال العقد الماضي، تعتبر مجرد "قرارات" resolution، أو هى أقرب إلى "إعلان موقف". والتعبير الأخير هو الأدق وفقاً لمصطلحات القانون الأوروبي، الذي يميز بين تبني البرلمان لموقف ما، أى إصداره "قرارات" resolution، وبين إصداره ما يسمى "قانون تشريعي" codecisionوالذي يعني قانون صادر لمعالجة مسألة عادية، وإصداره ما يسمى "تشريع خاص" speciallegislative يعالج حالة محددة وغير تقليدية.

بهذا المعنى، فإن صلاحية البرلمان الأوروبي كجهاز تشريعي تبقى محدودة في أغلب الحالات، خاصة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية. أما الجهة التي تمتلك حق اقتراح التشريعات بشكل فعلي فهى المفوضية الأوروبية commission. وبالتالي، فإن ما صدر عن البرلمان الأوروبي باسم حالة حقوق الإنسان في مصر لا يعدو كونه مجرد "اعلان موقف" لهذا البرلمان في هذه القضية، ولا يرتب ذلك أى إجراء عقابي ضد مصر ما لم تتحرك المفوضية الأوروبية لطرح اقتراح بمشروع قانون يحقق هذا الغرض، وهو ما يصعب تصور حدوثه لثلاثة أسباب جوهرية:

السبب الأول، أن هذه التقارير لا تكون دقيقة بشكل كافٍ للاستناد إليها في صياغة قوانين أو قرارات ملزمة، حيث تستند في كثير من المعلومات التي تقدمها على مصادر يصعب التأكد من مصداقيتها، مثل المنظمات الأهلية ووسائل الإعلام.

السبب الثاني، أن الاتحاد الأوروبي يعاني من عجز مزمن في صياغة سياسة خارجية متفق عليها بين أعضائه، وهو ما يمنع التوافق حول المقترحات التشريعية الخاصة بهذا الجانب، سواء داخل المفوضية الأوروبية أو البرلمان على حدِ سواء.

السبب الثالث، يتعلق بتعقد شبكة العلاقات والمصالح بين الاتحاد الأوروبي والدول غير الأوروبية، الأمر الذي يجعل من ملف حقوق الإنسان مجرد أداة ضغط لتحقيق توافقات في ملفات أخرى أكثر وضوحاً مثل المصالح الاقتصادية والأمنية.

ثانياً: ما هى الجهات التي وقفت خلف التقرير؟

وفقاً لآلية عمل البرلمان الأوروبي يمكن لأحد أعضائه، أو لأى كتلة حزبية داخله، أن تطلب من إحدى اللجان المختصة داخل البرلمان (هناك 20 لجنة نوعية أساسية واثنتين فرعيتين في البرلمان) إعداد تقرير عن مسألة تم إثارتها من قبل أى من مؤسسات الاتحاد الأوروبي الأخرى. وبناءً على ذلك، تقوم اللجنة المختارة بعمل التقرير وإدخال أية تعديلات عليه قبل أن تتولى لجنة أخرى صياغته من الناحية القانونية. بعد ذلك يتم إرسال التقرير للتصويت عليه في البرلمان في جلسة عامة. لكن حتى بعد تمرير التقرير بالأغلبية، فإنه لا يكون تشريعاً ملزماً - كما ذكرنا من قبل- ولكن مجرد "إعلان موقف" ليس إلا من جانب البرلمان.

ووفقاً للموقع الرسمي للبرلمان الأوروبي، فقد تقدم لطلب عمل تقرير عن حالة حقوق الإنسان في مصر أربع جهات هى:

1- مجموعة تحالف الأحزاب الاشتراكية والديمقراطية، التي توصف بأنها يسار الوسط. وتمتلك المجموعة 145 نائباًفي البرلمان الأوروبي.

2- مجموعة تحالف الأحزاب الليبرالية، أو ما يسمى "كتلة التجديد"، وهو تحالف يمثل أحزاب الوسط الأوروبية التي تتبنى أفكاراً ليبرالية تقليدية، وتدعو للحفاظ على الوحدة الأوروبية ودعم الديمقراطية في الداخل. وتمتلك المجموعة 96 نائباًفي البرلمان.

3- كتلة تحالف أحزاب الخضر والأحرار، ويمثلها 73 نائباً.

4- مجموعة من النواب المستقلين، ويبلغ عددهم 7 نواب.

وطبقاً للبيانات المتاحة على الموقع نفسه، فقد صوت مع التقرير بالتأييد 434 نائباً، فيما امتنع 202 آخرينعن التصويت، وعارض التقرير 49 نائباً من أصل 685 مارسواحق التصويت (يبلغ عدد نواب البرلمان 705 نائب).

ومن القراء المباشرة لتوجهات الكتل التي طالبت بإعداد التقرير يمكن ملاحظة أن أحزاب اليسار والوسط هى التي وقفت بقوة خلف التقرير ومنحته أغلب الأصوات المؤيدة. ويعكس هذا التوجه إشكالية عميقة تتعلق بمدى إدراك هذه الأحزاب لحقيقة الصراعات السياسية في الدول غير الأوروبية، وخاصة دول الشرق الأوسط. إذ تميل الأحزاب الليبرالية ومعها الأحزاب اليسارية الأوروبية إلى اختزال الصراعات السياسية في الشرق الأوسط في ثنائية "الاستبداد- الديمقراطية". وترى أن مصدر كل الأزمات هو وجود أنظمة استبدادية تضطهد الاتجاهات الداعية للحكم الديمقراطي!. هذه النظرة الاختزالية والخاطئة تماماً تتعامى عن حقيقة أن من يقودون المعارضة في معظم هذه البلاد ليست تيارات ليبرالية -كما ترى هذه الأحزاب والتيارات الأوروبية- ولكنه تحالف بين التيارات الدينية التي يتبنى بعضها العنف والإرهاب منهجاً ويعتنق أيديولوجيا إقصائية استبدادية بالمطلق استناداً إلى تفسيرات منحرفة للدين الإسلامي على وجه الخصوص، مثلما هو الحال بالنسبة لجماعة الإخوان، وبين التيارات اليسارية والقومية المتطرفة التي تسعى إما إلى إسقاط الدول تحت دعوى أن كل سلطة هى "سلطة فاسدة" بالضرورة، أو أنها تسعى إلى إحياء نماذج تجاوزها الزمن مثل "النموذج الاشتراكي" أو "النموذج القومي العروبي" في خمسينات وستينات القرن الماضي. وجميعها نماذج وأيديولوجيات إقصائية بحكم التكوين والتوجه، وأيضاً بحكم القياس على النماذج المشابهة السابقة عليها عندما كانت تحكم في هذا البلد أو ذاك.

المشكلة التي لا تريد الأحزاب الأوروبية الاعتراف بها أن الديمقراطية ليست مجرد شعارات أو إجراءات فوقية يمكن تطبيقها من أعلى، بل هى مشكلة اختلاف ثقافات واختلاف في درجة تطور المجتمعات لا يمكن حله بتبني تصورات تبسيطية على النحو الذي تعكسه التقارير التي تتحدث عن حالة الحقوق السياسية والخاصة في بلدان العالم على اختلافها. وتتجلى المشكلة بشكل أكبر فيما يتعلق بالأثر المدمر لتسييس مبادئ حقوق الإنسان والدفاع عن أفراد يتم وصفهم باسم "النشطاء" في حركات حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني، بينما هم في الواقع "سياسيون" لهم أيديولوجيات معادية للديمقراطية وحقوق الإنسان، ويدعون إلى الفوضى والتمرد على أنظمة الحكم دون حساب لما يمكن أن تقوده دعواتهم من تدمير لاستقرار وتماسك المجتمعات المستهدفة بمثل هذه الدعوات الزائفة، وهو ما لا يحتاج إلى إثبات أكثر من النظر إلى ما حدث في سوريا واليمن وليبيا من فوضى وحروب أهلية بدأت أساساً بتحريض هذه الشعوب على التمرد باسم طلب الحرية والديمقراطية. وبعد نحو عشر سنوات من أحداث ما يسمى "الربيع العربي"، صارت أوضاع البشر في هذه الدول مأساة إنسانية متكاملة الأركان. وحتى الدول التي نجت من المصير نفسه مثل مصر وتونس فإنها لا تزال تواجه إرهاباً داخلياً.  

ثالثاً: لماذا الآن؟

لا يتوقف الشك في مدى موضوعية موقف البرلمان الأوروبي من مصر على "الجهل البريء" أو "المتعمد" من جانب بعض أحزابه بحقيقة الأوضاع الداخلية في مصر وتداخلها مع صراعات إقليمية تُستغل فيها قضية حقوق الإنسان لأهداف سياسية محضة، ولكن أيضاً هناك التوقيت الذي اختارته تيارات داخل البرلمان الأوروبي لإصدار تقريره المثير للتساؤلات. فقد بدأ العمل في التقرير وإصداره عقب اتجاه متزايد لحسم معركة البيت الأبيض لصالح جو بايدن الذي وعد بأن يكون ملف حقوق الإنسان ضمن أولويات إدارته كما كان الأمر في عهد الرئيس السابق باراك أوباما الذي وقعت أثناء ولايته أحداث ما يسمى "الربيع العربي". وثمة اعتقاد سائد بأن أوروبا تنظر بتفاؤل نحو بايدن وتسعى للتوافق معه في العديد من الملفات التي تسببت في اتساع الخلافات بين أوروبا والولايات المتحدة في عهد ترامب، ومنها ملف اتفاقية المناخ، والسياسة الواجب اتباعها حيال إيران، وملف حقوق الإنسان. من ثم، لا يستبعد الكثيرون أن يكون البرلمان الأوروبي قد خطا هذه الخطوة إزاء مصر ليثبت أنه "جاهز" للتعاون مع بايدن في ملف حقوق الإنسان إذا تم إثارته مستقبلاً. أيضاً هناك احتمال بأن التحالف بين اليسار الأوروبي والإسلاميين -والقائم منذ سنوات طويلة- أراد أن يمنح الطامعين ممن يسميهم "نشطاء المجتمع المدني" في مصر في تكرار ظاهرة ما يسمى "الربيع العربي" بعد عشر سنوات مضت، الدعم المعنوي قبل حلول هذه الذكرى في مصر في يناير 2021.

إن تحجج البرلمان الأوروبي بأن ما أسماه تزايد الحملات البوليسية ضد نشطاء حقوق الإنسان في مصر، وما وصفه بتزايد حالات تنفيذ حكام الإعدام منذ نوفمبر الماضي، هو الذي دعاه لاستعجال تبني هذا الموقف من مصر، لا يمكن اعتباره مبرراً معقولاً، إذ أن من تم توقيفهم بشكل قانوني من "النشطاء" التابعين لما يسمى "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية"، لم يزد عن ثلاثة أشخاص تم الإفراح عنهم بعد إجراء التحقيق الأولي معهم بوقت قصير. كما أن تنفيذ أحكام إعدام بحق مدانين بارتكاب أعمال إرهابية أزهقت مئات من أرواح الأبرياء لم يتم إلا بعد إجراءات تقاضي طويلة الأمد، امتد بعضها لأكثر من خمس سنوات، بما يعني أن أصحابها نالوا حقهم الكامل في إثبات براءتهم ولم ينالوها لثبات ارتكابهم للجرائم التي أدت لإعدامهم. وعند مناقشة صيغة البيان الذي أصدره البرلمان الأوروبي سيتضح أن الهدف منه كان أبعد من الإعراب عن القلق من حالة خرق لحقوق الإنسان في مصر كما يدعون.

رابعاً: حول موضوعية ومنهاجية التقرير

لا يُظهِر البيان المختصر الذي تناولته وسائل الإعلام المحلية والعربية والدولية حقيقة دوافعه الخفية. لكن بالعودة إلى القرار أو البيان بشكله المفصل على موقع البرلمان الأوروبي يتضح من حجمه -الذي جاء فيما يزيد عن 3600 كلمة- الإصرار على العديد من الصياغات التي تتنافى مع الموضوعية المتوخاة في مثل هذا الأمر. ونشير فيما يلي إلى بعض الملاحظات المهمة في هذا السياق:

1- يحيل البيان في ديباجته إلى أربعة عشر إشارة لتقارير وتصريحات تعود إلى ما يزيد على خمسة عشر عاماً، للإيحاء بأن الانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان في مصر تشكل سياسة ممنهجة وممتدة، وذلك في محاولة من جانب معدي التقرير لكسب تأييد وتعاطف ممن لا يعلمون شيئاً عن التطورات التي جرت في مصر خلال هذه السنوات، وكيف تعرضت البلاد لعمليات إرهابية عنيفة وقف خلفها تحالف خفي بين تنظيم الإخوان المسلمين والجماعات التكفيرية لم يتم كشفه إلا في عام 2013 وباعتراف محمد البلتاجي -عضو مجلس شورى جماعة الإخوان- الذي توعد بأن ما يجري في سيناء (يقصد العمليات الإرهابية) لن يتوقف إلا إذا عاد الرئيس المعزول محمد مرسي إلى منصبه. بمعنى أوضح، فقد تجاهل بيان البرلمان الأوروبي حقيقة أن من يحاول الدفاع عنهم باسم "الديمقراطية" هم أنفسهم من استخدموا السلاح -حتى وهم في الحكم- لتحقيق هدفهم بإقامة "دولة دينية" لن يكون فيها مكان لمعارضين سياسيين أو لمخالفين لهم في الدين.

كذلك، تجاهل البيان كل ما جرى في مصر قبل أشهر قليلة من عزل محمد مرسي الذي رفض وساطة الجيش بحل الخلافات القائمة مع المعارضة السياسية عبر إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، الأمر الذي دفع القوات المسلحة تحت إلحاح من الملايين من المصريين الخائفين من السقوط في الفوضى والحرب الأهلية إلى الانحياز إلى صف المجتمع والقوى السياسية لعزله وبدء مرحلة انتقالية لم تدم سوى عام واحد لاستعادة الاستقرار السياسي المفقود، وللحفاظ على هوية الدولة المصرية.

2- توسع التقرير في استخدام "الأحكام القيمية" للحديث عما أسماه انتهاكات حقوق الإنسان، واصفاً الوضع بأنه اعتداء صارخ ومستمر في كل الاتجاهات ضد المعارضين السياسيين، ونشطاء حقوق الإنسان، والعاملين في المجال الصحي، وصحفيين، وأكاديميين، ونساء، وصبية غير بالغين... إلخ. وتجاهل التقرير عن عمد حقيقة أن معظم من تم توقيفهم ويحملون إحدى الصفات المهنية أو النوعية السابقة لم يُقبض عليهم بسبب ممارستهم لمهنتهم التي يحميها وينظمها القانون، بل بسبب انتمائهم لجماعة الإخوان الإرهابية التي يجرم القانون الانتماء إليها، أو بسبب استخدامهم مواقع التواصل الاجتماعي لبث الشائعات والمعلومات المشوهة ودعوات التظاهر غير القانونية، وهى أفعال مٰجرمة بحكم القانون في أى بلد يريد حماية أغلبية شعبه من التبعات الخطيرة لمثل هذه الأفعال إذا تُركت بدون محاسبة. أيضاً لم يكلف واضعوا "البيان الأوروبي" أنفسهم مشقة البحث في حسابات أكثر من خمسين مليون مصري على مواقع التواصل الاجتماعي ليروا كيف يوجد عشرات الآلاف من هذه الحسابات تهاجم النظام وشخوصه حتى بألفاظ يُعاقب عليها القانون ولم يتم القبض عليهم أو إغلاق صفحاتهم، وهو ما يعني أن حرية التعبير حتى في هذا الوسيط الإليكتروني متاحة تماماً، وأن من يتم توقيفهم وإغلاق صفحاتهم لا يزيدون عن بضع مئات يرتكبون جرائم يُعاقب عليها القانون في أى مكان في العالم، وليس بسبب ممارستهم لما يسمى "حق التعبير" كما يزعم التقرير.

3- في الوقت الذي استخدم فيه التقرير تعبيرات مثل "الاعتقال الجماعي" لعشرات الآلاف، وكرر الادعاءات -غير المُبرهن على صحتها- عن وجود أكثر من 60 ألف معتقل في مصر، فإنه عندما ذكر حالات محددة لم يتمكن من حصر سوى 29 اسماً لأشخاص ادعى أنهم "سجناء رأى"، بينما الحقيقة أنهم إما محكوم عليهم في جرائم تتعلق بنشر الشائعات أو المعلومات الكاذبة أو العمل بدون ترخيص في مجالات لها خصوصيتها، أو الدعوة للتجمع والتظاهر دون ترخيص قانوني. وتقول القاعدة القانونية والمبدأ الحقوقي: "إن البينة على من ادعى وليس على من أنكر"، وبالتالي على من صاغوا البيان الأوروبي أن يعيدوا تقييم مزاعمهم وأن يبذلوا جهداً لإثبات حقيقة ادعاءاتهم بذكر أسماء وتاريخ اعتقال60  ألف شخص في مصر.

4- في محاولة مكشوفة لخلع الشرعية على بعض الممارسات المرفوضة في الثقافة المصرية مثل "زواج المثليين"، وضع البيان الأوروبي هذه الممارسات ضمن منظومة حقوق الإنسان دون مراعاة لحقيقة اختلاف الثقافات وما يمكن أن يؤديه الضغط لإدماج هذه الممارسات في الإطار الشرعي والقانوني لبعض البلدان إلى مشكلات اجتماعية خطيرة قد تكون نتائجها كارثية. كما لا يشعر كاتبو البيان بالتناقض الذي يقعون فيه حينما يطالبون بحماية التنوع الثقافي وفي الوقت نفسه يطالبون بإدماج المثليين في المجتمع والسماح لهم بممارسة معتقداتهم وميولهم الجنسية كما لو كانت أمراً شائعاً ومقبولاً اجتماعياً ودينياً!! وهو ما يشكل اعتداءاً صارخاً على ثقافة الأغلبية التي من حقها أن تعبر أيضاً عن ثقافتها التي تنطوي على رفض واشمئزاز من هذه الممارسات.

5- إحدى التوصيات التي تناولت قضية الطالب الإيطالي الذي وُجد مقتولاً في مصر في عام 2016 تكرر اتهامات بلا دليل لعدد من رجال الأمن المصريين بأنهم كانوا ضالعين في الجريمة التي تُنكر مصر تماماً وجود أي شبهة تدين الأمن المصري في هذا الصدد. وإذا كان من حق التقرير أن يطلب من الحكومة المصرية إجراء المزيد من التحقيقات للوصول إلى مرتكبي الجريمة، فليس من حق واضعي التقرير تبني رواية الإعلام المشكوك في صدقيته في بلدان معادية لمصر ومحاسبة السلطات المصرية بناءاً عليها. وكان على التقرير من باب أولى أن يحث إيطاليا على تحديد ما تدعيه من أدلة دامغة تدين الأمن المصري وتقديمها للسلطات المصرية أو أى جهة دولية أخرى لإثبات صدقية رواية تورط الأمن المصري في هذه القضية.

6- عند مقارنة البيان الأوروبي الصادر بحق مصر ببيانات مماثلة ضد دول أخرى مثل تركيا يظهر اختلاف واسع في اللغة المستخدمة، وفي كم الإشارات والإحالات إلى قرارات سابقة، أو تصريحات لمسئولين أوروبيين تعطي إيحاءاً بأن الانتهاكات ممتدة زمنياً وذات طبيعة منهجية أو العكس. من ذلك على سبيل المثال تقرير نُشر عن تركيا صادر عن البرلمان الأوروبي بعنوان: "European Parliament resolution of 8 February 2018 on the current human rights situation in Turkey (2018/2527(RSP))"

يمكن لمن يقارن بين لغة هذا البيان والبيان الأخير بحق مصر أن يرصد بوضوح الصياغات المحايدة حول ممارسات الحكومة التركية، والتأكيد في أكثر من موضع في التقرير على أن تركيا شريك مهم للاتحاد الأوروبي وأنها مرشحة للانضمام إليه، وأنه يناشدها الالتزام بالمعايير الأوروبية لحقوق الإنسان. وعندما يذكر البيان الاعتقالات الجماعية لضباط الجيش وأنصار الزعيم المعارض فتح الله جولن بعد الانقلاب الفاشل في يوليو 2016 ضد رجب طيب أردوغان فإنه يناشد فقط الحكومة التركية بالتراجع عن هذه الممارسات. وحتى وهو يذكر (أي البيان) قيام حكومة أردوغان بفصل أكثر من مائة ألف موظف حكومي بتهمة تعاونهم مع الانقلابيين تستمر الصياغات الناعمة في تصوير الوضع كما لو كان ما جرى لا يشكل انتهاكاً جسيماً لحقوق مئات الآلاف من المواطنين الأتراك. بل إن التقرير لا يتضمن دعوة من جانب المفوضية الأوروبية أو مجلس الاتحاد لفرض عقوبات على تركيا على غرار ما طالب به التقرير الخاص بمصر والذي طالب بعقوبة مشبوهة وهى حرمان مصر من الحصول على أى سلاح من الدول الأوروبية في وقت تخوض فيه مصر أوسع مواجهة على نطاق العالم ضد الإرهابيين الذين ترسلهم تركيا إلى ليبيا وإلى سيناء والصومال على مقربة من الحدود المصرية في كل الاتجاهات.

خاتمة

إن ما تفعله التقارير أو البيانات التي يصدرها البرلمان الأوروبي، تحت عنوان متابعة حالة حقوق الإنسان في دول الشرق الأوسط أو غيرها، لا يعدو كونه مشاركة في تكريس آلية استخدام حقوق الإنسان في الصراعات السياسية، سواء داخل الدولة الواحدة أو بين الدول وبعضها البعض. ومع الوقت لن يكون في صالح أوروبا أن تصل شعوب منطقة الشرق الأوسط إلى استنتاج بأنها لم تكن صادقة في دفاعها عن حقوق الإنسان، ولم تكن مستعدة لتحمل تبعات الحروب الأهلية التي أشعلتها ثنائية "الاستبداد- الديمقراطية" التي تبنتها، وتركت الشعوب التي صدقت هذه المعادلة المختزلة تواجه مصيراً كارثياً، انتهى بأن تدفع أوروبا لتركيا 6 مليارات يورو ثمناً لاحتجازها ملايين الضحايا الفارين من هذه الحروب في أراضيها، وغض بصرها عن انتقائها (أي تركيا) للعناصر الإرهابية المتخفية بين ملايين اللاجئين وتحويلهم إلى مليشيات ترسلها لزعزعة استقرار دول أخرى منافسة لها حتى لو كانت دولة مسالمة وحجر الأساس في المعركة العالمية ضد الإرهاب مثل مصر. 

طباعة
سعيد عكاشة

باحث مشارك - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية