مقالات تحليلية

تغييرات هيكلية فى هيئة الحشد الشعبى العراقية

طباعة

شهدت هيئة الحشد الشعبى الشيعية العراقية، والتى تتكون من حوالى 71 فصيلاً مسلحاً، تطورات نوعية عديدة منذ منتصف عام 2020، حيث واجهت عدة تحديات فرضت على قيادتها القيام بتفكيك بعضٍ من فصائلها المسلحة، كان أبرزها فى 22 إبريل من العام نفسه، عندما اتخذ المرجع الشيعى على السيستانى قراراً يقضى بنقل تبعية أربعة من الميليشيات التابعة للمرجعية وهى (لواء أنصار المرجعية ولواء على الأكبر وفرقتى الإمام على والعباس) من هيئة الحشد إلى القوات المسلحة العراقية تحت مسمى "حشد العتبات المقدسة"، على نحو ساهم فى تصاعد حدة الخلافات فيما بينها.

ولم تنجح الجهود التى بذلتها قيادات من فيلق القدس التابع للحرس الثورى الإيرانى – باعتبار الفيلق راعياً للهيئة تمويلاً وتدريباً - فى رأب الصدع بين تلك الفصائل، نتيجة تمسك المرجعية الشيعية بقرارها.

ولاءات متعددة

طرح هذا التطور النوعى دلالتين ترتبطان بالعلاقة بين قيادة هيئة الحشد الشعبى وفصائل الهيئة من ناحية، وعلاقة كل من العراق وإيران بتلك الفصائل من ناحية ثانية. تتمثل الدلالة الأولى في أن بعضاً من الميليشيات المنضوية تحت لواء الحشد الشعبي تدين بالولاء الكامل للمرجعية الشيعية العراقية فى النجف بزعامة السيستانى، وليس للمرجعية الشيعية فى قم الإيرانية، وذلك على الرغم من ضآلة عددها البالغ 14 فصيلاً مسلحاً – منها 4 فصائل تتبع السيستاني بصورة رسمية، و10 تدين له بالولاء فى مجال الفتوى والعمل داخل الساحة العراقية- بالقياس إلى إجمالى عدد فصائل هيئة الحشد الذى يتعدى الـ70 فصيلاً من بينها 14 فصيلاً مسلحاً تمثل الحشد العشائرى السنى، إلى جانب فصائل سرايا السلام التى تتبع مباشرة زعيم التيار الصدرى مقتدى الصدر، وتتأرجح علاقتها بإيران وفقاً لتطور سياسات التيار الصدرى تجاه الأوضاع فى العراق.

ويمكن تفسير موقف المرجعية الشيعية العراقية من نقل تبعية الفصائل الأربعة إلى القوات المسلحة النظامية في ضوء سعيها إلى فصل تلك الميليشيات المذكورة عن باقى ميليشيات هيئة الحشد، نتيجة لعدم رضاها عن مجمل سياسات الهيئة ومواقف بعض فصائلها إزاء الأوضاع فى العراق، لاسيما بعد مقتل نائب رئيس الحشد أبومهدى المهندس وقائد فيلق القدس قاسم سليمانى فى 3 يناير 2020، وما نتج عنه من تداعيات وإشكاليات انعكست على تفاعلات الفصائل مع التطورات السياسية والأمنية فى العراق خاصة خلال الاحتجاجات الشعبية التى اندلعت في العام الماضى، فضلاً عما تعرضت له ميليشيات الهيئة من ضربات جوية أمريكية استهدفت بنيتها العسكرية من عتاد ومقرات وعناصر بشرية.

ومن هنا، ترغب المرجعية الشيعية العراقية فى "إنقاذ" فصائلها من أى استهدافات أمريكية عسكرية جديدة، وإعادة تسويقها على كونها طرفاً عراقياً وطنياً يتبع المؤسسة العسكرية الرسمية استباقاً للسياسة التي يمكن أن تتبناها الإدارة الأمريكية الجديدة تجاه المشهد السياسى العراقى، وترتيباً لخريطة نفوذ مرجعية النجف الأشرف فى مواجهة نظيرتها الإيرانية (مرجعية قم). والجدير بالذكر في هذا السياق، أن قرار تشكيل هيئة الحشد جاء ترجمة لفتوى السيستانى عام 2014 بالجهاد ضد تنظيم "داعش" آنذاك، لكنها فى الوقت نفسه اعتبرت امتثالاً لضغوط إيرانية وتحديداً لأوامر قائد فيلق القدس السابق قاسم سليمانى.

تراجع التأثير

 وتتعلق الدلالة الثانية بطبيعة الحالة التى باتت عليها العلاقة بين "بعض" فصائل الحشد الشعبى وإيران، والتى تعكس قدراً – ولو محدود - من تفكك رابطة التبعية بين الطرفين، وهو ما قد يؤدى إلى تراجع "نسبى" فى التأثير السياسى لإيران على المشهد العراقى خلال فترة رئاسة مصطفى الكاظمى للحكومة. هذا إلى جانب ما يعكسه الخلاف بين الفصائل من احتمالية المواجهة المسلحة بينها، لكونها تتصارع على المصالح والنفوذ.

هذا السياق الخاص بالتطورات التى تشهدها فصائل الحشد الشعبى المسلحة مثّل الإطار العام الذي تُجرى فيه حالياً التفاعلات بين تلك الفصائل وبعضها البعض، ومنها حالة الخلاف الحاد بين قيادة الحشد وبين سرايا الخراسانى التابعة للهيئة، وذلك على إثر اتهام عناصرها بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان ضد المدنيين والمتظاهرين خلال الاحتجاجات التي اندلعت منذ أكتوبر 2019.

تجنب التورط

اتجاهات عديدة رأت فى تفكيك سرايا الخراسانى تنفيذاً للقرار الخاص بضم هيئة الحشد الشعبى للقوات المسلحة العراقية، بما يوحى بأن قادة الهيئة يرغبون فى التخلص من الفصائل التى تمارس العنف فى التعامل مع المدنيين، على خلفيات طائفية، كنوع من "غسل الأيدى" من دماء العراقيين. كما أن الفصيل نفسه وضع الحكومة العراقية فى مأزق دبلوماسى عندما اقتحمت عناصره السفارة الأمريكية فى المنطقة الخضراء خلال عام 2019، وهو ما اعتبرته الحكومة توريطاً لها فى المواجهة السياسية المستمرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران.

ويضفى ذلك زخماً على الاتهامات التي توجه لسرايا الخراسانى بأنها تنفذ أجندة إيران، والتى تتعارض، فى قسم منها، مع مصالح الدولة العراقية، لاسيما تلك المرتبطة بالعلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة بعد قيام الميليشيا بتحركات خالفت فيها رأى القيادة العامة لهيئة الحشد، لدرجة دفعت الأخيرة إلى وصفها بأنها أصبحت "فصيلاً متمرداً" على سياساتها وقرارتها، لاسيما بعد أن تأكدت الهيئة من استيلاء بعض عناصرها على أموال عامة باستخدام السلاح، بخلاف تورطها فى عدد من قضايا الفساد، ما وضعها فى موقف محرج للغاية أمام الحكومة العراقية التى من المفترض أنها تخضع لتعليمات رئيسها.


 

أهداف كامنة

المبررات الظاهرية السابقة لقرار هيئة الحشد بتفكيك سرايا الخراسانى لا تخفى بعض الأهداف الكامنة وراءه. إذ أن القرار ربما يكون قد اتخذ فى إطار تصفية حسابات بين قادة الفصائل المكونة للهيئة وقادة سرايا الخراسانى، على خلفية حالة التمرد الدائمة التى مارستها الأخيرة على قرارات الأولى، ومن ذلك التحرك باستخدام معدات عسكرية وافتتاح مقرات دون الحصول على موافقة من قيادة الهيئة، على نحو دفع اتجاهات إلى ترجيح أن يكون قرار تفكيك السرايا مرتبطاً بأسباب سياسية وليس مجرد أسباب هيكلية تتعلق بمدى انضباط السرايا وعناصرها وخضوعها لقوانين الحكومة العراقية.  

يضاف إلى ذلك رغبة الحكومة نفسها فى التخلص من تلك السرايا، على خلفية استهدافها للعديد من مواقع الشرطة فى محافظة صلاح الدين خلال عام 2016 بهدف تهريب عدد من المعتقلين الذين ينتمون إليها. وهنا، فإن موافقة الحكومة على قرار تفكيك سرايا الخراسانى يستهدف ترسيخ سيادة الدولة ضد بعض الميليشيات المسلحة، وهو ما يزيد من رصيد الدعم الداخلى لرئيس الوزراء مصطفى الكاظمى حال اتخاذ قرارات من شأنها إضعاف الحشد الشعبى، وبالتالى تقليص دوره فى المشهد العراقى بشقيه السياسى والعسكرى، دون أن يؤدى ذلك إلى تفكيك هيئة الحشد بسبب العقبات التي يمكن أن تحول دون ذلك، في ظل تبعية الهيئة لمرجعية النجف ولو صورياً، والتى لاتزال ترى جدوى فى الإبقاء عليها، مع ضرورة تعديل مواقف وتحركات فصائلها داخل العراق خلال المرحلة القادمة.

بينما تشير رؤية تحليلية أخرى إلى رصد إيران لاتصالات - عبر سياسيين عراقيين - بين قادة السرايا ومسئولين أمريكيين تستهدف الحصول على حصانة من الملاحقة الأمريكية، ما دفع البعض إلى القول بأن هناك تصفية حسابات بين عدة فصائل وقوى تتصارع داخل المعسكر الواحد الموالى لإيران.

ولا يمكن استبعاد أن يكون قرار التفكيك مرتبطاً بالمسارات المحتملة للعلاقات بين طهران وواشنطن فى عهد إدارة بايدن. وفي هذا السياق يمكن تفسير موافقة إيران على هذا القرار بكونه رسالة موجهة للإدارة الأمريكية المنتخبة مؤداها أن الأولى لا ترغب فى التصعيد مع واشنطن داخل العراق خلال الفترة القادمة، انتظاراً لوضوح الملامح العامة لسياسة الرئيس الأمريكى الجديد جو بايدن تجاهها، خاصة بعد أن تأثرت إيران جدياً بالضغوط الدولية والعقوبات الأمريكية، فضلاً عن الضغوط الإسرائيلية المستمرة على وجودها العسكرى فى الجنوب السورى ومحيط العاصمة دمشق، والتى تمثلت فى ضربات عسكرية متتالية على مدار الأعوام الثلاثة الماضية ضد مواقع عسكرية تابعة لها داخل سوريا.

عبء مضاعف

يمكن القول فى النهاية إن سرايا الخراسانى بات وجودها ضمن هيئة الحشد الشعبى يمثل عبئاً على الحكومة العراقية، التى تواجه عقبات تضعها بعض فصائل الحشد أمامها تحول دون فرض سياستها وسيطرتها الأمنية فى البلاد. كما أنها باتت عبئاً أيضاً على إيران المقيدة بعقوبات اقتصادية حادة وخانقة تفرض عليها مراجعة حساباتها بشأن مجمل تحركاتها فى الإقليم، لاسيما تلك التى تدعمها ميليشيات مسلحة تابعة لها خاصة فى العراق، وهى ضرورة تفرضها عليها حالياً متغيرات دولية أبرزها، إلى جانب العقوبات، وصول رئيس أمريكى جديد إلى البيت الأبيض.

طباعة
صافيناز محمد أحمد

باحثة متخصصة فى الشئون السياسية العربية ورئيس تحرير دورية بدائل – مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية