مقالات تحليلية

نهاية العولمة؟

طباعة

هل يمثل Covid-19 ناقوس الموت لحقبة العولمة؟ وهل إغلاق الحدود الوطنية، وانقطاع السفر الجوي والسياحة، وتعطيل التجارة وسلاسل التوريد العالمية، وتراجع الاستثمارات الأجنبية، وحظر تصدير المنتجات الحيوية عبارة عن بشائر لتشكل عالم جديد في مرحلة ما بعد Covid-19؟

الاتجاهات العالمية السابقة للوباء الحالي تشير في هذا الاتجاه. فقد كان تصاعد التيارات القومية والشعبوية، وتبني إجراءات الحمائية الاقتصادية، وتراجع التكامل والتعاون الاقتصادي متصاعدا بالفعل قبل هذا الوباء. وبالتالي، من المرجح أن يتسم العالم بعد كوفيد 19 باستمرار تزايد القيود على تدفق السلع والأموال والأفراد والمعلومات. هذا أمر جد مقلق بالنظر إلى أن التحديات الأكثر إلحاحًا في القرن الحادي والعشرين، مثل الأوبئة وتغير المناخ، والتي تتطلب بشكل أساسي تعزيز آليات الحوكمة والتعاون العالميين وليس التراجع عنهما.

العصر الذهبي للعولمة (1990- 2008)

مع نهاية الحرب الباردة وانتصار النموذج الليبرالي الغربي، ظهر إجماع عالمي، أصبح يُعرف بإجماع واشنطن، بأن الطريق للنمو الاقتصادي والتنمية يتحقق عبر إجراءات تحرير الاقتصاد، وفتح الأسواق، والتجارة الحرة. واتجهت الدول في جميع أنحاء العالم إلى خفض الإنفاق الحكومي والدعم، وإزالة الحواجز التجارية، وتقديم الحوافز للمستثمرين الأجانب والشركات متعددة الجنسيات، وفتح أسواقها أمام التجارة والاستثمارات الخارجية.ونتيجة لذلك، كانت فترة التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، هي حقبة ما أسماه أرفيند سوبرامانيان ومارتن كيسلر "العولمة المتسارعة" hyperglobalizationوذلك عندما أدت "التطورات التكنولوجية، وثورة الحاويات، وانخفاض تكاليف المعلومات والاتصالات، وتفكيك الحواجز التجارية إلى استمرار الوفرة الاقتصادية على نطاق واسع. ومن بين أمور أخرى، دفعت العولمة المتسارعة نسبة الصادرات العالمية إلى الناتج الإجمالي العالمي من 15٪ إلى 25٪ على مدى العقدين اللذين سبقا الأزمة المالية العالمية لعام 2008، وأدى هذا الازدهار في الصادرات إلى نمو سريع في البلدان النامية."[1]

تراجع العولمة منذ عام 2008

كان تراجع العولمة، أو تباطؤها، قيد التقدم بالفعل قبل ظهور  Covid-19، حيث مثلت الحرب التجارية الصينية الأمريكية، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وصعود ترامب والقادة الشعبويين القوميين في جميع أنحاء العالم مظاهر لهذا الاتجاه المتزايد نحو تراجع العولمة.وكما يوضح الرسم البياني أدناه فإنه لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، وبعد فترة ممتدة من التحرير الاقتصادي والعولمة المتسارعة، خاصة في الفترة ما بين 1990 إلى 2008 - كما تم قياسها بمؤشر الانفتاح التجاري- بدأ التحول نحو تراجع العولمة أو تباطؤها في أعقاب الأزمة المالية العالمية في عام 2008.[2]


 

ووفقًا لمجلة الإيكونوميست، فإنه من بين اثني عشرة مؤشر للتكامل العالمي، بدأت ثمانية في التراجع أو الركود بدءًا من عام 2008. وتفيد الإيكونوميست بأن التجارة قد انخفضت من 61٪ من إجمالي الناتج المحلي العالمي في عام 2008 إلى 58٪ في عام 2018. كما تقلصت قدرة سلاسل التوريد وشحن البضائع نصف المصنعة عبر الحدود. وبينما ارتفعت الواردات الوسيطة بسرعة في العشرين عامًا حتى عام 2008، إلا أنها انخفضت منذ ذلك الحين من 19٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى 17٪. كما تراجعت مسيرة الشركات متعددة الجنسيات، حيث انخفضت حصتها من الأرباح العالمية لجميع الشركات المدرجة من 33٪ في عام 2008 إلى 31٪. وانخفض الاستثمار الخارجي طويل الأجل من قبل جميع الشركات (الاستثمار الأجنبي المباشر FDI) من 3.5٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في عام 2007 إلى 1.3٪ في عام 2018. كما انهارت القروض المصرفية الخارجية من 60٪ من إجمالي الناتج العالمي عام 2006 إلى حوالي 36٪. وانخفض إجمالي تدفقات رأس المال من ذروة بلغت 7٪ في أوائل عام 2007 إلى 1.5٪. ومن الملاحظ أنه عندما ازدهرت العولمة، وجدت الاقتصادات الناشئة أنه من الممكن اللحاق بالعالم المتقدم من حيث الناتج الفردي ولكن منذ عام 2008، انخفضت حصة الاقتصادات المتقاربة بهذه الطريقة من 88٪ إلى 50٪ (باستخدام تعادل القوة الشرائية).[3]


 

على الرغم من أن العولمة أدت إلى نمو عالمي وتشابك اقتصادي غير مسبوق، كما أدت إلى انتشال ملايين الأفراد من براثن الفقر، خاصة في جنوب وجنوب شرق آسيا، إلا أن العديد من التطورات في العقد الأخير سلطت الضوء على العواقب السلبية للعولمة، وساهمت في تصاعدردود فعل عنيفة ضدها.

لقد أبرزت الأزمة المالية العالمية عام 2008 العديد من نقاط ضعف العولمة. فقد نتج عن الدور المتزايد للقطاع المالي في الاقتصاد العالمي، بعد تحرره من القيودالوطنية، إلى أن قرارات استثمارية غير موفقة من قبل القطاع المالي في بلد ما يمكن أن تؤدي إلى تدمير الاقتصاد العالمي. كما كان هروب رؤوس الأموال والأموال الساخنة من العوامل المزعزعة للاستقرار مع عدم وجود أليات وطنية فعالة للسيطرة عليها.علاوة على ذلك، أدت هجرة قطاعات التصنيع بالجملة إلى حفنة من البلدان ذات العمالة الرخيصة والحماية البيئية المنخفضة، مثل الصين -التي أصبحت فعليًا مصنعاً للعالم- إلى تراجع التصنيع في العالمين المتقدم والنامي بشكل سواء، مما كان له آثار مدمرة على بلدان ومجتمعات بأكملها.كما أدى تركيز التصنيع في الصين وجنوب شرق آسيا إلى خلق سلاسل إمداد عالمية ممتدة. وسلطت جائحة كورونا، والأزمات السابقة عليها مثل زلزال فوكوشيما، الضوء على مخاطر التخصص المفرط، والاعتماد الكامل على مصدر توريد واحد، وعلى سلاسل التوريد العالمية الممتدة. وبدأت الحكومات الوطنية تدرك بشكل متزايد الحاجة إلى تنويع مصادر التصنيع، وإلى جعل سلاسل التوريد أقرب إلى الحدود الوطنية. هناك أيضًا اتجاه متزايد بين الحكومات لتخفيض الاعتماد على الواردات في بعض القطاعات الاستراتيجية أو الحيوية مثل الأدوية والطاقة والإمدادات الغذائية.

وعلى الرغم من أن العولمة أدت إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي في معظم الدول، إلا أن المستفيدين الرئيسيين من العولمة كانوا في التحليل النهائي الشركات متعددة الجنسيات والمستثمرين الأجانب والمساهمين. ففي دول العالم المتقدم والنامي، على حد سواء، أصيبتأجور العمال والطبقة الوسطى بالركود، وتضاءلت عائدات الضرائب، ولم تتحسن الظروف المعيشية للغالبية العظمى من المواطنين، بل على العكس تزايدت نسب عدم المساواة بين دول العالم المختلفة، وكذلك داخل الدولة الواحدة إلى مستويات غير مسبوقة، مع تركيز الثروة في قطاع محدود من السكان. كما أن تراجع سيطرة الدول على أنشطة الشركات العابرة للحدود وعلى الأسواق المالية نتج عنه تراجع قدرة الدول على تنظيم الأنشطة الاقتصادية وعلى فرض الضرائب على أرباح الشركات والأسواق المالية. وانتشر على نطاق واسع استخدام الملاذات الضريبية وشركات الأوفشور كأدوات للتهرب الضريبي القانوني وغير القانوني.

والأخطر من ذلك، أن النمو الاقتصادي غير المسبوق المرتبط بعولمة الإنتاج والاستهلاك، والاستخدام واسع النطاق للوقود الأحفوري، والزيادة الهائلة في معدلات الشحن البحري والسفر الجوي كان له تكلفة بيئية عالية، حيث أصبح التلوث والتدهور البيئي وتغير المناخ، والأمراض ونقص الغذاء والماء يمثل خطورة على بقاء البشرية على المدى الطويل.

أخيرًا، بالإضافة إلى حركة السلع ورأس المال، ارتبطت العولمة أيضًا بحركة الناس غير المسبوقة. فقد أدت الهجرة الواسعة النطاق، ونزوح السكان بسبب الصراع والفقر والتدهور البيئي، إلى تغيير التكوين الاجتماعي للمجتمعات في مختلف أنحاء العالم، مما تسبب في تصاعد النزعات القومية وكراهية الأجانب وتصاعد الحركات القومية الشعبوية اليمينية عبر الدول المتقدمة والنامية.

ونتيجة لكل ذلك، حقق الأحزاب والقادة الشعبويون القوميون في السنوات الأخيرة مكاسب سياسية غير مسبوقة حيث انهم يتبنون أجندة سياسية معادية للعولمة، وداعمة للحمائية الاقتصادية، والمحافظة الاجتماعية، والنزعات القومية المعادبة للأجانب والمهاجرين. وتدلل الترامبية والبريكست والحرب التجارية الصينية الأمريكية على تصاعد المشاعر المناهضة للعولمة في المملكة المتحدة وبريطانيا.

هل من بديل للعولمة؟

لا يزال بعض المتفائلين والليبراليين العقائديين يعتقدون أنه على الرغم من تراجع العولمة، فإنه لا يمكن إيقافها أو عكسها تمامًا. إنهم ينظرون إلى الاتجاه الحالي نحو تراجع العولمة على أنه خلل مؤقت سيتم تجاوزه قريبًا. ويعبر عن ذلك التوجه ما كتبه أحد المعلقين: "ماتت العولمة! تعيش العولمة".[4] ويعتقد أنصار هذا الرأي أن العولمة في مأزق لأنها تحتاج إلى مزيد من التعميق والإصلاح عن طريق خفض التدخلات الحكومية والدعم والحواجز التجارية بشكل أكبر. فهم يرون أن تدخل الحكومات والتلاعب لدعم الصناعات أو الشركات الوطنية وتقديم الدعم لحماية قطاعات الاقتصادية الحيوية، مثل الزراعة، هو المسئول عن مشاكل العولمة الحالية. ويؤكدون أنه بدون العولمة لا يمكن أن يكون هناك نمو أو تنمية أو ابتكار. إلا إن حتمية مثل هذا السيناريو بعيدة كل البعد عن الواقع الحالي، حيث تتجه الرياح السياسية في كثير من دول العالم في اتجاه معادي للعولمة وداعم للانغلاق الاقتصادي.

يتوقع محللون آخرون تحولًا من العولمة إلى "الأقلمة"؛ فهم يرون أن التعددية القطبية ستؤدي إلى ظهور تكتلات اقتصادية إقليمية منفصلة، على الأرجح ثلاث كتل تجارية رئيسية: الأولى، في الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية، والثانية في أوروبا، والثالثة في آسيا والصين. ويتوقعون أن تنقسم هذه الكتل الإقليمية من حيث العملات المتداولة وأسواق رأس المال وشبكات الإنتاج وسلاسل التوريد. وبالتالي، وفقا لهذا السيناريو من المرجح أن يزداد التفاعل الاقتصادي داخل هذه الكتل، وأن ينخفض ​​فيما بينها.

إلا أن التحول إلى "الأقلمة" تعيقه أيضا العديد من العوامل. فقد وجهت "الترامبية" الكثير من سخطها ضد المهاجرين من أمريكا اللاتينية وإلى اتفاقية نافتا مع كندا والمكسيك. وبالمثل، في المملكة المتحدة، اتخذت المشاعر المناهضة للعولمة شكل حركة مناهضة للاتحاد الأوروبي، وبلغت ذروتها في استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. كما أن معظم الحركات الشعبوية القومية في أوروبا لديها أجندة مناهضة للاتحاد الأوروبي. وفي آسيا، هناك الكثير من المعارضين للهيمنة الصينية، حيث تضغط دول مثل اليابان وأستراليا والهند من أجل تقليل الاعتماد على سلاسل التوريد التي تتركز في الصين.

لذلك فقد يكون البديل الآخر للعولمة، والذي نشهده حاليا، هو الصعود المستمر للحركات القومية الشعبوية اليمينية والتي ستؤدي إلى تصاعد الحروب التجارية، والحمائية الاقتصادية، والحدود المغلقة، والانعزالية، والصراع الدولي.

***

إن تصاعد الانتفاضة ضد العولمة، والحمائية الاقتصادية، والنزعات القومية والشعبوية، على الرغم من أنها أمور مفهومة في ضوء مثالب العولمة التي سبق ذكرها، إلا أنها تأتي أيضًا في لحظة تاريخية غير مواتية، ذلك أن التحديات التي تواجه العالم في القرن الحادي والعشرين، مثل الأوبئة وتغير المناخ والإرهاب السيبراني وضرورة تنظيم الأسواق المالية والشركات متعددة الجنسيات والتهرب الضريبي، تتطلب جميعها زيادة الحوكمة والتعاون على الصعيد العالمي. وكما أكد أحد المعلقين، ربما يكون التراجع عن العولمة هو أسوأ إجابة ممكنة لمشاكل القرن الحادي والعشرين.[5] ومن المرجح أن تحدد كيفية التعامل مع هذه المفارقة بين الحاجة إلى تعزيز الحوكمة والتعاون الدوليين، من ناحية، وتصاعد النزعات القومية والمشاعر المناهضة للعولمة من ناحية أخرى، مصير البشرية في القرن الحادي والعشرين.


[1] https://www.weforum.org/agenda/2020/09/convergence-threatened-by-deglobalization-covid19/

[2] https://www.piie.com/blogs/realtime-economic-issues-watch/pandemic-adds-momentum-deglobalization-trend

[3] https://www.economist.com/briefing/2019/01/24/globalisation-has-faltered

[4] https://www.weforum.org/agenda/2019/01/long-live-globalization/

[5] https://www.cfr.org/article/deglobalization-and-its-discontents

طباعة
د. دينا شحاتة

رئيس وحدة الدراسات المصرية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية