مقالات تحليلية

قراءة في فريق السياسة الخارجية في إدارة بايدن: المزج بين تياري التقليد والتجديد

طباعة

بعد ظهور نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية، والتي حقق فيها المرشح جو بايدن انتصارا ضيقا على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد معركة انتخابية محتدمة شارك فيها أكثر من 160 مليون ناخب أمريكي، استهل جو بايدن تشكيل فريقه الرئاسي بالإعلان عن أعضاء فريق السياسة الخارجية الأمريكية، والذي تضمن أنثوني بلينكن Antony Blinken كوزير للخارجية، وليندا توماس جرينفلد Linda Thomas-Greenfield كسفيرة للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، وجيك ساليفان Jake Sullivan كمستشار للأمن القومي، بالإضافة إلى جون كيري John Kerry كمبعوث لشئون تغير المناخ، وأفريل هاينز Avril Haines كمديرة للاستخبارات القومية.

ويعد الإعلان عن فريق السياسة الخارجية بهذه السرعة إشارة واضحة للعالم أن الولايات المتحدة ستعود بثقلها الكامل إلى الساحة الدولية بعد أربع سنوات من "الانسحاب" أو تخفيض مستوى حضورها. وقد أكد جو بايدن في مؤتمره الصحفي للإعلان عن فريق السياسة الخارجية أن الولايات المتحدة قد عادت إلى العالم America is back.

ومن أهم ملامح الفريق الذي تم اختياره أنه فريق متجانس إلى حد كبير، تعاون أعضاؤه على مدار سنوات طويلة خلال مرحلة إدارة أوباما والحملة الانتخابية للرئيس بايدن. كذلك يتشكل هذا الفريق من شخصيات معروفة بمهنتيها وبولائها المؤسسي، مما دعا بعض حلفاء ترامب إلى وصفهم بأنهم يمثلون "الدولة العميقة"، أي دولة المؤسسات الأمريكية التي طالما استهدفها وانتقدها ترامب خلال فترة إدارته. من ناحية أخرى، يعكس هذا الفريق عودة السياسية الخارجية إلى الخبراء والمهنيين بعد أن تم تهمشيهم في إدارة ترامب. ويعكس كذلك العودة إلى ثوابت السياسية الخارجية الأمريكية التي تعتمد على منظومة القيم والمؤسسات التي تم تأسيسها بعد الحرب العالمية الثانية.

الخلفيات المهنية والسياسية

نشير فيما يلي إلى الملامح العامة للخلفيات المهنية والسياسية لأعضاء فريق السياسة الخارجية الأمريكية الجديد.  

1- وزير الخارجية انتوني بلينكن (58 سنة)

هو يهودي أمريكي أمضى المراحل الأولى من نشأته في باريس، ويتحدث الفرنسية بطلاقة. تأثرت نشأته بتجربة زوج والدته، أحد الناجين من تجربة الهولوكوست، حيث تم إنقاذه من المخيمات النازية من قبل جنود أمريكيين. ويرى بلينكن أن تجربة زوج والدته تعبر عن الدور الذي يجب أن تلعبه الولايات المتحدة في العالم كمدافع عن الحريات والفئات المستضعفة. شغل بلينكن منصب نائب وزير الخارجية ونائب مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس أوباما. وقبل ذلك شغل منصب مستشار الأمن القومي لنائب الرئيس جو بايدن. خلال فترة خدمته في إدارة أوباما، لعب بلينكن دورا مهما في صياغة السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، وكان له دور مهم في الوصول للاتفاق النووي مع إيران. كما شارك في صياغة سياسة إدارة أوباما تجاه الدول الإسلامية وأحداث الربيع العربي. يوصف بلينكن بأنه يمثل تيار الوسط في السياسة الخارجية الأمريكية، وأنه مساند لمنهج تدخلي في الصراعات الدولية، وأنه الأقرب إلى توجهات بايدن في مجال السياسة الخارجية، حيث عملا معا لأكثر من ٢٠ عاما في لجنة السياسات الخارجية ثم في إدارة اوباما.

2- مستشار الأمن القومي جيك ساليفان (44 سنة)

هو أصغر مستشار امن قومي في تاريخ الولايات المتحدة. شغل منصب نائب مساعد الرئيس الأمريكي باراك اوباما ومستشار الامن القومي لنائب الرئيس جو بايدن في إدارة أوباما، قبل ذلك شغل منصب مدير تخطيط السياسات في وزارة الخارجية و منصب نائب مدير الموظفين في وزارة هيلاري كلينتون، وكان ساليفان المفاوض الامريكي الرئيسي في الاتفاق النووي الإيراني. كما شارك في حملة كلينتون في الانتخابات الرئاسية عام 2016، وكانت تجربة ساليفان في حملة هيلاري كلينتون الرئاسية مهمة في تشكيل رؤيته لمستقبل السياسة الخارجية الامريكية في القرن الواحد والعشرين حيث شارك مع مجموعة من الخبراء في مجموعة عمل لاستكشاف أسباب عدم رضاء الطبقة الوسطي الامريكية عن السياسة الخارجية الامريكية والتي تجلت في اتجاه هذه الشريحة للتصويت لسياسات ترامب الانعزالية. وتوصلت مجموعة العمل تلك إلى عدد من الاستنتاجات مفادها أن انخراط الولايات المتحدة في العالم من خلال التمدد العسكري والعولمة واتفاقيات التجارة الحرة كان له تأثيره السلبي على المواطن الأمريكي العادي والذي شعر أن الموارد والوظائف والمكاسب أصبحت تتركز في أيدي فئة محدودة من الشركات. وطرحت مجموعة العمل عددا من التوصيات، أهمها ضرورة أن تعمل السياسة الخارجية الأمريكية على خدمة مصالح المواطن الأمريكي أولا وأخيرا، وأن هناك ضرورة ملحة لربط القضايا الداخلية، مثل التنمية وحماية المناخ وتحقيق المساواة، مع القضايا الخارجية، وأن دور الولايات المتحدة في العالم يجب أن يرتبط في المقام الأول بتحقيق مصالح المواطن الأمريكي.

3- سفيرة أمريكا لدى الأمم المتحدة بدرجة وزير ليندا توماس جرينفلد (68 سنة)

هي أمريكية من أصول أفريقية، شغلت منصب مساعد وزير الخارجية للشئون الأفريقية خلال الفترة (2013-2017). قبل ذلك شغلت منصب مدير عام الخدمات الخارجية في وزارة الخارجية، وسفيرة الولايات المتحدة في دولة ليبريا. ويأتي تعيين توماس جرينفلد تأكيدا على أهمية دور مؤسسة وزارة الخارجية وتقاليد الدبلوماسية الأمريكية بعد أن عمل ترامب على تهميش دور الدبلوماسيين المهنيين في وزارة الخارجية واستبدالهم بمجموعة من الموالين من خارج الوزارة. كما يأتي تعيين جرينفلد تأكيدا على أهمية الملف الأفريقي والقارة الأفريقية بين أولويات إدارة بايدن.

4- المبعوث الخاص للتغيير المناخي جون كيري (77 سنة)

شغل كيري منصب وزير الخارجية الأمريكية في الفترة الثانية من ولاية أوباما (2013- 2017). وكان له دور بارز في التفاوض على اتفاق باريس للمناخ. ويأتي تعيين جون كيري في هذا المنصب تأكيدا على أهمية ملف التغيير المناخي في السياسة الخارجية الأمريكية في الفترة القادمة.

5- مدير الاستخبارات القومية افريل هاينز (51 سنة)

هي أول امرأة تشغل هذا المنصب في تاريخ الولايات المتحدة. عملت مع بايدن خلال فترة رئاسة أوباما، وقادت فريق بايدن الانتقالي في مجال الأمن القومي والسياسية الخارجية. كما شغلت منصب نائب مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، ثم نائب مدير وكالة الاستخبارات المركزية. وكانت أول سيدة تشغل هذين المنصبين. وفي منصبها الحالي ستقوم بمباشرة برنامج الأمن القومي، ومجلس الأمن القومي، ومجلس الأمن الداخلي.

استنتاجات مهمة

يعبر فريق بايدن للسياسة الخارجية عن وجود تيارين رئيسين داخل الحزب الديمقراطي فيما يخص السياسة الخارجية الأمريكية:

التيار الأول، هو تيار التقليد the restorationists، والذي يدعو إلى استرجاع تراث بيل كلينتون وباراك أوباما في السياسة الخارجية والمسمى بـ"العالمية الليبرالية"liberal internationalism  الذي يركز على القيادة الأمريكية للعالم من خلال منظومة القيم والاتفاقيات والمؤسسات التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية، والذي يعتمد على استخدام القوة العسكرية والدبلوماسية لنشر القيم الليبرالية في شقيها الاقتصادي والسياسي، وتدعيم منظومة العولمة والتجارة الحرة والانفتاح الاقتصادي.

التيار الثاني، ويمثله جاك ساليفان المرشح لمنصب مستشار الأمن القومي، وهو تيار التجديد the transformationists، وهو تيار يدعو إلى ضرورة إعادة النظر في السياسة الخارجية الأمريكية وتطويعها لخدمة مصالح الطبقة الوسطى الأمريكية. ويدعو هذا التيار إلى الربط بين القضايا الخارجية والقضايا الداخلية بشكل أكبر، وإلى إعادة النظر في السياسات التي كان لها نتائج سلبية على المواطن الأمريكي، حيث أدى التمدد العسكري والعولمة والانفتاح الاقتصادي إلى تراجع الموارد والخدمات العامة، وتصاعد دور الشركات العابرة للدول، وانتقال الوظائف والصناعات إلى الصين وشرق آسيا، وتراجع الدخل الضريبي على الشركات، وتزايد الفقر وعدم المساواة، مما أثر بالسلب على الطبقة الوسطى داخل الولايات المتحدة ودفعها لتأييد برنامج ترامب الشعبوي والانعزالي. ويدعو هذا التيار إلى سياسة خارجية تُعيد النظر في منظومة العولمة والتجارة الحرة بشكلها الحالي، وتضع حدا للتمدد العسكري الأمريكي.

ويعبر برنامج بايدن الانتخابي، كما يعبر تشكيل فريق السياسة الخارجية، عن محاولة للجمع بين هذين التيارين في المرحلة القادمة. ذلك أن برنامج بايدن، بالإضافة إلى تصريحاته وتصريحات فريق السياسية الخارجية، يؤكد أن السياسة الخارجية الأمريكية في الفترة القادمة ستركز على أربعة أهداف أساسية:

الأول، هو دعم وتجديد الديمقراطية في الداخل والخارج، حيث يرى بايدن وفريقه أن تصاعد دور الدول والقوى الشعبوية والسلطوية في السنوات الأخيرة بدعم من روسيا والصين قد أدى إلى تراجع القيم والمؤسسات الديمقراطية في أمريكا والعالم، وأن الفترة القادمة تتطلب إعادة الحيوية للمنظومة الديمقراطية داخل الولايات المتحدة والتحالف الغربي وخارجهم بهدف وقف التمدد السلطوي والشعبوي وتصاعد النفوذ الصيني والروسي. ودعا بايدن الدول الديمقراطية إلى قمة دولية للديمقراطية خلال السنة الأولى من إدارته بهدف تجديد وتدعيم القيم والمؤسسات الديمقراطية وإعادة إحياء التحالف بين الدول الديمقراطية في مواجهة التمدد السلطوي بقيادة روسيا والصين. وأكد برنامج بايدن أنه بالإضافة إلى الدول الديمقراطية، ستشارك منظمات المجتمع المدني في الدول غير الديمقراطية، في هذه القمة.

الثاني، هي تبني سياسة خارجية تخدم الاقتصاد الأمريكي والطبقة الوسطى الأمريكية من خلال التركيز على إعادة تأهيل هذه الطبقة، ودعم الريادة الأمريكية في مجال الإبداع والتكنولوجيا، ومراجعة الاتفاقيات التجارية والاقتصادية التي لا تخدم مصالح هذه الطبقة، خاصة الاتفاقات التجارية مع الصين.

الثالث، هو عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاقيات والمنظمات الدولية التي انسحب منها ترامب، حيث أكد بايدن أنه سيعود إلى اتفاقية باريس في أول يوم له في السلطة. كما أكد بايدن وفريقه على أهمية العمل على إعادة إحياء الاتفاق النووي الإيراني بعد مراجعته. كما أكد برنامج بايدن على أهمية العمل الجماعي في إطار المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة والناتو بهدف حماية المصالح الأمريكية والنظام الدولي. كما أكد البرنامج على ضرورة الاعتماد بشكل أوسع على الآليات الدبلوماسية، مع الانسحاب العسكري من الحروب والصراعات الممتدة، واستخدام القوة العسكرية بشكل جراحي ومحدود لحماية المصالح الأمريكية.

الرابع، هو محاربة التغيير المناخي من خلال دفع دول العالم لتبني إجراءات والتزامات جادة لتقليل الانبعاثات السامة وحماية البيئة ووقف التلوث البيئي والمناخي. ودعا البرنامج إلى عقد قمة مناخية لتحقيق تقدم ملموس في هذا الملف.

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فيبدو أن الاهتمام الأمريكي سينصب على عدد من الأهداف المحددة، وهي محاربة الإرهاب من خلال تدخلات عسكرية محدودة وجراحية، والانسحاب العسكري من الصراعات الممتدة، ووقف الدعم الأمريكي للحرب داخل اليمن، وإعادة التفاوض على الاتفاق النووي الإيراني واحتواء التمدد الإيراني في الإقليم، وحماية أمن إسرائيل، وأخيرا التأكيد على ضرورة احترام الحريات وحقوق الإنسان. وبشكل عام، يحتل الشرق الأوسط أولوية متأخرة في رؤية بايدن وفريقه، وهناك رغبة واضحة في تقليل الاهتمام والتمدد العسكري الأمريكي في هذه المنطقة من العالم.

طباعة
د. دينا شحاتة

رئيس وحدة الدراسات المصرية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية