متابعات تحليلية

قراءة في تقرير مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2020

طباعة

يتناول تقرير مؤشر الإرهاب العالمي الصادر في ديسمبر 2020 تطور النشاط الإرهابي في العالم خلال عام 2019، وجزء من عام 2020. ويرتب التقرير دول العالم حسب درجة تأثرها واستهدافها بالنشاط الإرهابي. ويرتب المؤشر الدول الأكثر تأثراً بالإرهاب تبعاً لعدد الهجمات الواقعة داخل الدولة، وعدد الضحايا والمصابين في كل هجوم، وحجم الدمار المادي الذي يصيب المنشآت، ومدى تأثر هذه الدولة بالإرهاب خلال السنوات الخمس الماضية. ويضع المؤشر لكل دولة درجة على سلم درجات من 10 إلى صفر، بحيث تكون الدول الأكثر عُرضة للإرهاب أقرب لدرجة 10 وأقلها أقرب لدرجة صفر. ثم يستعرض التقرير السياق الأمني والسياسي والاقتصادي للدول العشر الأكثر تأثرا بالإرهاب حول العالم، ويصف بدقة سياق تنفيذ الهجمات، وعدد الضحايا، وأسلوب التنفيذ، وغيرها من التفاصيل المرتبطة بالهجمات الإرهابية.

وقد اعتبر تقرير هذا العام أن الدول الأكثر تأثراَ بالهجمات الإرهابية، هي: أفغانستان ثم العراق ثم نيجيريا ثم سوريا ثم الصومال ثم اليمن ثم باكستان ثم الهند ثم جمهورية الكونغو الديمقراطية ثم الفلبين. كما وضع التقرير مصر في المركز 14، وليبيا في المركز 16، وتركيا في المركز 18، وسيريلانكا في المركز 20، وجنوب السودان في المركز22، والسودان في المركز 26.

وقد يثير ترتيب مصر سؤالا: كيف تأتي مصر في الترتيب رقم (14)، وقبل ليبيا بمركزين فقط (جاءت ليبيا في الترتيب 16)، وذلك رغم الفروق الجوهرية بين مصر كدولة مستقرة، وليبيا التي تعاني من وطأة حرب أهلية متعددة الأطراف والجبهات. الحقيقة أن تعريف الهجمات التي يرصدها التقرير عددياً، ويبني عليها ترتيب الدول على المؤشر، لا ينظر إلى سياق استقرار الدولة أو قوة ورسوخ مؤسساتها، بل ينظر فقط إلى عدد الهجمات الإرهابية. ومن ثم، ووفقا للتقرير، فإن ليبيا -على سبيل المثال- تعاني من حرب مفتوحة وميليشيات منفلتة تُصنف على أنها "مرتزقة"، لكن مع ذلك فإن الهجمات التي تنفذها هذه الميليشيات ترقى إلى التمرد أو الصراع السياسي المسلح ضمن سياق عام من حرب أهلية، ولا يصنفها التقرير على أنها "هجمات إرهابية" منفصلة. وذلك على العكس من مصر التي يصنف التقرير نشاط التنظيمات الإرهابية بها على أنها "عمليات إرهابية"، وذلك رغم التباين الجوهري بين السياق السياسي والأمني في كل من مصر وليبيا، حيث يتم تصنيف الهجمات الارهابية المتفرقة ضد مؤسسات الدولة أو المواطنين أو المرافق العامة على أنها أنشطة إرهابية، ويتم إضافتها إلى الإحصاء الكمي الذي يقوم به التقرير.

ويستعرض التقرير أيضا أسوأ العمليات التي تم تنفيذها خلال العام من حيث عدد الضحايا. وكانت أسوأ العمليات خلال العام 2019 كالتالي:

- العملية المنفذة في 21 أبريل، في سريلانكا، وتبناها تنظيم داعش، وسقط فيها 266 ضحية.

- العملية المنفذة 23 مارس في مالي، وتبناها تنظيم "دانا أمباساجو"، وسقط فيها 157 ضحية.

- العملية المنفذة في 21 يناير، وتبنتها حركة طالبان، وسقط فيها 129 ضحية.

- العملية المنفذة في الكاميرون في 9 يونيو، وتبناها بوكو حرام وسقط فيه 101 ضحية.

- العملية المنفذة في أفغانستان في 17 أغسطس، وتبناها تنظيم ولاية خرسان التابع لداعش، وسقط فيه 93 ضحية.

- كما تم تصنيف حادثة نيوزيلاندا في 15 مارس ضد عدة مساجد في المركز 13 لأسوأ هجمات هذا العام، وتبناها متطرفون معادون للمسلمين وسقط فيها 51 ضحية.

ويتضمن التقرير أيضا اتجاهات عامة في تصنيف النشاط الإرهابي في العالم مقارنة بالأعوام السابقة. وبصفة عامة، انخفض عدد الوفيات التي تسببت بها الهجمات الإرهابية حول العالم (13 ألف حالة وفاة)، بانخفاض نسبته 20% مقارنة بالعام الماضي، وبحوالي 59% بالمقارنة بعام 2014 الذي شهد ذروة الهجمات الإرهابية (حوالي 33 ألف حالة وفاة). ويعزو التقري هذا الانخفاض في عدد الهجمات وما ينتج عنها من وفيات إلى عدة عوامل، أهمها انخفاض حدة الصراع في الشرق الأوسط، وتناقص نفوذ داعش في سوريا والعراق، مما انعكس في انخفاض عدد الوفيات من جراء الأعمال الإرهابية في كل مناطق العالم كالشرق الأوسط وروسيا وآسيا الوسطى وأمريكا الجنوبية وجنوب آسيا.

تراجع الأنشطة الإرهابية في عام 2019

يرى التقرير أنه منذ انتشار وباء "كوفيد-19" انخفض عدد العمليات الإرهابية بنسبة 13% عن العام السابق، وتراجع أيضا عدد الضحايا مع تراجع عدد العمليات. لكن التقرير يحذر من أن يتسبب الوباء في خفض وتحويل الأموال المخصصة لمكافحة الإرهاب ومساعدات الدول الكبرى لدعم دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء في مكافحة الإرهاب، بحيث تُخصص هذه الأموال إلى مخصصات أخرى كالصحة والدواء والغذاء وغيرها من متطلبات يفرضها الوباء.  

ومن مظاهر انخفاض معدلات الإرهاب خلال العام 2019، وفقا للتقرير، أن حوالي 103 دولة على مؤشر الإرهاب تحسنت مراكزها على المؤشر (أي أصبحت أقل تأثراً بالإرهاب) في مقابل تراجع مراكز 25 دولة على المؤشر حيث أصبحت في مراكز أسوأ (أي أكثر تأثراً بالإرهاب). وبينما يُعتبر عدد وفيات الإرهاب هذا العام في أقل مستوى له منذ عام 2012، لكن يظل الإرهاب تهديد خطير للأمن العالمي، ولا يزال في معدل قياسي بالمقارنة بسنوات ما قبل الذروة، أي ما قبل عام 2001، وهو رقم قياسي في ضحايا الإرهاب (هجمات 11 سبتمبر). كما سجلت كل مناطق العالم معدلات أقل في ضحايا الإرهاب ما عدا ثلاثة مناطق سجلت ارتفاعا في عدد الضحايا، هي أفريقيا جنوب الصحراء، وجنوب آسيا، وأمريكا الشمالية. ومما يعكس أيضا انخفاض النشاط الإرهابي أنه حتى الدول الخمسة الأولى الأكثر تأثراً بالإرهاب، منها ثلاثة دول انخفض فيها عدد الضحايا عن العام الماضي، وهي أفغانستان ونيجيريا والصومال، فيما ارتفع عدد الضحايا في كل من بوركينا فاسو ومالي، وهي أيضا المرة الأولى التي تدخل فيها هاتان الدولتان في عداد الدول الأكثر تأثرا بالإرهاب. أما فيما يتعلق بالانتشار الجغرافي للإرهاب، فإن التقرير يرى أن النشاط الإرهابي يتركز في دول معينة حول العالم، حيث يتركز 80% من عدد ضحايا الإرهاب في 10 دول بالأساس، على رأسها أفغانستان التي سقط بها 41% من ضحايا الإرهاب في العالم خلال الفترة التي يغطيها التقرير.  

تراجع التكلفة الاقتصادية للإرهاب

يرصد التقرير أيضا التكلفة الاقتصادية بسبب الإرهاب خلال ذلك العام، ويقدرها بحوالي 26.4 مليار دولار، وذلك بانخفاض قدره 25% عن خسائر العام الماضي، وهو العام الخامس على التوالي الذي تنخفض فيه الخسائر بعد عام الذروة (2014) الذي وصلت فيه الخسائر إلى حوالي 116 مليار دولار. وتجدر الإشارة هنا أن هذه الخسائر التكلفة المباشرة (تدمير الممتلكات الخاصة، والمرافق العامة ...إلخ) والتكلفة غير المباشرة (مثل الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الكساد المصاحب للهجمات الإرهابية، وعدم انتظام سبل المعيشة، وخسائر الناتج المحلي الإجمالي للدول المتأثرة بالهجمات الإرهابية ...إلخ).

داعش هو الأخطر

يعتبر التقرير أن تنظيم داعش من أكثر التنظيمات الإرهابية تدميرا حول العالم، سواء من خلال الهجمات التي تنفيذها في الغرب أو في دول الجنوب. فقد نفذت داعش حوالي 3000 هجوماً منذ تأسيسها في 48 دولة حول العالم، منها 382 هجوما في 27 دولة خلال عام 2019. وعقب محاصرة نفوذها في سوريا والعراق، انتقلت "داعش" لتنفيذ هجماتها من خلال الأفرع التابعة لها، سواء تحت ما يسمى "الولايات"، أو مجرد المجموعات الإرهابية الصغيرة التي تنفذ هجمات متنقلة بين الدول. وجاءت فرنسا في مقدمة الدول الأكثر تأثرا بنشاط داعش في الغرب، تليها الولايات المتحدة، ثم بلجيكا، ثم بريطانيا، ثم إسبانيا، ثم ألمانيا. أما في دول الجنوب، فيتم تصنيف تنظيمات وفروع داعش من حيث خطورتها وقدرتها على تنفيذ هجمات خلال كل سنوات نشاطها وليس خلال العام الحالي فقط. وجاء في المرتبة الأولى تنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا (أسقط بهجماته 4188 ضحية، والعدد التقريبي لأعضاء التنظيم 3500 إرهابي)، ويستهدف الكاميرون وتشاد ونيجيريا والنيجر. ثم فرع خرسان (مسئول عن سقوط 3134 ضحية. ويقدر حجمه بحوالي 2200 إرهابي)، ويستهدف افغانستان والهند وباكستان. ثم تنظيم ما يُسمى "ولاية سيناء" (مسئول عن سقوط 1240 ضحية/ ويقدر حجمه بحوالي 1250 إرهابي)، ثم ولاية طرابلس وبرقة وفزان التابع لتنظيم الدولة الإسلامية، وينشط في ليبيا وتونس (مسئول عن سقوط 725 ضحية/ ويقدر حجمه بحوالي 500 إرهابي)، يليه الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى في بوركينا فاسو ومالي والنيجر (مسئول عن سقوط 266 ضحية/ ويقدر حجمه بحوالي 425 إرهابي).

ولعل تصنيف التقرير أنصار بيت المقدس على أنه من أخطر ثلاثة تنظيمات تابعة لداعش يعود لأنه ينسب له حادثة إسقاط الطائرة الروسية عام 2015 الذي تسبب في مقتل حوالي 224 ضحية. لكن بصفة عامة، فإن متابعة نشاط هذا التنظيم ليست حاضرة بقوة في تقرير هذا العام، كما لا يُنسب له عمليات إرهابية كبيرة خلال هذا العام. كما أن تصنيف مصر في التقرير قد تأثر بقوة بحادثة الطائرة الروسية لأن قبل هذا الحادث كانت مصر في مركز متأخرة من حيث حجم النشاط الإرهابي بها. على سبيل المثال، في عام 2012 كانت مصر في المرتبة 27، ثم جاءت في تقرير العامين 2014 و2015 في المركز 13 بسبب الهجمات الإرهابية المتعددة في مختلف أنحاء البلاد لمدة عامين متتاليين، ثم بسبب حادثة الطائرة الروسية التي غطاها التقرير في إصداره لعام 2016 أصبحت مصر في المركز التاسع ضمن الدول الأكثر تأثراً بالإرهاب حول العالم. وفي هذا العام أيضا سبقت مصر ليبيا التي جاءت في المركز العاشر وذلك لنفس الأسباب التي ذكرناها مسبقاً مضافاَ إليها أهمية الحدث الذي ينسبه التقرير لتنظيم داعش الناشط في سيناء آنذاك وهو الهجوم على الطائرة الروسية وما ترتب عليه من خسائر كبيرة واضطراب في حركة الطيران والسياحة القادمة إلى مصر.

وبالعودة إلى تقرير هذا العام، يتبين أنه رغم انخفاض عدد وضحايا العمليات الإرهابية حول العالم، إلا أن هذا لا يعني زوال خطر الإرهاب. فالإرهاب انحسر من أحد أهم بؤره، وهي في الشرق الأوسط، وبدأ ينمو في مناطق أخرى مثل أفريقيا جنوب الصحراء، وأيضا في الغرب، خاصة حوادث الإرهاب التي يرتكبها إرهابيون من اليمين المتطرف. بمعنى آخر، فإن الإرهاب لا يزال منتشر جغرافياً حول العالم، حيث شهدت 90 دولة حوادث إرهابية هذا العام (2019/2020). أيضا أعلن نحو 89 تنظيم إرهابي مسئوليته عن ارتكاب هجمات خلال نفس الفترة.

الإرهاب في الغرب

يتناول التقرير حوادث الإرهاب التي تقع في الدول الغربية أيضا، لكنه يضعها في سياقها، حيث من واقع نحو ربع مليون ضحية للإرهاب حول العالم منذ عام 2002، سقط 1216 ضحية فقط في الدول الغربية، أي نحو 0.5% من ضحايا الإرهاب في العالم منذ 2002. أغلب تنظيمات الإرهاب التابعة لليمين المتطرف هي إرهاب سياسي يحاول فرض أجندة سياسية معينة، ونسبة قليلة منه هو إرهاب انفصالي (في مناطق تسعى للانفصال) أو إرهاب ديني مبني على معتقدات دينية متشددة. ويصنف التقرير تنظيمات الإرهاب التابعة لليمين المتطرف إلى تنظيمات مناهضة للإسلام أو للمسلمين، أو مناهضة للمهاجرين، أو مناهضة لحقوق المثليين أو مناهضة لليهود (معادية للسامية)، أو مناهضة لحقوق النساء، أو تنظيمات نازية جديدة، أو فاشية جديدة، أو تنظيمات انفصالية. ومنذ عام 2002، وقعت نحو 322 حادثة إرهابية تابعة لليمين المتطرف في الدول الغربية، منها 167 في الولايات المتحدة، تليها ألمانيا (48)، وبريطانيا (35)، وفرنسا (25)، والسويد (24)، ثم دول أخرى. وتسببت هذه الحوادث بإجمالي ضحايا 286، سقط منها 133 في الولايات المتحدة، يليها النرويج (78)، ثم نيوزيلندا (51)، ثم ألمانيا (19)، ثم كندا (16)، ودول أخرى.

ويقيس التقرير مدى خطورة إرهاب اليمين المتطرف مقارنةً بالإرهاب المرتبط بالإسلام الراديكالي؛ فيعتبر أن الإرهاب التابع لليمين المتطرف ليس خطيراً على نفس القدر لأنه يتسبب في المتوسط بنحو 0.86 حالة وفاة في كل حادثة مقارنةً بالإرهاب المرتبط بالإسلام الراديكالي الذي يتسبب في المتوسط بنحو 4.48 حالة وفاة في كل حادثة في الغرب.

ملاحظات مهمة يوردها التقرير

يتناول التقرير بعض أفضل الأساليب لمكافحة انتشار التنظيمات الإرهابية عبر عقدين من الزمان (منذ 2002 وحتى 2019)، إذ يعتبر أن أفضل أساليب مكافحة التنظيمات الإرهابية عندما تجري فور ظهور هذه التنظيمات وإعلانها عن نفسها، لأنها تكون في أضعف حالاتها، ولم تبن بعد ما يلزمها من شبكات للتمويل والتجنيد. ويذكر التقرير أن أغلب التنظيمات الإرهابية تستمر لسنة واحدة ثم تختفي وينشأ غيرها، وأن التنظيمات التي تستمر لعدة سنوات هي التي استطاعت أن تبني شبكات حماية عميقة تمدها بالتمويل والمجندين والدعاية التي تجذب المزيد من المتحمسين لفكرها المدمر. ويعتبر التقرير أن التجنيد يتم لصالح التنظيمات الإرهابية في أوساط الأشخاص الذين يشعرون أنهم منبوذون من المجتمع ويشعرون بالكراهية للدولة. ويتم التجنيد من خلال أساليب كثيرة، لكن أقواها هو التجنيد عبر المعرفة الشخصية من خلال روابط العائلة والصداقة. ثم يأتي دور الدعاية التي تبثها تنظيمات الإرهاب على "السوشيال ميديا" باعتبارها مادة فعالة جدا في تجنيد "المنبوذين من المجتمع" وإشعارهم بالانتماء إلى كيان أكبر يحقق أحلامهم. وهنا تأتي أهمية مراقبة المحتوى المحرض على العنف والإرهاب على هذه الوسائل كي يتم حذفها قبل وصولها لمتلقين محتملين، قد ينخرطون في ممارسة العنف والإرهاب، أو قد يتحمسون للتبرع المالي لهذه التنظيمات. وثالثاً يأتي دور الهجمات التي تنفذها التنظيمات الإرهابية وما تحظى به من تغطية إعلامية تجعلها جذابة في عين المتابعين لها مما قد يؤدي إلى مزيد من التجنيد. وهنا يأتي أهمية التناول الإعلامي بعد الحوادث الإرهابية الكبرى، بدلا من استعراض نقاط قوة هذه التنظيمات لابد من تسليط الضوء على تناقضاتها وكيفية استغلالها لنواقص الشباب الملتحقين بها.

ومن أهم الأسباب التي يعددها التقرير لخروج بعض العناصر من التنظيمات الإرهابية والتوقف عن الانخراط في العنف والإرهاب -استنادا إلى دراسات أجريت على مقاتلين سابقين ضمن صفوف داعش- هي تناقضات هذه التنظيمات، ومعاملتها غير الأخلاقية للمدنيين وللنساء وللأجانب، بالإضافة إلى الفساد والنفاق، والتناقض بين الشعارات المعلنة والواقع الفعلي لهذه التنظيمات، وسوء الأحوال المعيشية مقارنة بالأحلام الوردية والدعاية الإيجابية التي تروجها هذه التنظيمات عن نفسها. بما يعني أن أهم عوامل انحسار حماس الملتحقين بالتنظيمات الإرهابية والذي يدفعهم لمغادرتها هو التناقض بين التوقعات والواقع. ويرى التقرير ضرورة توظيف هذه الورقة، وتوظيف روايات هؤلاء حول واقع التنظيمات الإرهابية كورقة لتجفيف عمليات التجنيد التي تقوم بها هذه التنظيمات.

ولا يغطي التقرير فترة انتشار وباء "كوفيد-19" بالتفصيل، لكنه يشير إلى أن الإرهاب الذي كان يقع في داخل المدن قد تأثراً جدا بسياسة الإغلاق، ما أدى إلى انخفاض معدلاته. لكن الإرهاب الذي يقع في سياق الصراعات الجغرافية المفتوحة لم يتأثر، بل ربما زاد في بعض المناطق مثل أفريقيا جنوب الصحراء. وفي حين يبدو أن الإرهاب المتصل بالإسلام الراديكالي قد انخفض، فإن الإرهاب المتصل باليمين المتطرف قد يبدو أكثر خطورة، حيث برز للاعتراض على سياسات الإغلاق وإجراءات مختلف الدول الغربية لمواجهة الوباء وأيضا للترويج والدعاية لنظرية المؤامرة واستهداف الأقليات والمهاجرين باعتبارهم المسؤولين عن انتشار الوباء من وجهة نظر هؤلاء. أما بالنسبة للإرهاب المتصل بالإسلام الراديكالي، فانتشاره كان فرصة لهم للتبرير لدعايتهم الايديولوجية التي اعتبرت أن الخسائر الاقتصادية لكل دول العالم بفعل الوباء كانت عقابا من الله لعدم اتباع النهج الإسلامي، كما روجت لذلك هيئة تحرير الشام في سوريا، أو كعقاب إلهي لعدم الالتحاق بـ"دولة الخلافة" كما روجت الوسائل الإعلامية التابعة لتنظيم داعش، أو أن الوباء كان نتيجة مؤامرة من الصهيونية العالمية كما روجت قوات الحرس الثوري الإيراني، وهكذا. وبالتالي، فإن الوباء، وفترة انعدام اليقين، والتشكك في السياسات المستقبلية للدول، والسقوط في أزمات اقتصادية بسبب اضطراب حركة الاقتصاد، أو الانقطاع عن الدراسة بسبب سياسة الإغلاق، فإنها كلها فرص مواتية للغاية للتنظيمات الإرهابية كي تروج لخطابها ودعايتها على "السوشيال ميديا"، لكي تستقطب مجندين جدد من الشباب العاطل بسبب أزمة الاقتصاد أو المنقطع عن الدراسة أو المتضرر نفسيا من سياسات الإغلاق والعزل. لذا لابد من الاحتراس من فترة الهدوء النسبي التي تمت خلال انتشار الوباء، فإنها قد تكون فترة هدوء خادعة لأنه يجري فيها عمليات للتجنيد غير المنظورة، ولكن قد تظهر فيما بعد من خلال هجمات متجددة بأساليب مبتكرة.

_________________________________

للاطلاع على التقرير انظر الرابط التالي:

https://www.visionofhumanity.org/wp-content/uploads/2020/11/GTI-2020-web-1.pdf

 

طباعة
رابحة سيف علام

باحثة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية