متابعات تحليلية

الكرة والسياسة

طباعة

تعتبر كرة القدم من الرياضات الأكثر شعبية فى العالم، فكأس العالم لكرة القدم عام 2002 على سبيل المثال، شاهدها حوالى مليار مشاهد فى جميع دول العالم. ويوجد حوالى 270 مليون لاعب كرة قدم حول العالم، وفقا لتقديرات الاتحاد الدولى لكرة القدم (FIFA). فضلا عن كونها من الرياضات القليلة التى يتم لعبها فى جميع دول العالم.

وبالطبع لم تتوقف كرة القدم، ولكنها تطورت بل إنها شكلت انعكاسًا واضحًا، لطبيعة العلاقات الدولية والعلاقات بين الدول ومن ثم فرضت السياسة قواعدها فى الكثير من الأحيان، بنفس القدر الذى كانت تطورت معه أساليب الجذب والتشويق وربما التعاطف، وهو ما يتطابق مع فكرة دوركهايم المتمثلة فى الانتقال من التضامن الآلى إلى التضامن العضوى، الذى يسببه التشابه مع أعضاء المجموعة. إذ تمثل كرة القدم تضامنًا عضويًا ناشئًا عن تقسيم العمل والتخطيط الجماعى مع اعتراف دوركهايم بأن التضامن الآلى لا يبنى بالضرورة تضامنًا عضويًّا.

فرضت هذه الشعبية الجارفة للعبة كرة القدم نفسها على قواعدها وأطر تنظيمها بعد أن أصبحت صناعة يحكمها الكثير من قواعد "البزنس" والاحتراف، ويُرجع البعض أول تعامل بين نظام حكم وكرة القدم عام 1314م عندما أصدر ملك إنجلترا – آنذاك- إدوارد الثانى وثيقة رسمية يدين فيها الشغب الذى حدث عقب مباراة كرة قدم، وأمر فيها بمنع هذه اللعبة مستقبلا.

واتساقًا مع هذه الرؤية، فسوف يتناول هذا التقرير عملية الاستخدام السياسى/ الجوانب السياسية لكرة القدم، فكل بناء اجتماعي- ثقافي- رياضى له جانبه السياسي.

أولًا: كرة القدم تجسيد للحداثة السياسية

يرى بعض الباحثين أن صدور كتاب ميكيافلى "الأمير" بمثابة ميلاد للحداثة السياسية، والذى أشار فيه إلى أنه "ليس أمام الأمير من طريق إلى الحكم أو إلى تأسيس الدولة، سوى القوة، ولا مناص أمامه من أن يكون مرنا بما فيه الكفاية ليلتف حول كل عرض يعرض وكل ريح تهب". وبالتالى، لن يفوت أحد الحكام استغلال ستاد ممتلء بالجماهير، تتحكم فيها العاطفة والتحيز والتعصب الكروى لفريقها المحبَّذ، لصالحه.

وتشابك تاريخ كرة القدم مع السياسة بشكل وثيق منذ القدم. فقد إنشغل الباحثون منذ القرن التاسع عشر بمحاولة فهم الشعبية المتزايدة لهذه اللعبة، فوجدوا أن الفردية فى النادى تعويض عن العزلة، فى فترة ضاءلت الديمقراطية فيها الحدود بين البيئة الاجتماعية والاقتصادية وغيرهما، ورفعت القيود المفروضة بين هذه البيئات المختلفة. بمعنى آخر، عبرت شعبية كرة القدم عن تجسيدها للحداثة.

واحتلت كرة القدم مكانة خاصة فى الخيال الحداثى، على مستوى العالم. ولعب المغتربون البريطانيون دورًا أساسيًا فى إدخال هذه اللعبة إلى مصر والشرق الأوسط من خلال ثلاث قنوات تحديثية: المدارس التبشيرية، وصناعة النفط، والفرق الرياضية العسكرية.

ثانيًا: عناصر كرة القدم السياسية

يمكن تقديم تصور عن عدد من الموضوعات التى يتم دراستها للتعرف على الاستخدام السياسى/ الجوانب السياسية لكرة القدم، وهي:

1- إزالة التمييز العنصري: ويشير هذا الموضوع إلى سعى السلطات السياسية لإزالة التمييز العنصرى ضد بعض الفئات فى المجتمعات ذات التنوع العرقى واللغوى والقبلى والاثنى. فعلى سبيل المثال، حرصت الدول الأوروبية على استخدام الرياضة (وخصوصا كرة القدم) لإزالة التمييز العنصرى ضد بعض مواطنيها ذوى البشرة السمراء أو القادمين من دول أخرى غير أوروبية.

2- مواجهة الأجانب: ويشير هذا الموضوع إلى مجموعة من القيم المتعلقة بمهارات واستعداد المواطنين للتكاتف والتلاحم وإثبات المهارات ضد الأجانب. فعلى سبيل المثال، ارتبطت نشأة النادى الأهلى فى مصر، بقياس مهارات المصريين ضد المحتل الإنجليزى، وأن أى فوز عليه، يعد انتصارًا سياسيًّا للمصريين على الإنجليز.

3- رفع الروح الوطنية: يرتبط هذا العنصر بالفرق الوطنية، سواء فى كأس أفريقيا أو آسيا، أو القارات أو العالم. فإحراز المنتخب الوطنى للفوز والحصول على الكأس فى اللعبة، يسهم فى رفع الروح الوطنية للمواطنين. وبالتالى، لا يفوت أى نظام حاكم حول العالم استثمار هذا الفوز لصالحه.

4- الحصول على الشرعية الداخلية:يسعى أى نظام حاكم إلى حشد المواطنين خلفه، خاصة مع فرق النوادى ذات الشعبية الهادرة، وذلك من خلال: حضور المباريات النهائية أو إعلان الانضمام وتأييد فريق ما أو الجمع بين منصب رسمى ومنصب رياضى/ كروى. فعلى سبيل المثال، على مستوى مصر والشرق الأوسط وأفريقيا، يذكر بعض الباحثين على سبيل المثال: أن الملك فؤاد الأول، أول من اهتم بالرياضة لزيادة شعبيته، فقد حرص عام 1928 على لقاء وتشجيع الوفد المصرى الذى شارك فى دورة أمستردام الأوليمبية، وخاصة أن أول مباراة للفريق كانت مع الفريق التركى، وبالتالى فإن أى فوز رياضى، يعد فوزًا سياسيًّا فى ذات الوقت. وكذلك حضر الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك المباراة النهائية فى فعاليات كأس الأمم الأفريقية 2006.

 وتجدر الإشارة إلى أن عبد الحكيم عامر جمع بين منصب نائب رئيس الجمهورية ورئاسة اتحاد الكرة. وتولى الفريق أول عبد الحميد كامل مرتجى قائد القوات البرية فى حرب اليمن سابقا، رئاسة النادى الأهلي.

 5- الحصول على الشرعية الخارجية: يشير هذا الهدف إلى شعور السلطات المحلية بالحاجة إلى إعادة تنظيم الرياضة وفق المعايير الدولية؛ تحسبًا لدورة الألعاب الأوليمبية. وكأن الأنظمة السياسية تسعى من خلال المشاركة فى الأوليمبياد إلى أن يكون لها صوت مسموع على المستوى الدولى. فعلى سبيل المثال، استخدم موسيلينى نهائيات بطولة كأس العالم للترويج واستعراض فكره، ولم يقف عند هذا الحد، إذ أرسل للاعبين رسائل تهديد بأن الموت فى انتظارهم لو لم يحصلوا على البطولة.

وكذلك الحال بالنسبة إلى هتلر، الذى رفع ميزانية الدورة الأوليمبية من 3 ملايين دولار إلى 30 مليون دولار؛ من أجل استعراض تفوق الجيش، وعرض منتجاته الصناعية والتكنولوجية والأيديولوجية، وإصابة العالم بالذهول من التفوق الألمانى، من خلال إيصال الرسالة التالية إلى العالم: إن النظام السياسى والاقتصادى والاجتماعى فى ألمانيا هو النموذج الوسيط بين الرأسمالية والشيوعية.

6- تعزيز نمو الدول النامية من خلال كرة القدم: يمتلك قطاع الرياضة وخاصة كرة القدم إمكانيات كبيرة لتعزيز نمو الدول النامية؛ بسبب تحرير الحدود بينها وبين بعض الدول المتقدمة، مثل الاتحاد الأوروبى. فنجاح كرة القدم، إلى جانب التوسع الدولى القوى فى الرياضة، أفاد هذا التطور. ولعب عاملان دورا حاسما فى هذه العملية: أولهما، قواعد ((Bosmanالتى أسست حرية المهنيين الرياضيين للعمل فى الاتحاد الأوروبى. وثانيهما، اتفاق ((Cotonouالذى سمح لمواطنى أفريقيا ومنطقة البحر الكاريبى والمحيط الهادئ بالعمل بحرية فى الاتحاد الأوروبي.

ومن الجدير بالذكر أن كرة القدم أضحت سلعة يتم بيعها عالميًا، وأشار إلى ذلك بول رايتراز فى كتابه "الديمقراطيون الجدد والعودة إلى السلطة" بأن العلامة التجارية لقميص النادى تم إعادة صياغة سياستها، لتكون سلسلة شركات متعددة الجنسيات، وضرب مثالا على ذلك، بحضور مشجعين من جنوب آسيا النهائيات فى ملعب أولد ترافورد.

7- مؤشر للتنمية على المستوى الدولى: افترضت الأمم المتحدة وجود علاقة بين الرياضة بشكل عام والتنمية، ففى عام 2001 تم افتتاح مكتب الأمم المتحدة للرياضة من أجل التنمية والسلام ((UNOSDP، وذكر بان كى مون الأمين العام للأمم المتحدة سابقا فى 11 مايو 2011، أن "الرياضة أصبحت لغة عالمية، وقاسمًا مشتركًا يكسر كل الجدران والحواجز، وصناعة عالمية يمكن أن يكون لممارستها تأثير واسع النطاق، وأنها أداة قوية للتقدم والتنمية".

وتوصلت العديد من الدراسات إلى أن التنمية تؤثر على النجاح الرياضى، من ناحية. كما أن النجاح الرياضى يمكن أن يكون له تأثير إيجابى على التنمية: فالدراسات الاقتصادية اعتبرت أن الناتج المحلى الإجمالى مؤشر جيد على النجاح الرياضى، وخصوصا الدول الغنية التى تخصص موارد كبيرة لتعزيز الرياضة، فمن الأرجح أن تكون ناجحة، ووفقا لتقارير المفوضية الأوروبية حول الرياضة عام 2011، فإن صناعة الرياضة فى الاتحاد الأوروبى تمثل حوالى 7,3% من الناتج المحلى الإجمالى، و4,5% من إجمالى العمالة.

كما أشارت حسابات الأقمار الصناعية الرياضية الأوروبية إلى أن حسابات الرياضة تتراوح بين 3,7% و3% من الإنفاق الاستهلاكى، وبين 2,2% و0,4% من إجمالى القيمة المضافة، وبين 0,2 و8,5% من العمالة عبر الدول.

فعلى سبيل المثال، أسبانيا كانت دولة فقيرة نسبيًا، نظمت كأس العالم لكرة القدم عام 1982، وانضمت للاتحاد الأوروبى عام 1986، وشهدت خمسة وعشرين عامًا من النمو المستمر، والتقارب مع دول أوروبية أخرى.

وفيما يتعلق بتأثير النجاح الرياضى على التنمية، فقد انقسمت الدراسات حول هذا التأثير، فمن أثبت صحة العلاقة استند إلى توليد الأحداث الرياضية الكبرى -ككأس العالم لكرة القدم- للدخل وفرص العمل من السياحة المصاحبة لهذه الأحداث، فضلا عن تأثيرها الإيجابى على رأس المال البشرى والتقدم التقنى، من خلال تحسين الصحة والتعليم والإنتاجية.

بينما من نفى العلاقة بين تأثير النجاح الرياضى على التنمية، استند فى تحليله إلى صعوبة قياس هذا التأثير، وإن لم تركز عليه البحوث الاقتصادية بعد.

8- هجرة لاعبى كرة القدم من الجنوب إلى الشمال: تكشف الاختلالات فى العلاقة بين دول الجنوب ودول الشمال، أنها لصالح الأخيرة. وكانت البداية عام 1961، عندما حصل نادى بنفيكا البرتغالى على توقيع اللاعب أوزيبيو من موزمبيق- المستعمرة البرتغالية سابقا- وحصل على الجنسية البرتغالية بعد كأس العالم 1966 الذى توج هدّافًا لها.

فالقارة الأفريقية السمراء غنية بالمواهب الرياضية التى تألقت فى النوادى الأوروبية، وحصلت على جنسيات أوروبية بديلة لجنسياتها الأصلية، فزين الدين زيدان أسطورة كرة القدم الفرنسية جزائرى الأصل، وحصل لفريق فرنسا على بطولة كأس العالم لكرة القدم عام 1998، فضلا عن إيمانويل إديباريو النجم التوغولى، ولعب فى الدورى الإنجليزى، وجيجى أوكوشا النيجيرى الأصل، لاعب بولتون الشهير، ومايكل إيسيان الفهد الغانى ولاعب البلوز، ويايا توريه الإيفوارى نجم السيتيزنز الإنجليزى، وغيرهم كثيرون.

ثالثًا: كرة القدم وقواعد الفيفا

تنتقل عناصر الاستخدام السياسى لكرة القدم/ كرة القدم السياسية من جيل إلى جيل من خلال عملية التنشئة الاجتماعية والسياسية والرياضية، وعندما تتسارع عملية التغير، يزداد الشعور بأن الأسس الاجتماعية والسياسية لكرة القدم لم يصبها التراجع أو الضعف، وإنما تظل كرة القدم بشكل خاص متنفس الشعوب بعيدًا عن السياسة بشكل مباشر، من ناحية، ومن ناحية أخرى، حرصت جميع دول العالم على الالتزام بقواعد الفيفا وعدم الخروج عليها.

وهو ما يثبت التشابك القوى بين الرياضة/ كرة القدم بشكل خاص والعولمة، على الرغم من الاستخدام السياسى لكرة القدم من قبل الأنظمة الحاكمة، وقواعد الفيفا التى لا تقبل بهذا الاستخدام، فعلى سبيل المثال، طالب الاتحاد الدولى لكرة القدم باحترام ووقف التدخل السياسى فى شئون الكرة، على خلفية الأصوات التى دعت لسحب استضافة روسيا لمونديال هذا العام 2018، كما دعا رئيس الاتحاد السويسرى جياتى إنفانتينو لفصل السياسة عن الكرة، فيما يتعلق بالمباريات بين الأندية السعودية والإيرانية ضمن مسابقة دورى أبطال آسيا.

إن هذه التطورات تستدعى مراجعة لعناصر الاستخدام السياسي/ الجوانب السياسية لكرة القدم فى المجتمعات العربية بشكل خاص، وتعديلها وتغييرها، بما يحقق التكيف مع الحقائق الجديدة فى العالم، ويجعلها أكثر تجاوبًا مع قيم البشر وتفضيلاتهم وممارسات حياتهم اليومية، فاستخدام الرياضة فى دعم التنمية والقيم الإيجابية يستدعى تغيير منظورنا إلى كرة القدم، وإعطاء مساحة أكبر من الاهتمام بالسياسة الرياضية وفى القلب منها كرة القدم.

نشر هذا الموضوع في مجلة "أحوال مصرية"، العدد رقم 69، صيف 2018.

طباعة
د. أحمد خميس

مدرس العلوم السياسية، جامعة حلوان