أنشطة وفعاليات

تقرير "المسح الاستراتيجي لإسرائيل: 2018- 2019"... قراءة نقدية

شروق صابر * 541 12-6-2019
طباعة

عقد مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية سميناره العلمي الثالث عشر، في 23 أبريل 2019، تحت عنوان"عروض نقدية لبعض فصول تقرير "معهد دراسات الأمن القومي"(الإسرائيلي) The Institute for National Security Studies (INSS)" المسح الاستراتيجي لإسرائيل 2018- 2019" Strategic Survey of Israel (2018- 2019). وقد قام كل من دكتور حسن أبو طالب، مستشار المركز، أ.مهاب عادل، أ.جهاد عمر الخطيب، أ.نورا فخري، الباحثين المساعدين بالمركز، بعرض المداخلات الرئيسية في السمينار الذي أداره د. وحيد عبد المجيد، مدير المركز.

تناولت المداخلات عرض لفصول التقرير الاستراتيجي الصادر عن مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي بجامعة تل أبيب، والذي اعتاد المركز نشره منذ عام 2009.

استهل د. وحيد عبد المجيد السمينار بالتأكيد على أن من أهم ما يميز هذا التقرير هو طريقة كتابته، حيث يرتبط كل فصل من فصوله بمسألة الأمن القومي الإسرائيلي وفقًا للتعريف والأولويات التي يراها المعهد. كما يُلاحظ أنه رغم أن التقرير يغطي عام 2018 بالأساس إلا عنوان الغلاف تضمن عامي (2018-2019)، ويرجع ذلك إلى حرص التقرير على تقديم بعض التقديرات لحالة الأمن القومي الإسرائيلي خلال عام 2019.

المنطقة الشمالية في مفترق طرق

في البداية عرضت الأستاذة جهاد عمر الخطيب الفصل المعنون "المنطقة الشمالية في مفترق طرق". وأشارت إلى أن الفكرة الرئيسية للفصل تدور حول انعكاسات التطورات التي تشهدها الأزمة السورية على تطورات الأمن القومي والمصالح الإسرائيلية، خاصة في ضوء قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ديسمبر 2018بالانسحاب العسكري من سوريا إثر الإعلان عن هزيمة داعش، وهو القرار الذي أفضى إلى وضع الملف السوري في يد روسيا من الناحية العملية،ومن ثم تغلغل النفوذ الإيراني في سوريا. 

1- أبرز تطورات الأزمة السورية

قدم الفصل عرضا تاريخيا لتطورات الأزمة السورية، والتي شهدت تحول التظاهرات الشعبية الرامية لإسقاط نظام الأسد إلى صراع مسلح بين قوى المعارضة والنظام في عامي 2012-2013، وهو ما لبث أن اكتسب صبغة طائفية بحلول عامي 2014– 2015، فضلا عن دخول كل من إيران وروسيا على خط الأزمة السورية من خلال دعمهما لنظام الأسد الذي كان على وشك السقوط. أما عام 2016، فقد شهد نجاح الأسد في هزيمة قوى المعارضة السورية استنادا إلى الدعم الروسي والإيراني.  

وفي عام 2017 طُرحت مبادرات أممية وأخرى دولية للتعاطي مع تطورات الأزمة السورية، مثل مباحثات جينيف، وسوتشي والاستانة.

وشهد عام 2018 مزيدًا من انخراط القوى الدولية والإقليمية (إيران، تركيا، روسيا) في الشأن السوري، خاصة في أعقاب قرار ترامب الانسحاب العسكري من سوريا.

وتوقع المؤلفان أن يشهد العام 2019تأكيد سيطرة نظام الأسد على شرقي سوريا وهزيمة الفصائل المعارضة المسلحة، الأمر الذي يضع سوريا في مفترق الطرق،على خلفية نهاية مرحلة الصراع وبدء خطط إعادة الإعمار، وهو ما يطرح تساؤلامهما: هل ستنسحب القوى الدولية والإقليمية من المشهد السياسي السوري أم سيستمر انخراطها في هذا المشهد بدعوى المشاركة في إعادة إعمار سوريا؟!!.

2- القضايا المرتبطة بالأمن القومي الإسرائيلي

تطرق الكاتبان تحت هذا العنوان لافرعي إلى القضايا التي تثيرها الأزمة السورية وترتبط بالمصالح الإسرائيلية والأمن القومي الإسرائيلي بشكل وثيق. وحدد الكاتبان أبرز هذه القضايا فيما يلي:

أ- توطئة النفوذ الإيراني في سوريا؛ حيث أشار الكاتبان إلى أن إيران ليست لديها نية للانسحاب من سوريا طوعًا أو بضغوط روسية، خاصة في ظل محاولاتها دعم نظام الأسد في إعادة بناء منظومته الأمنية بالاعتماد على الميليشيات الشيعية من عناصر سورية وإيرانية.

ب- التغيير الديموجرافي؛ من خلال استقدام أسر العناصر الإيرانية التي تقاتل داخل صفوف الميليشيات الشيعية في سوريا.

ج- تحول العلاقات الروسية- الإسرائيلية: حيث تحولت العلاقة بين البلدين من التقارب إلى الفتور منذ حادث إسقاط الطائرة الروسية في يوم 17 سبتمبر 2018.

د- سيطرة الأسد على جنوبي سوريا ومرتفعات الجولان، وبالتالي تزايد تهديدات النفوذ الإيراني بالقرب من إسرائيل.

ه- تزايد التنسيق بين حزب الله اللبناني وإيران، ومن ثم أصبحت إسرائيل تحارب على جبهات ثلاث (لبنان، سوريا، قطاع غزة).

3- انعكاسات الأزمة على إسرائيل

ناقش الكاتبان تحت هذا العنوانالتحديات التي تواجه إسرائيل في سوريا، حيث أشارا إلىأن سوريا لن تعود إلى سابق عهدها قبل الأزمة، حيث سيعتمد الأسد في استمرارنظامه على الحلفاء الخارجيين، ولن يكون النظام السوري مستقرا وقويا في كافة أنحاء الدولة على أية حال. من جهة أخرى يعد انسحاب الولايات المتحدة من الساحة السورية تسليما بالنفوذ الإيراني في سوريا، وهو ما سيزيد من التنسيق بين إيران وحزب الله من أجل ترسيخ نفوذهما في سوريا ولبنان. وبناء على ذلك،إذا قررت إسرائيل إجهاض القدرات العسكرية الهجومية لحزب الله، فإن مخاطر التصعيد على الجبهة اللبنانية سوف تزداد.

وفي نهاية مداخلتها، رأت أ. جهاد أن هذا الفصل تضمن إجابة واضحة على التساؤلات التي طُرحت في مقدمته، والتي شملت: هل ستنسحب القوى الدولية والإقليمية أم أنها ستستمر في الانخراط في الأزمة السورية؟وبينت أن الفصل تطرق إلى التحديات التي تواجه إسرائيل في سوريا، ولكنه لم يتطرق إلى آليات مواجهة هذه التحديات.

الاضطرابات الدولية والشرق الأوسط

عرض الأستاذ مهاب عادلالفصل الخاص بالوضع الدولي وتأثيره على إسرائيل، والذي جاء تحت عنوان "الاضطرابات الدولية والشرق الأوسط".وفي بداية حديثه أكد على أن هذا الفصل يقيّم التأثيرات المباشرة وغير المباشرةلأهم الأحداث فيالساحة الدولية على المصفوفة المعقدة للمصالح الإسرائيلية، والآثار المحتملة للتطورات المستقبلية المتوقعة في عام 2019، وذلك على النحو التالي.

1- التطورات الدولية

ناقش الفصل تحت هذا العنوان تأثير أهم التطورات الدولية على المصالح الإسرائيلية، حيث أولى الاهتمام الأكبر بتحولات السياسة الخارجية الأمريكية، وعلى رأسها التحول الذي طال فلسفة السياسة الأمريكية في عهد ترامب من خلال بروز مبدأ "أمريكا أولا" وتحررها من الافتراضات التقليدية، وانعكاساتها على المشهد الدولي.ووفقا للدراسة، فإن تقييم سياسة الإدارة الأمريكية يشير إلى أن عملية التغيير جارية في مسارات مختلفة، أبرزها ما يلي: 

أ- ترويج الرئيس ترامب (بشكل رئيسي عبر تويتر) لسياسة تتوافق مع منهجه الراديكالي.

ب- غياب عملية منظمة لصنع القرار، ما يعزز في كثير من الأحيان سياسة تعكس عدم الاتساق.

ج- تركز استراتيجية إدارة التهديدات (ضد الزعماء والدول والمنظمات) على أداة العقوبات الاقتصادية، تليها آلية المفاوضات، وتجنب استخدام القوة العسكرية لتفادي سيناريو العراق وأفغانستان.

د- اللجوء إلى سياسة جديدة تعزز النزعة الذاتية للمصلحة الأمريكية.

ووفقا للدراسة فإن هذه السياسة الأمريكية انعكست بالطبع على المشهد الدولي، كان أبرزها حدوث صدام بين التصورات العالمية للرئيس ترامب وتصورات قادة الدول التي كانت لسنوات طويلة حليفة للولايات المتحدة. كما أدت تلك السياسة أيضًا إلى تنامي العلاقات الثنائية بشكل ملحوظ بين روسيا والصين خلال عام 2018.من جهة أخرى،أكدت الدراسة في هذا القسم على غياباستراتيجية متماسكة بشأن مرحلة ما بعد داعش. 

كما سلطت الدراسة في هذا القسم الضوء على بروز توترات بين الولايات المتحدة ودول الخليج،خاصة السعودية، ليست مصدرها القضية الفلسطينية، وإنما عوامل أخرى منها الإصلاحات السياسية التي قادها النظام السعودي، والأزمة بين قطر وجيرانها في الخليج، والحرب في اليمن، بالإضافة إلى مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي وما شكله ذلك من تحد للعلاقات بين البلدين.  

وقد رأى مؤلف الدراسة أنه على الرغم من أن  نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي مع إيران، والدعم الأمريكي الكامل للمصالح الإسرائيلية في المؤسسات الدولية، ستظل عناصر رئيسية في القوة الاستراتيجية لإسرائيل خلال عام 2019، إلا أن ذلك يطرح سؤالا عن إمكانية أن يؤدي الدعم القوي للرئيس ترامب والحزب الجمهوري لإسرائيل إلى شقاق بين إسرائيلوالولايات المتحدة في حالة انتخاب رئيس ديمقراطي؟

2- سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط

ناقش الفصل في هذا المحور سياسة الولايات المتحدة تجاه إقليم الشرق الأوسط، وتأثير هذه السياسة على إسرائيل.وذهبالمؤلفإلى أن هدفالولايات المتحدة هو ردع إيران عن التحرك مباشرة أو من خلال حلفائها ضد أهداف أمريكية في الشرق الأوسط. لذا ستواصل الولايات المتحدة جهودها للمضي قدمًا في فرض العقوبات قدر الإمكان على إيران، على أمل أن تقرر إيران في نهاية المطاف الدخول في مفاوضات جديدة. في حينيظل السيناريو الأسوأ بالنسبة لإسرائيل في هذه الحالة هو عقد قمة أمريكية مع إيران على غرار قمة ترامب-كيم.

كما تناولت الدراسة السلوك الأمريكي تجاه سوريا، خاصة قرار ترامب سحب القوات الأمريكية من هناك، ما أدى إلى ترك الملف السوري بأكمله لروسيا، وفقد ورقة مساومة أساسية للتأثير على أي ترتيب سياسي مستقبلي في سوريا. كما أشار الكاتب إلى وجود مصالح مشتركة بين روسيا وإسرائيل تتعلق بتحجيم النفوذ الإيراني داخل سوريا.

وفي نهاية عرضه أشار أ. مهاب إلى أن هذا الفصل اعتمد على التأكيد على أن التطورات الداخلية في الولايات المتحدة هي العامل الرئيسي في تحديد شكل السياسة الخارجية، بل وفي بعض الأوضاع سيتم توظيف السلوك الخارجي لتعزيز موقع الرئيس ترامب في الداخل، خاصة مع قرب الانتخابات الرئاسية.

هل الديمقراطية الإسرائيلية في خطر؟

قامت الأستاذة نورا فخري، الباحث المساعد بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، بعرض الفصل الخاص بالديمقراطية في إسرائيل، والذي جاء تحت عنوان "هل الديمقراطية الإسرائيلية في خطر؟". وقد أوضحت أن الفصل قد تناول هذا الموضوع من خلال أربعة محاور رئيسية.  

1- حمايةحقوق الإنسان في إسرائيل

تحت هذا العنوان ذهبت مؤلفة هذا الفصل إلى أنه رغم أن مبدأ احترام حقوق الإنسان هو أساس الديمقراطية داخل إسرائيل، إلا أن هناك توجه رئيسي يرى أنه لا مجال للحديث عن حقوق الأفراد الذين يمثلون تهديدا للأمن القومي للدولة. كما تعرض الفصل لحقوق الإنسان ولكنه تجاهل حقوق الأقليات أو المقيمين من غير المواطنين.

2- السيطرة على الضفة الغربية

قدمت كاتبة الفصل رؤية خاصة جدا حول حقوق الفلسطينيين والإسرائيليينفي الضفة الغربية، حيث رفضت مبدئيا توصيف الوجود الإسرائيليأو الاستيطان بالاحتلال. واعتبرت أن الاستيطان في الضفة هو عملية ضم قانونية، وذلك في إطار قانون "شرعنة الاستيطان"، وهو القانون الذي يعطي حقوقا للسكان اليهود فقط من دون الفلسطينيين.وفي ثنايا الفصل ناقشت الكاتبة تداعيات حل الدولتين على الأمن القومي الإسرائيلي.

3- منتقدو الحكومة والنشطاء المدنيون

ناقشت الكاتبة تحت هذا العنوان الفرعي سياسة الحكومة الإسرائيلية تجاه المعارضة، من خلال التعرض لبعض القوانين مثل "كسر الصمت" الذي يمنح وزير التربية والتعليم الإسرائيلي صلاحيات منع دخول ممثليالمنظمات ذات التوجهات الناقدة للجيش الإسرائيلي إلى المدارس،وقانون "الولاء الثقافي"، الذي يحظر تمويل الدولة للمؤسسات الثقافية التي تهاجم أو تقلل من رموز الدولة أو تنتقد وجود إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية. وتستند الكاتبة في إثبات شرعية مثل تلك القوانين على حجة أنه في أي دولة ديمقراطيةمن الطبيعي أن يتم فرض قيود على بعض الأعمال التي تتعلق بتشويه الدولة.  

4- التوازن في السلطات ومكانة القضاء

ناقشت الدراسة في هذا القسم مدى تدخل القضاء في القرارات الحكومية وتشريعات الكنيست الإسرائيلي. كما ناقشت بعض التدابير الخاصة بالحد من التدخل في القرارات الحكومية، من بينها "بند التجاوز" الذي يعد مشروع قانون للحد من سلطة المحكمة العليا، حتى أن بعض النقاد اتهموا المحكمة العليا بتفضيل حماية العدو على حماية مواطني الدولة.

وفي نهاية العرض أشارت أ. نورا إلى أن الكاتبة أكدت أن الديمقراطية الإسرائيلية قوية وتستند على أسس صلبة، لكنها في الوقت ذاته عرضة للعناصر التي يُساء استخدامها واختطافها للسيطرة على الحكومة، ومن ثم القضاء على الإطار الديمقراطي للدولة.

منهجية التقرير

في نهاية السمينار ناقش د. حسن أبو طالب، مستشار المركز، منهجية كتابة هذا التقرير، باعتباره تقرير معني بالأساس بالأمن القومي الإسرائيلي، حيث جاءت موضوعاته متأثرة بتداعيات الأزمة العميقة للنظام الفلسطيني. وأشار إلى أن النظام الفلسطيني بات يواجه أزمة كبيرة جوهرها هو الانقسام الفلسطيني الفلسطيني، وسيطرة حالة من الغموض حول مستقبل هذا النظام والأوضاع الفلسطينية بشكل عام، بما في ذلك احتمالات حدوث تغير في بنية السلطة الفلسطينية. الأمر الذي يطرح تساؤلا حول علاقة أي سلطة فلسطينية جديدة بإسرائيل، وتأثير ذلك على الأمن القومي الإسرائيلي. وأشار إلى أن التقرير يقدم توصية لصانع القرار في إسرائيل بضرورة التحرك نحو حل تلك القضية، وذلك لاعتبارات عديدة أهمها وجود إدارة أمريكية داعمة بقوة لإسرائيل، بالإضافة إلى وجود عدد من الدول العربية أكثر ميلاً للتعاون مع إسرائيل لخلق مناخ قابل لـ"دولة فلسطينية قابلة للعيش".

وأضاف د. حسن أن هذا التقرير يعتمد على مؤشرات رئيسية لدعم (المصالح الحيوية الإسرائيلية)، وترى في الخيارات المطروحة أن أفضلها هو ما يدعم أمن إسرائيل والحفاظ عليها كدولة متقدمة عسكريًا، ومستقرة سياسيًا وتكنولوجيًا، وعدم دخول إسرائيل في مرحلة مواجهة عسكرية مع أيطرف خارجي.كذلك يهدف التقرير إلى مساعدة صانع القرار الإسرائيلي على تعظيم الاستفادة من التغيرات الدولية والإقليمية، من ناحية، ومواجهة تحديات الأمن الإسرائيلي،من خلال تحسين البيئة الاستراتيجية الإقليمية المحيطة بإسرائيل.

طباعة
شروق صابر

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية