مقالات

الاحتجاجات فى الجزائر وتحديات التغيير

طباعة

فى 22 فبراير 2019 بدأت احتجاجات شعبية في عدد من المدن الجزائرية ردا على إعلان الرئيس عبد العزيز بوتفليقه ترشحه لولاية خامسة. ورغم محاولة بوتفليقه امتصاص هذه الاحتجاجات عبر إعلانه عدم ترشحه فى الانتخابات وتأجيلها، بما كان يعني ضمنا استمراره في السلطة لفترة انتقالية لحين ترتيب الانتقال السلمى، إلا أن هذه الخطوة لم تكن كافية لوقف الاحتجاجات. ورغم إعلان بوتفليقه في مرحلة تالية تنحيه عن السلطة، فقد استمرت الاحتجاجات أيضا ولكن بهدف قطع الطريق على مشاركة أي من رموز النظام القديم فى صياغة مرحلة "ما بعد بوتفليقة"، ما فتح الطريق أمام سيناريوهات متنوعة لمستقبل هذه الاحتجاجات ومآلات التغيير المرتقبة داخل النظام السياسى الجزائري.

كسر الجمود السياسى

لقد تمكن الرئيس عبد العزيز بوتفليقه من ترسيخ وجوده فى السلطة من خلال ائتلاف سياسي واقتصادي ضم جبهة التحرير الوطني FLN، و"التجمع الوطني الديمقراطي" RND، بالإضافة إلى رجال أعمال رئيسيين ظهروا خلال فترة حكمه.

واستفاد بوتفليقه من إنجازات رئاسته التي استمرت 20 عاما، بدأها منذ تولى السلطة فى عام 1999 بسلسة من المبادرات للوفاق المدنى والمصالحة الوطنية، وتمكن خلالها من إنهاء مرحلة من أخطر المراحل التى عاشها الشعب الجزائرى بعد انكسارات ما عرف بـ"العشرية السوداء"، والتي خاض خلالها الشعب حربا شرسة ضد قوى الإرهاب التى اجتاحت البلاد بعد عام 1991، أسفرت عن مقتل أكثر من 200 ألف جزائرى. وكانت استعادة بوتفليقه ونظامه للاستقرار فى البلاد  داعما رئيسيا لشرعية نظامه.

وبجانب تدهور الحالة الصحة للرئيس، خاصة بعد  تعرضه لجلطة دماغية في عام 2013 وفقده للكثير من قدرته على الحكم نتيجة مرضه، واختفاءه عن الظهور فى وسائل الإعلام،وتصاعد الخلافات داخل أجنحة النظام السياسى وبين المواليين له، فى الوقت الذى ظل الكثير من رموز النظام يؤكدون ترشحه لفترات رئاسية جديدة، فقد أصبحت أحزاب المعارضة السياسية أكثر ضعفا، بشكل حال دون بروز شخصيات أو مجموعات سياسية جديدة  لتجديد النظام.

وعلى الجانب الآخر، لم تنجح الانجازات الاقتصادية لبوتفليقه فى تطوير اقتصاد يحسن من القوة الشرائية للمواطنين ويقضي على ظاهرة البطالة، خاصة داخل قطاع الشباب، حيث بلغ عدد السكان الأقل من 30 سنة 22,48 مليون نسمة، بنسبة 54% من إجمالي السكان، ووصلت نسبة البطالة فى البلاد إلى 11.7%. كما أدت سلسلة إجراءات التقشف التى طبقتها الدولة بعد انخفاض أسعار النفط في عام 2014 إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية وارتفاع معدل التضخم، حيث تحملت الطبقة الوسطى والطبقة العاملة بصورة رئيسية تداعيات هذه الإجراءات.

لقد تمكن الجزائريون خلال هذه الاحتجاجات من كسر حالة الجمود السياسي التي اتسم بها الشارع الجزائري، خاصة بعد أن تمكنت حركات دينية فى التسعينيات من استغلال حالة الحراك السياسي فى تحقيق أهدافها ونشر العنف.  

وعلى الرغم من رفض الحراك الشعبى لتدخل المؤسسة العسكرية فى الشئون السياسية، إلا أن موقف المؤسسة من هذه الاحتجاجات وانحيازها لمطالب الشعب عبر عن إدراك كبير من المؤسسة لمكانتها لدى الشعب الجزائرى، ولطبيعة التحولات الإقليمية والدولية والتهديدات المحيطة بالجزائر. وأعاد إلى الواجهة الدور الذي لعبته فى استقلال الجزائر عام 1962، ومشاركتها بصور مؤثرة فى الحياة السياسية على مدى عقود، حتى أنه بات يطلق عليها "صانعة الرؤساء".

في هذا الإطار، صدر بيان عن وزارة الدفاع الجزائرية قبل إعلان استقالة الرئيس الجزائري، دعا فيه رئيس أركان الجيش -الفريق أحمد قايد صالح- إلى "التطبيق الفوري للحل الدستوري" الذي يتيح عزل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. وقد أيد حزب "جبهة التحرير الوطنى" و"الاتحاد العام للعمال الجزائريين" هذه الدعوة.

ووفقا للمادة 102 من الدستور الجزائري، فإنه يتعين في حالة استقالة رئيس الجمهورية أو وفاته أن يجتمع المجلس الدستوري وجوبا ويثبت الشغور النهائي لرئاسة الجمهورية، وأن يبلغ فورا شهادة التصريح بالشغور النهائي إلى البرلمان الذي يجتمع وجوبا، حيث يتولى رئيس مجلس الأمة مهام رئيس الدولة لمدة أقصاها 90 يوما، تنظّم خلالها انتخابات رئاسية، ولا يحق لرئيس الدولة المعين بهذه الطريقة أن يترشح لرئاسة الجمهورية.

تحديات تغيير النظام

لم تشهد الجزائر مثل هذه الحركة الاحتجاجية الجماهيرية منذ الانتفاضة الشعبية عام 1988، عندما احتج الشباب على ارتفاع معدلات البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وإجراءات التقشف القاسية. كما لم تكن الجزائر جزءا من حركة الانتفاضات الشعبية التى شهدتها دول عربية عديدة خلال عام 2011، حيث عمل الرئيس بوتفليقة على تنفيذ عدد من الإصلاحات الداخلية كان لها تأثيرها المهم على تجنيب الجزائر التعرض لهذه الموجة. أضف إلى ذلك خبرة المجتمع الجزائري مع سنوات الإرهاب خلال عقد التسعينيات والتي كان لها تأثيرها المهم في الخوف من أي مظاهر للفوضى يمكن أن تقود إلى عودة التنظيمات الإرهابية من جديد.

لكن التغيير الشامل للنظام الذى يمثل أهم أهداف هذا الحراك لازال يواجه العديد من التحديات. فمن ناحية، تعانى "جبهة التحرير الوطنى" من العديد من المشكلات، حيث لازال الشعب الجزائري ينظر إليها باعتبارها جزء من نظام بوتفليقة. كما فقدت الأحزاب الأخرى المشاركة فى السلطة (التجمع الوطني الديمقراطي، تجمع أمل الجزائر، والحركة الشعبية) شعبيتها عقب إعلانها تأييد الولاية الخامسة لبوتفليقة، حيث كانت تهدف إلى الاستمرار فى أدوارها داخل النظام السياسى. ولا يختلف الأمر بالنسبة لأحزاب المعارضة التي تتسم هي الأخرى بالضعف.

من ناحية ثانية، وعلى  الرغم من تقديم رئيس المجلس الدستوري -الطيب بلعيز- استقالته من منصبه، ما يشير إلى رحيل ما أطلق عليه المحتجون أحد "الباءات" الثلاث -الطيب بلعيز رئيس المجلس الدستوري، وعبد القادر بن صالح رئيس الدولة المؤقت، ونور الدين بدوى رئيس الوزراء الذى عينه الرئيس بوتفليقه فى مارس الماضى خلفا لأحمد أويحيى- بل ورفض المتظاهرين لمشاركة أى من المقربين للنظام السابق فى الاحتجاجات، وقيام المواطنين بطرد العديد من المسئولين فى الحكومة الحالية أثناء زيارتهم الميدانية لبعض المناطق فى الجزائر،  إلا أن رحيل الرموز المنتمية لنظام بوتفليقه واختفائها بصورة كاملة من المشهد السياسى لا يزال مسألة صعبة جدا، خاصة أن من هؤلاء الرموز من يديرون البلاد الآن ويتولون مناصب فى الحكومة الحالية.

من ناحية ثالثة، بالإضافة إلى التيار الاسلامى الذى شهد انقسامات حادة حول الموقف من الحراك الشعبى، مع محاولات بائت بالفشل من بعض الأطراف للمشاركة فى المشهد السياسى القادم، فقد عمل بعض السياسيين السابقين على استغلال الحراك الشعبى الراهن فى العودة إلى المشهد السياسى. فى مقدمة هؤلاء الرئيس السابق للمخابرات محمد مدين المعروف باسم الجنرال "توفيق"، والذى كان قد أقاله الرئيس بوتفليقه واختفى من المشهد السياسى خلال عام 2015. الأمر الذي دفع رئيس أركان الجيش قايد صالح إلى توجيه تحذير مباشر للجنرال توفيق من اختراق الحراك الشعبى، حيث أشار إلى الاجتماعات التى يعقدها الأخير فى حضور السفير الفرنسى بالجزائر. 

وبالإضافة إلى المعوقات السابقة، لاتزال أمام الشعب الجزائرى معركة طويلة مع ظاهرة الفساد، حيث فرضت النيابة العامة حظرا للسفر على مجموعة من رجال الأعمال المقربين من نظام بوتفليقه والذين تربحوا خلال العقدين الماضين على حساب الشعب الجزائرى. كما تطال هذه القضايا عددا من المسئولين وكبار رجال الدولة.  فقد تم تقديم بعض رموز النظام السابق للتحقيق القضائى فى قضايا ترتبط باستغلال السلطة وتبديد المال العام ومنح امتيازات غير مشروعة؛ من بين هؤلاء رئيس الوزراء السابق أحمد اويحيى، ورئيس الأمن الوطنى الأسبق عبد الغنى هامل، ووزير المالية محمد لوكال.

وأخيرا، يمكن الإشارة إلى بعض القوى الخارجية التي تراقب عن كثب تطورات الاحتجاجات الجزائرية، وعلى رأسها فرنسا بالنظر لما تمثله الجزائر من أهمية اقتصادية وسياسية وأمنية فى منظومة المصالح الفرنسية. ولا ترتبط مصالح فرنسا في الجزائر بالنظام السياسى القائم فقط، لكن لديها "لوبي" اقتصادي مؤثر في البلاد. وعلى الرغم من تذبذب المواقف الفرنسية من الحراك الشعبى فى الجزائر، والإعلان فى البداية عن التأييد الفرنسى لحكم بوتفليقة ثم التراجع عن هذا الموقف بإبداء الإعجاب بالحراك الشعبى، لا يمكن استبعاد الدور الذي يمكن أن يقوم به أصحاب المصالح المرتبطين بفرنسا الذين يتحركون وفقا لأجندات خاصة. وربما تكون إشارة رئيس أركان الجيش قايد صالح إلى اللقاء الذي حضره الجنرال توفيق في حضور السفير الفرنسي بالجزائر مثالا في هذا السياق.   

طباعة
د. أميرة عبد الحليم

خبيرة الشئون الأفريقية بالبرنامج الأفريقى - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية