عروض

"هوية مصر الإفريقية" عرض العدد 72 من فصلية "أحوال مصرية"

طباعة

سعت مجلة أحوال مصرية في هذا العدد إلى طرح قضية الهوية كمدخل لتعظيم القواسم المشتركة، وكقاعدة لبناء العمل الإفريقي والنهوض بالقارة، دون تجاهل للمدركات الذهنية السلبية المتبادلة التي كونتها سبل التفرقة بين ما هو عربي وما هو إفريقي، وما فرضه الخط الوهمي الذي صنعته الاستراتيجيات الاستعمارية وسياسات القوى الكبرى ليفصل بين شمال الصحراء الكبرى وجنوبها.

وقد أشار الدكتور أيمن عبد الوهاب، رئيس تحرير المجلة، إلى أن كثافة التحركات والتفاعلات التي تشهدها العلاقات المصرية الإفريقية على مدار السنوات الخمس الماضية منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي السلطة في مصر، عكست أن التحرك المصري لم يستند إلى المصالح الاستراتيجية المصرية فحسب، بل استند إلى إطار أوسع وأعمق نحو مواجهة العديد من المدركات والميراث السلبي كنقطة انطلاق جديدة نحو القارة. تلك الانطلاقة التي ترتكز على تعميق الهوية الإفريقية ودفع التكامل بين دول القارة ومحو الصورة السلبية الاستبعادية للعرب الأفارقة ومنها مصر، وتوفير سبل التفاعل المباشر لبناء الوعي المشترك بقضايا القارة وتحدياتها.

وأوضح الأستاذ الدكتور/ حمدي عبد الرحمن، أستاذ العلوم السياسية بجامعتي زايد والقاهرة، أنه لكي تكون هناك هوية إفريقية حقيقية، يجب على أفريقيا أولًا أن تتمسك بتراثها الثقافي وقيمها الحضارية المتنوعة، وفي الوقت نفسه تؤهل نفسها تكنولوجيًا وعلميًا حتى تستطيع مواجهة واقع وتحديات الحياة المعاصرة.

كما يرى الدكتور/ باسم رزق عدلي، مدرس العلوم السياسية بكلية الدراسات الأفريقية العليا بالقاهرة، أن ترتيب المصالح هو المفهوم الذي يجب أن يحكم تعامل الدولة المصرية مع دوائر انتمائها لا سيما الدائرة الإفريقية، خاصة أنه يعبر عن المصالح السياسية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية والقدرات التأثيرية وتجنب مشكلات وأزمات يمكن أن تتسبب في عدم رشادة التعامل مع دوائر الانتماء، وأن تسعى إلى نشر التكامل الهوياتي على مستوى العقل الجمعي الشعبي، والذي يجب أن يحركه البحث عن المصالح وهو ما تقوم به كافة الدول التي تتعدد أطر انتمائها.

وحول الهوية الإفريقية وإشكالية التماسك بين هويات متعددة الفضاءات، أكد الأستاذ الدكتور/ محمد عاشور، أستاذ العلوم السياسية بجامعتي زايد والقاهرة، على أنه ليس هناك خشية من تعدد وتنوع الهويات داخل القارة الإفريقية، فهو أمر طبيعي وعام في مختلف الأمم والمجتمعات، إلا أن السؤال يتعلق بكيف يتم بلورة وتشكيل الهوية؟ وكيف تطغى إحدى طبقات الهوية على ما عداها من طبقات؟ وكيف يمكن إقامة توازن بين تلك الانتماءات والهويات بما يحقق طموحات القارة وشعوبها في غد أفضل؟

وقد ناقش ملف أحوال مصرية في هذا العدد مسألة الهوية الإفريقية وألقى الضوء على محاور مختلفة منها ما يتعلق بتعريف الهوية الإفريقية ودور الآباء المؤسسين في تطوره، ودور الهوية في تجسير المسافات بين الدول وتحقيق الاندماج أو التعاون أو التكتلات الاقتصادية، كما يتطرق الملف إلى الهوية الإفريقية لمصر سواء بالنسبة للمفهوم لدى مؤسسات الدولة المصرية والإعلام من ناحية أو في الإدراك الإفريقي من ناحية أخرى، ومدى التراجع الذي شهده مسار العلاقات المصرية الإفريقية منذ نهاية السبعينيات ومستقبل تغير هذا الوضع في ضوء التغيرات والتوجهات التي طرأت على السياسة الخارجية المصرية منذ عام 2014.

فقد أوضحت الدكتورة أميرة عبد الحليم، خبيرة الشئون الإفريقية بالمركز، بأن الآباء المؤسسين لحركة الوحدة الإفريقية بذلوا الكثير من الجهود الفكرية والحركية للوصول إلى قارة يتمتع أبناؤها فيها بالتحرر الاقتصادي والسياسي عن القوى الخارجية، وبالرغم من تحقيق ذلك خلال حقبة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، إلا أن القارة لا تزال تعاني من مشكلات التبعية وتواجه العديد من الأزمات التي تلقي بتبعاتها على مسار الوحدة الإفريقية، الأمر الذي يدفع في اتجاه ضرورة إعادة التأكيد على أبعاد الوحدة الإفريقية وما يرتبط بها من مضامين خاصة بالهوية الإفريقية.

فيما أشارت الدكتورة أماني الطويل، خبيرة الشئون الإفريقية بالمركز، إلى أن المرحلة الراهنة تشهد التقاء في المصالح الإفريقية- ًالإفريقية والتي تلعب فيها مصر دورًا متناميًا بأدوات تنموية تسعى هي والأفارقة إلى أن يمتلك الأفارقة أدوات التقدم الاقتصادي بهدف استراتيجي هو بناء الشراكات الاقتصادية التي من شأنها بلورة العوائد على نحو أكثر عدالة لكل الأطراف.

وحول مسألة الهوية الإفريقية في أجندة أفريقيا 2063 أوضح الدكتور محمد عبد الكريم، مدرس العلوم السياسية بجامعة أسوان، أن هناك ثمة قصور في شمول حقيقي ومعبر في أجندة 2063 لمنطقة جغرافية وثقافية كبيرة وهي المنطقة العربية، الأمر الذي اتضح بتفكيك نصوص هذه الوثيقة المهمة التي تفرض على الدول العربية -خاصة بعد تولي مصر رئاسة الاتحاد الإفريقي ودعمها في دفع جهود الإصلاح المؤسسي لمؤسسات الاتحاد الإفريقي- تقديم مقاربات فعلية وعدم الاكتفاء بدور المتلقي لوثائق العمل الجماعي الإفريقي والمساهمة بقوة في صياغتها وصياغة البرامج المترتبة عليها.

وذهب الدكتور محمد يوسف، مدرس الاقتصاد بالمملكة العربية السعودية، إلى أنه لن يُكتب لخطوات التكامل الاقتصادي الإقليمي التي قطعتها دول القارة الإفريقية النجاح في تعميق هوية أفريقيا، وفي صقل هوية كل دولة إفريقية وفي تحقيق التنمية فيها إلا إذا توافرت الإرادة السياسية الكاملة، وتم تطبيق سياسات تعزيز التجارة والاستثمار البيني، حيث أن ذلك لن يفيد التكامل الاقتصادي والسياسي فحسب، بل سيعمق الروابط والقواسم والسمات الاجتماعية والثقافية المشتركة بين دول التكامل.

واستطرد الأستاذ رمضان قرني، خبير الشئون الإفريقية، حول أهمية دور الإعلام كقوة ناعمة للدولة الحديثة على الصعيدين الداخلي والخارجي، تقوم بالتأثير على قناعات وتوجهات الأفراد المختلفة، وكونها تلعب دورًا محوريًا في الحياة العامة والسياسية والثقافية والاجتماعية في ضوء تسارع التطور التكنولوجي الحديث لوسائل الاتصال وما توفره من معلومات سريعة وخطيرة في وقت واحد. ومن هنا جاء إسهامه حول إدراك دور الإعلام في ترسيخ هوية مصر الإفريقية من خلال بحث آليات ورسائل الإعلام المصري إزاء هذه القضية.

وتزامنًا مع قرب انطلاق بطولة كأس الأمم الإفريقية 2019 والتي تستضيفها القاهرة في يونيو المقبل، اعتبر الدكتور زياد عقل، خبير بالمركز، أن كرة القدم تمثل إحدى أدوات القوة الناعمة التي يتم استخدامها من قبل دول كثيرة نظرًا لكونها قادرة على حشد المزيد من الجماهير وخلق مشاعر من الانتماء، كما أنها تبدو في بعض الأحيان بمثابة نقطة تواصل بين المجتمع والدولة في أرجاء كثيرة من العالم.

وأوضح الأستاذ حسن غزالي، مؤسس مكتب الشباب الإفريقي بوزارة الشباب والرياضة، أن هناك جهود عديدة تبذلها الدولة المصرية من أجل التقارب بين الشباب المصري والإفريقي، ومحاولة تغيير المدركات السلبية التي تواجه كافة الشعوب الإفريقية تجاه بعضها البعض، ومن هنا جاءت تجربة مدرسة أفريقيا الصيفية 2063 كأول مدرسة غير نظامية تهدف إلى إعداد كوادر شبابية من مصر وأفريقيا وتغيير الصورة النمطية لدى الشباب المصري تجاه أفريقيا عن طريق التعريف بالمؤسسات والثقافات الإفريقية وتعزيز نمط التواصل الفعال بين أبناء القارة الواحدة. وتستند رؤية وأهداف المدرسة الإفريقية إلى ثلاثة مستويات هي رؤية مصر 2030 على المستوى الوطني، وأجندة أفريقيا 2063، وأهداف التنمية المستدامة 2030 على المستوى الأممي، بما يجعلها تجربة رائدة في إطار تبادل الثقافات وتعميق الهوية بين مصر والدول الإفريقية.

ومن هنا، تبرز أهمية الهوية الإفريقية كقيمة مضافة لمصر ودورها داخل قارة أفريقيا، وضرورة زيادة الوعي الوطني بمتطلبات ترسيخ هذه الهوية، ومتطلبات تكلفة الدور المصري وتحركه في ظل بيئة ومتغيرات إقليمية ودولية دافعة نحو المزيد من الصراعات الاستراتيجية بين القوى والدول المتنافسة على موارد القارة الإفريقية، وما تفرضه متطلبات البناء والتنمية على أسس أجندة 2063 من تحولات اجتماعية وثقافية واقتصادية داعمة لطموح أبناء القارة.

طباعة
إعداد/ فريق عمل أحوال مصرية

فريق عمل أحوال مصرية