متابعات تحليلية

التسوية السلمية في برامج الأحزاب الإسرائيلية في انتخابات الكنيست 21

طباعة

أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو عن انتخابات مبكرة للكنيست الإسرائيلي في التاسع من أبريل من العام الجاري 2019. وجاءت هذه الدعوة في ظل العديد من المتغيرات السياسية التي تلم بالمشهد السياسي الإسرائيلي الداخلي، حيث يتمتع نتنياهو بأفضلية القيادة في استطلاعات الرأي في ظل هيمنة اليمين الإسرائيلي المتطرف على الخريطة الحزبية الإسرائيلية، وفي ظل رغبة هذا اليمين بتأجيل الإعلان عن "صفقة القرن" والتي قد تؤثر في تفاصيلها على وحدة هذا اليمين المناهض لفكرة إعلان الدولة الفلسطينية، والتي قد تتضمنها الخطوط العامة لهذه الصفقة. ومن جانب آخر، فإن نتنياهو المتهم بالعديد من قضايا الفساد الموضوعة على طاولة المدعي العام يريد من تسريعه للانتخابات استباق إعلان النائب العام عن توجيه اتهامه بالفساد[1]، وهو الأمر الذي ربما سينهي مسيرته السياسية ويزيل طموحه بالاستمرار في رئاسة الحكومة التي استمر في رئاستها منذ عام 2009 وحتى الآن بشكل متواصل.

في هذه الورقة، فإننا نستشرف الخارطة السياسية للأحزاب الإسرائيلية المتنافسة في هذه الانتخابات، ومن ثم نقوم بتحليل برامج هذه الأحزاب المتلعقة بالقضية الفلسطينية، ثم نستعرض نتائج أهم استطلاعات الرأي العام حول الأحزاب المتنافسة، وذلك من أجل تحديد الخارطة السياسية للحكومة الإسرائيلية المقبلة. وأخيرا، تسعى الورقة لاستشراف مستقبل التسوية السلمية في ظل هذه الخارطة الحزبية للحكومة الإسرائيلية المقبلة.

أولا: الخارطة السياسية للأحزاب المتنافسة

لا تختلف الأحزاب الإسرائيلية المتنافسة في انتخابات الكنيست 21 عن السمات الأساسية التي اتسمت بها الأحزاب الإسرائيلية المتنافسة في أي انتخابات سابقة، فهي في مجملها تنقسم بين أحزاب اليمين وأحزاب اليسار وأحزاب الوسط.

وتحتل أحزاب اليمين النصيب الأوفر، حيث يتربع حزب الليكود الحاكم على مساحة واسعة من القاعدة الشعبية لأحزاب اليمين الإسرائيلية. وكان قد حصل في الانتخابات السابقة على 30 مقعدا. ويأتي حزب "اليمين الجديد" في الترتيب الثاني بين أحزاب اليمين، وهو حزب أنشيء حديثا برئاسة أيليت شاكيد ونفتالي بينيت نتيجة انشقاق بعض السياسيين البارزين عن حزب "البيت اليهودي"، وهو حزب يميني متطرف ومحسوب على المستوطنين. أما حزب "إسرائيل بيتنا"، فهو حزب يميني يترأسه أفيغدور ليبرمان منذ عام 2009. واحتل ليبرمان منصب وزير الدفاع في حكومة نتنياهو السابقة إلا أنه استقال من منصبه وخرج من الائتلاف اليميني الحاكم بسبب احتجاجه على سياسات نتنياهو، خاصة تلك المتعلقة بإدارة الأزمة في غزة. ويعتبر حزب “كولانو” (كلنا) بزعامة موشيه كحلون حزب اجتماعي يميني، واحتل في الانتخابات السابقة 10 مقاعد في الكنيست. وقد شغل كحلون منصب وزير الاقتصاد بعد أن تحالف مع نتنياهو.وأخيرا، يوجد بعض الأحزاب اليمينية الصغيرة  المتنافسة في الانتخابات مثل حزب "شاس" (اليهود الشرقيون) برئاسة درعي، وحزب "يهدوت هتوراة" (اليهود الأوروبيون) برئاسة  ليتسمان، وحزب كاخ وهم اتباع المتطرف مئير كهانا.  ويتوقع أن يتم تشكيل ائتلاف حزبي يميني كبير بين غالبية هذه الأحزاب برئاسة حزب الليكود، ويضم هذا الائتلاف اليميني المتوقع كلا من الليكود، والبيت اليهودي، وكولانو[2]، وشاس، ويهودوت هتوراة، وكاخ، واليمين الجديد، كما يبقى الباب مفتوحا أمام انضمام حزب إسرائيل بيتنا لهذا الائتلاف.

بالنسبة لأحزاب اليسار، فيقع على رأسها، المعسكر الصهيوني بزعامة حزب العمل الذي يتزعمه آفي غابي، والذي حصل على 24 مقعدا في الانتخابات السابقة إلا أنه الآن يمر بأزمة كبيرة بعد أن قام بتنحية تسيبي ليفني عن المعسكر، والتي أعلنت اعتزالها للعمل السياسي نتيجة على إثر ذلك. ويأتي حزب "ميرتس" تحت زعامة ميخائيل زندبرغ في المرتبة الثانية من أحزاب اليسار اليهودية.  ومن جانب آخر، تعتبر القائمة العربية المشتركة من الأحزاب العربية المهمة في الانتخابات الإسرائيلية، وهي في مجملها احتلت 13 مقعدا في انتخابات الكنيست السابقة،إلا أن انشقاق النائب أحمد الطيبيعن القائمة وخوض الانتخابات بقائمة مستقلة يتوقع أن يقلل من فرص الأحزاب العربية في توحيد عدد مقاعدها في الكنيست الإسرائيلي في الانتخابات.  

وأخيرا، هناك أحزاب الوسط الإسرائيلية، ويتزعمها حزب"حوسن ليسرائيل" (قوة إسرائيل)، وهو حزبأنشيء حديثا ويترأسه بيني غانتس، رئيس الأركان الإسرائيلية الأسبق. كما يعتبر حزب "يش عتيد" (يوجد مستقبل) الذي أنشيء في عام 2013 بزعامة لبيد من أحزاب الوسط القوية، ويأتي حزب "تيليم" (الحركة الوطنية القومية) وهو حزب أنشيء حديثا أيضا بزعامة موشيه يعالون رئيس الأركان ووزير الدفاع الأسبق في المرتبة الثالثة في قوة أحزاب الوسط في الشارع الإسرائيلي. وأخيرا، هنالك حزب "غيشر" (جسر) وهو حزب اجتماعي أقرب إلى الوسط،وهو أيضا أنشيء حديثا (في عام 2019)، برئاسة أورلي ليفي أبكسيس التي انشقت عن حزب "إسرائيل بيتنا". وقد شكلت أحزاب الوسط ائتلافا واسعا ذا طابع أمني[3] ضم غالبيتها تحت اسم "أزرق أبيض" للدخول في الانتخابات المقبلة. ويضم الائتلاف حوسن لإسرائيل، يش عتيد، تيليم، وتجري الآن مشاروات لضم حزب غيشر لهذا الائتلاف.[4]

ثانيا: غياب التسوية السلمية عن الأجندات الحزبية

ما زال حزب العمل وأحزاب اليسار بشكل عام تعتبر ملف التسوية السلمية من أهم الملفات التي على أي حكومة إسرائيلية التعامل معها، وهي بهذا تعلن في برامجها السياسية تبينيها لحل الدولتين، إلا  أنه لا يتوقع لهذه الأحزاب أن تنافس بقوة في الانتخابات أو حتى أن تكون أحد أحزاب الائتلاف في أي حكومة إسرائيلية، فلا ائتلاف الوسط (أزرق أبيض) ولا الائتلاف اليميني بزعامة الليكود أعلن عن رغبته أو استعداده لضم أحزاب اليسار، وهو ما يؤشر على أن الائتلافات الحزبية الكبيرة في إسرائيل لا تعتبر ملف التسوية أحد أجنداتها المهمة، أو بمعنى آخر أن الائتلافات الحزبية الكبرى غير مستعدة لتقديم تنازلات مهمة في ملف التسوية السلمية، ولهذا فهي تتهرب من أي تحالف مع أحزاب اليسار.

بالنسبة للائتلاف اليميني بزعامة الليكود، فالتجربة التاريخية واضحة بالنسبة لمواقفه السياسية من أي عملية تسوية مع الفلسطينيين. الليكود يجاهر برغبته في تحقيق السلام، ولكنه في نفس الوقت يقوم ببناء مزيد من المستوطنات وبتهويد القدس، ويدعم قانون القومية اليهودي، ويتنصل من مسؤولياته تجاه الفلسطينيين. في هذا السياق، يدرك الليكود أن أي تسوية سلمية مع الفلسطينيين تقوم على إنشاء دولة فلسطينية ستؤدي إلى تفتيت ائتلافه اليميني المتشدد وبالضرورة انهيار الحكومة، وهو الأمر الذي يمكن أن يحدث فيما لو تم طرح صفقة القرن من قبل الإدارة الأمريكية. على هذا، يحاول الائتلاف اليميني التملص من أي التزام بأي طرح سياسي للتسوية. ويشارك هذا التصور أحزاب الائتلاف الأخرى. في هذا الإطار، يؤكد كل من حزب اليمين الجديد وحزب البيت اليهودي في برامجهما الانتخابية على معارضة إقامة الدولة الفلسطينية. إضافة لذلك، فقد أكد زعيمي حزب اليمين الجديد على هذه الرؤية في قولهما "إن الحزب سيعمل من أجل إسرائيل، بدون تسوية وضد قيام دولة فلسطينية". وفي تحالفه الذي أثار حفيظة منظمة ايباك، وافق كاخ على الانضمام لقائمة البيت اليهودي، وهو حزب متطرف صنف في كثير من الأوقات على أنه حزب إرهابي يدعم ﺗﺸﺠﻴﻊ ﻫﺠﺮة ﻏﻴﺮاﻟﻴﻬﻮد ﻣﻦإﺳﺮاﺋﻴﻞ وﻃﺮد الفلسطينيين الذين يرفضون إﻋﻼن اﻟﻮﻻء والقبول ﺑﻤﻜﺎﻧﺔ أﻗﻞ ﻣﻦﻣﺴﺎوﻳﺔ ﻓﻲ الدولة اليهودية، وهو الأمر الذي يدلل على أن الائتلاف اليميني بزعامة الييكود إذا ما قدر له الفوز في الانتخابات سيكون مستقبل التسوية السلمية قاتما.

وفي ملاحظة الحملات الانتخابية لأحزاب الوسط المختلفة ضمن ائتلاف (أزرق أبيض)، فإن هذه الحملات خلت من أي إشارات حول تحقيق السلام مع الفلسطينيين، فغانتس زعيم حزب "حوسن لاسرائيل" لا يتحدث كثيرا وبوضوح عن برامجه السياسية، وهو إن كان يؤكد على أهمية السلام إلا أنه لا يوضح موقفه عن أي تسوية يمكن قبولها، وقد طرح حزبه أهداف برنامجه السياسي بعيدا عن أي ذكر للتسوية السلمية، حيث أكد الحزب أنه سيعمل على "تعزيز دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، من خلال تحديد وتغيير الأولويات القومية في جملة قضايا: التربية، تطوير البنى التحتية القومية، الزراعة، القانون والعدل، الأمن الداخلي، شؤون المواطن، السلام والأمن". وبالنسبة للبيد زعيم "يش عتيد" فإنه أقرب إلى اليمين في ملف التسوية مع الفلسطينيين، وعندما كان وزيرا في حكومة نتنياهو رفض بشدة تقسيم القدس أو إخلاء المستوطنات، وقد تراجع في أكثر من تصريح رسمي له عن قبوله بحل الدولتين محاولا مغازلة اليمين الإسرائيلي في أكثر من موقف. ويؤكد هذا التقارب بين لبيد والائتلاف اليميني ما أكده لبيد مؤخرا بأنه مستعد لإقامة حكومة وحدة وطنية مع الليكود بدون نتنياهو. كما نفي لبيد بشكل قاطع أي تحالف مستقبلي يمكن أن ينشأ بين "ازرق أبيض" وبين الأحزاب العربية، نافيا اتهامات الليكود بهذا الخصوص. وبالمحصلة النهائية، نستنتج بأن ملف التسوية السلمية غائب عن البرامج الانتخابية لأحزاب ائتلاف (أزرق أبيض)، ويعود السبب في ذلك إلىالأسباب التالية:

1- عدم التوافق بين أحزاب الائتلاف الرئيسية المشكلة للائتلاف على رؤية متجانسة للتسوية مع الفلسطينيين، وبالضرورة، فإن طرح أي رؤية في الوقت الحاضر سيؤدي إلى تمزيق الائتلاف حتى قبل الدخول في سباق الانتخابات.

2- تخوف أحزاب الائتلاف من طرح أي رؤية واضحة لحل الدولتين بأنه سيؤدي إلى تقليص الشرائح الانتخابية في المجتمع اليهودي التي يمكن أن تصب بأصواتها لصالح الائتلاف، لاسيما أن المجتمع اليهودي أصبح أقل تأييدا لمبدأ الدولتين.

3- عدم رغبة أحزاب الائتلاف بالظهور بمظهر الأحزاب اليسارية التي تؤيد حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم، وهو الأمر الذي يمكن أن يستغله منافسهم الرئيسي الليكود بشن حملات تشويه ضدهم في الانتخابات المقبلة، وهو الأمر الذي يتداوله الليكود في حملاته الانتخابية[5]، حيث اتهمهم بنية تحالفهم مع القائمة العربية المشتركة، ووصفههم قائلا "لا أتدخل في كيف سيوزع اليسار الإسرائيلي أصواته".

4- أن أحزاب الوسط في العادة تمتنع عن إشهار أي رأي حاسم بشأن أي موضوع لاسيما المركزي منه، وتبقي هذه الأحزاب جميع الخيارات مفتوحةً على مصراعيها، وتتلخص رؤيتها في العبارة التالية: "كلنا معًا ضد اليمين المجنون واليسار الهاذي".

ثالثا: استطلاعات رأي عام محيرة

تباينت استطلاعات الرأي الإسرائيلية في شأن القائمة الحزبية التي ستفوز في انتخابات الكنيست 21، واعتبر بعضها غير دقيق، فبينما رجحت استطلاعات القنوات التلفزيونية المبكرة أن "اليمين الجديد" سيفوز بـ 6 إلى 14 مقعدا، بينما حزب البيت اليهودى، الذى لا يزال بدون قائد فى هذه المرحلة، لن يتجاوز نسبة الحسم فى بعض الاستطلاعات. وفى المقابل، يواصل المعسكر الصهيونى فقدان قوته ويفوز بـ 8 إلى 9 مقاعد، أوضح  استطلاع هيئة البث الإسرائيلية أن الليكود سيحصل على 27، "يوجد مستقبل" 16، "اليمين الجديد" 14، "حصانة لإسرائيل" (جانتس) 13، "القائمة المشتركة" 12، "المعسكر الصهيونى" 9، "يهدوت هتوراة" 7، "كلنا" 7، "ميرتس" 6، "جيشر" (أورلى ليفى أبكسيس) 5، "شاس" 5. أما "يسرائيل بيتنا" و"البيت اليهودى" فلا تجتازان نسبة الحسم.

وفي الإطار نفسه، أشار استطلاع القناة العاشرة الإسرائيلية، أن الليكود سيحصل على 31 مقعدا، "حصانة لإسرائيل" (جانتس) 15 مقعدا، "القائمة المشتركة" 13 مقعدا، "يوجد مستقبل" 12 مقعدا، "المعسكر الصهيونى" 8 مقاعد، "اليمين الجديد" 8 مقاعد، "يهدوت هتوراة" 7 مقاعد، "كلنا" 6 مقاعد، "شاس" 5 مقاعد، "ميرتس" 5 مقاعد، "جيشر" (أورلى ليفى أبكسيس) 5 مقاهد، "يسرائيل بيتنا" 5، "البيت اليهودى" لا يجتاز نسبة الحسم.وبحسب استطلاع آخر فإن أحزاب اليمين الصهيوني حظيت بارتفاع مهم في نسبة التأييد، حيث اظهر الاستطلاع أنها بمجملها ستزيد عدد أعضاءها في الكنيست، حيث سيحصل البيت اليهودي على 12 مقعدا مقابل 8 حاليا، أما حزب افيغدور ليبرمان فسيحصل على 10 مقاعد مقابل 6 حاليا، أما الحزب الذي سيعود للواجهة السياسية فهو حزب "هناك مستقبل" الذي سيحصل على 18 مقعد مقابل 11 مقعد في الكنيست الحالية. أما حزب شاس الديني فسيحتفظ بنفس عدد المقاعد وهو 7، وبالنسبة لحزب "يهدوت هالتوراة" فسيرتفع من 6 إلى 7 مقاعد وحزب ميرتس الحالي سيرتفع من 5 إلى 6 مقاعد.

في المقابل، وفي آخر استطلاع نشرته صحيفة "معاريف" الإسرائيلية في أواخر فبراير، إلى استطلاع رأي فحص حظوظ الأحزاب الإسرائيلية فيما لو أجريت الانتخابات في الوقت الراهن في إسرائيل، وجاءت النتيجة أن الحزب الفائز في الانتخابات سيكون حزب "يش عتيد" الذي سيحصل على 27 مقعدا في البرلمان، في حين سيحصل حزب الليكود الحاكم على 22 مقعدا.

ونتيجة للتغيرات الدراماتيكية في شأن اتهامات قائد الليكود ورئيس الحكومة الإسرائيلية الحالية نتنياهو بملفات الفساد كالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، فقد أعلن النائب العام الإسرائيلي أفيخاي مندلبليت يوم الأربعاء الموافق 27 فبراير 2019 قراره بتوجيه اتهامات رسمية إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في ثلاث قضايا فساد.وبرغم أن نتنياهو وائتلافه الحاكم رفض الاستقالة من الحكومة[6]، إلا أن استطلاعات الرأي الأخيرة يبدو أنها قد تأثرت بوضع نتنياهو القانوني، فقد أظهر استطلاع رأي أجرته صحيفة "هآرتس" أن نصف الإسرائيليين لا يريدون أن يتولى بنيامين نتنياهو مهام رئيس الوزراء للمرة الخامسة بعد الانتخابات البرلمانية المبكرة في 5 أبريل المقبل. وقد أكدت هذه النتائج ما أظهره استطلاع الرأي الذي قامت به القناة 13 الإسرائيلية مع إغلاق تقديم القوائم الحزبية للانتخابات، بتفوق تحالف حزب الجنرالات بحصوله على 36 مقعدا، في حين تمنح الاستطلاعات حزب الليكود 26 مقعدا.ومن هنا، يمكن القول إن شعبية الليكود بدأت بالتراجع لاسيما بعد قرار النائب العام توجيه تهم فساد لنتنياهو، وربما ستقود هذه التغيرات المشهد الانتخابي المقبل في إسرائيل إلى فوز متوقع طفيف ولكنه ليس كاسح لصالح ائتلاف (أزرق أبيض)، وهو الائتلاف الأقرب إلى تشكيل الحكومة الإسرائيلية حتى لحظة كتابة هذه السطور.

السلام المفقود وصفقة القرن

مما لاشك فيه أنه ستبقى القضايا الجوهرية الأمنية، ويهودية الدولة والصراع الإسرائيلي الفلسطيني ومسار التطبيع بين إسرائيل والعالم العربي، والتي تحظى بإجماع صهيوني، بجل اهتمام الحكومة الإسرائيلية المقبلة التي قد تناور في هذه الملفات وتثيرها بدبلوماسية وبراغماتية بغض النظر عن ماهية الفائز في هذه الانتخابات.

 ومن جانب آخر، فإن أجندة السلام تبدو مفقودة في برامج الأحزاب والائتلافات الإسرائيلية المتنافسة في انتخابات الكنيست المقبلة، حيث لم يرد في هذه البرامج أي تحديد لموقف هذه الأحزاب من المبادرة الأمريكية للسلام في الشرق الأوسط والمعروفة بصفقة القرن برغم أن الإدارة الأمريكية أعلنت أنها ستؤجل الإعلان عن تفاصيل صفقة القرن إلى ما بعد الانتخابات الاسرائلية.

بشكل عام، فإن الخطوط العامة لهذه الصفقة تبدو معروفة كما أعلنها كوشنر؛ مبعوث الرئيس الأمريكي للسلام في الشرق الأوسط، فوفقا لكوشنر فإن هذه الصفقة ستعيد ترسيم الحدود وتضمن الأمن المتبادل، ولها مزايا اقتصادية كبيرة ليس على الفلسطينيين والإسرائيليين فقط وإنما على دول المنطقة الأخرى. وبالضرورة، سيكون على الأحزاب الإسرائيلية تحديد موقفها من أي دولة فلسطينية قد تكون متضمنه في هذه الصفقة، كما سيكون عليهم لزاما تحديد موقفهم من التنازلات حول مدينة القدس والتي يتوقع أن تتضمنها الصفقة. صحيح أن السلطة الوطنية الفلسطينية استبقت الإعلان عن الصفقة بالرفض المطلق[7]، وهي بهذا أراحت الحكومة الإسرائيلية من مغبة رفض الصفقة أمام حلفيتهم الرئيسية الولايات المتحدة الامريكية، إلا أن الحكومة المقبلة يتعين عليها تحديد موقفها النهائي من الصفقة وهو الأمر الذي قد يطغى على طبيعة العلاقة بين الأحزاب الإسرائيلية المشكلة للحكومة أيا كانت اتجاهاتها.

في الإطار السابق، أوضح  رﺋﻴﺲﺣﺰب البيت اليهودي رافي بيرتس عن دعوة كوشنر للتسوية بأنه قد أعاد الذاكرة الصعبة التي أﻇﻬﺮت جنودا إﺳﺮاﺋﻴﻠﻴﻴﻦيخلون ﻋﺎﺋﻼت ﻳﻬﻮدﻳﺔ من مستوطنات قطاع غزة في العام 2005. وأعرب بينيت ردا ﻋﻠﻰ ﻣﻘﺎﺑﻠﺔ ﻛﻮﺷﻨﺮعن شعوره بالخطر الواضح والوشيك أمام دولة إسرائيل من مغبة ﻗﻴﺎم دوﻟﺔ فلسطينية، وأضاف قائلا "ﻳﻮﺟﺪﻃﺮﻳﻘﺔ واحدة ﻟﻤﻨﻊ ذلك، ﺣﺰب ﻳﻤﻴﻦجديد ﻗﻮي ﻳﺪﻋﻢﻧﺘانياهو وﻟﻜﻦيضغط عليه ضد فلسطين"،. وبعد حديث ﻣﺴﺘﺸﺎر اﻟﺮﺋﻴﺲاﻻﻣﺮﻳﻜﻲ كوشنر ﻋﻦخطة اﻟﺴﻼم، ﻗﺎل اﻟﻠﻴﻜﻮد إن رﺋﻴﺲالوزراء "دافع ﻋﻦإﺳﺮاﺋﻴﻞ أﻣﺎم إدارة أوﺑﺎﻣﺎ العدائية، ﺳﻴﻔﻌﻞ ذﻟﻚأﻣﺎم إدارة ترامب الودية".

 من التحليل السابق، نستنج أن الأحزاب الإسرائيلية ستجد نفسها في مأزق عند الإعلان عن صفقة القرن، وصحيح أن هذه الصفقة ستكون لصالح إسرائيل في جملتها إلا أنها ستفرض على إسرائيل أيضا مجموعة من التنازلات كما ذكر ذلك مرارا الرئيس الأمريكي ترامب. والسؤال الرئيسي المشروع في هذه الحالة يتجلي فيما إذا كانت الأحزاب الإسرائيلية مستعدة لقبول التسوية السلمية سواء تلك المتضمنة في صفقة القرن أو التي سيتم التفاوض عليها في إطار الصفقة أو في غيرها؟ حتى الآن يبدو أن غالبية الإسرائيليين يؤيدون حل الدولتين، ولكن نسبة المؤيدين هذه في تراجع، ولا تبدو الأحزاب الإسرائيلية يمينا أو وسطا بعيدة عن هذه الحالة من عدم التحمس لإبرام صفقة سلام مع الفلسطينيين لاسيما في الأجل القريب والمتوسط، وكأن لسان حال هذه الأحزاب يقول "دع الأمور تسير كما هي عليه الآن... البقاء على ما حققته أوسلو مع مزيد من الاستيطان وتغيير الواقع الديمغرافي على الأرض هو الوضع الأمثل في مثل هذه الظروف".


[1] لم يحالف الحظ نتنياهو في هذه النقطة، حيث أعلن النائب العام مؤخرا عن توجيه اتهام له بقضايا الفساد، إلا أن نتنياهو رفض الاستقالة وأعلن استمراره في حملته الانتخابية.

[2] أشارت تقارير أخيرة أن حزب "كولانو" برئاسة كحلون قد يندمج مع حزب الليكود لكن مقربون من كحلون نفوا هذه الإمكانية.

[3] اعتبر هذا الائتلاف ائتلافا أمنيا نظرا لكون أهم قادته من خلفيا تعسكرية من الطراز الأول، حيث احتل عانيتس موقع رئيس الأركان الإسرائيلية الأسبق. ويعالون هو أيضا رئيس أركان ووزير دفاع سابق، وقد جاء في بيان تشكيل الائتلاف ما أكد هذا المعني، حيث نص البيان على أنه "سوف يعرض الحِزب الحاكم الجديد، عددا من الزعماء الأمنيين، لضمان أمن الدولة، وتوحيد المجتمع الإسرائيلي الممزق".

[4] ﺈن اﻷﻣﺎﻛﻦاﻷرﺑﻌﺔ اﻷوﻟﻰ ﻋﻠﻰ ﻘﺎﺋﻤﺔ ائتلاف (أزرق أبيض) ﻫﻲ: ﻏﺎﻧﺘﺲ، ﻻﺑﻴﺪ، ﻳﻌﺎﻟﻮن وأﺷﻜﻨﺎزي. وﺳﻴﺘﻨﺎوب ﻏﺎﻧﺘﺲوﻻﺑﻴﺪﻋﻠﻰ ﻣﻨﺼﺐرﺋﻴﺲاﻟﻮزراء، ﺣﻴﺚﺳﻴﺘﻮﻟى ﻏﺎﻧﺘﺲاﻟﻤﻨﺼﺐﻓﻲ أول ﺳﻨﺘﻴﻦوﻧﺼﻒ. وﻓﻲ هذه اﻟﻔﺘﺮة  من حكم غانتس سيعين لبيد وزﻳﺮا ﻟﻠﺨﺎرﺟﻴﺔ ﻓﻲ ﺣﻴﻦﺳيرأس ﻳﻌﺎﻟﻮن وزارة اﻟﺪﻓﺎع ﺣﺎل ﻓﻮز اﻟﻘﺎﺋﻤﺔ ﺑﺎﻻﻧﺘﺨﺎﺑﺎت. وﺑﻌﺪذﻟﻚﺳﻴﺘﻮﻟﻰ ﻻﺑﻴﺪرﺋﺎﺳﺔ اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﺑﺪﻻ ﻣﻦﻏﺎﻧﺘﺲ، اﻟﺬي ﺳﻴﺼﺒﺢ وزﻳﺮا ﻟﻠﺪﻓﺎع.

[5] جاء فى بيان لليكود أن "من يريد التأكد من أن الحكومة المقبلة ستكون حكومة يمينية برئاسة نتنياهو وليس حكومة يسارية برئاسة "لبيد – جانتس – جباى"، ويجب أن يصوت فقط لصالح الليكود برئاسة نتنياهو.

[6] استثني من أحزاب الائتلاف التي أيدت قرار نتنياهو بعدم الاستاقلة نتيجة قرار الناب العام بتوجيه تهم فساد له حزب "كولانو" برئاسة كحلون والذي لم يعلن حتىلحظة كتابة هذه السطور موقفه من هذا القرار.

[7] أعلنت السلطة الوطنية الفلسطينية عن رفضها لصفقة القرن نتيجة للمعطيات التي سبقت الإعلان عن هذه الصفقة لاسيما قرار الرئيس ترامب نقل السفارة الأمريكية للقدس وعدم إعلان الإدارة الأمريكية الصريح لموقفها الداعم لحل الدولتين.

طباعة
د. رمزي عودة

مدير وحدة الدراسات والأبحاث في معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي