متابعات تحليلية

التحالفات الانتخابية الجديدة فى إسرائيل وأثرها على تشكيل الحكومة القادمة

طباعة

ما أن تم الإعلان في 26-12-2018 عن تقديم موعد الانتخابات الإسرائيلية والمصادقة على قانون حل الكنيست 21 بغالبية 102 من نوابها، وتبكير موعد الانتخابات إلى التاسع من أبريل 2019، حتى باتت الساحة السياسية داخل دولة إسرائيل في حراك كبير من أجل اغتنام الفرصة والاستعداد بكل قوة لدخول الكنيست، خاصة في ظل الهيمنة الكبيرة لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو على الساحة السياسية الإسرائيلية، وهذا ما دعا العديد من الشخصيات إلى التفكير في إقامة التحالفات التي من شأنها أن تعزز حضورهم في الكنيست مع ارتفاع نسبة الحسم والتي تجعل الوصول إلى مقاعد البرلمان مهمة شاقة وتتطلب بعض التنازلات من أجل إقامة التحالفات، وهذا ما أدى إلى ظهور أحزاب جديدة وتشكيل ائتلافات كبيرة وتفكك تحالفات قائمة.

 التحالفات الانتخابية لانتخابات الكنسيت الإسرائيلية الجديدة، وتأثيرها على تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة، هو محور اهتمام هذا المقال، الذي يحاول تسليط الضوء على أبرز معالمها، وانعكاساتها على المشهد السياسي والحزبي داخل إسرائيل.

أولاً: تحالفات انتخابية جديدة

شهدت الفترة الحالية إقامة عدة تحالفات أعطت دفعا جديدا لشكل المنافسة في الانتخابات المقبلة، خاصة وأن هناك تحالفا كبيرا أصبح له وزن مهم في الساحة السياسية الإسرائيلية. ويمكن توضيح أبرز معالم التحالفات الانتخابية للانتخابات التشريعية في إسرائيل لعام 2019، في العرض التالي:

1- "أزرق أبيض".. حزب رؤساء الأركان

أعلن رئيس الأركان الإسرائيلي السابق بيني غانتس عن خوضه انتخابات الكنيست الجديدة من خلال تشكيل حزب جديد مع نهاية شهر ديسمبر 2018، حمل اسم "حصن إسرائيل"، ويسعى الحزب إلى "متابعة تطوير وتعزيز إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية بحسب الرؤية الصهيونية كما يتم التعبير عنها في وثيقة الاستقلال، مع إنشاء وتغيير الأولويات الوطنية في مجالات التعليم، وتطوير البنية التحتية الوطنية، والزراعة، وسيادة القانون والأمن الداخلي، والسلام والأمن"، بحسب وثيقة التسجيل.[1]

لم يتأخر نتنياهو في شن الهجوم على الحزب الجديد بوصمه بصفة "اليسارية" والتي يعتبرها اليمين بمثابة التهمة، وقال: "لا أتدخل في كيفية توزيع اليسار لأصواته".[2]

وأفادت استطلاعات الرأي في إسرائيل أنه مع إنشاء حزب غانتس الجديد من الممكن أن يحصل على 12-16 مقعدا ليكون الحزب الثاني خلف الليكود، ولكن طموح غانتس في تشكيل بديل لنتنياهو دفعه للبحث عن تحالفات جديدة. واتفق بيني غانتس وموشيه يعلون، وزير الجيش السابق في حكومة نتنياهو، على خوض انتخابات الكنيست القادمة في قائمة مشتركة. وخلافا لتصريحات يعلون السابقة، توصل الجانبان إلى تفاهمات مفادها أنه إذا أراد غانتس الانضمام إلى ائتلاف برئاسة بنيامين نتنياهو، فإن يعلون لن يعترض. وقالت مصادر في الحزبين لصحيفة "هآرتس" إن انضمام يعلون إلى الحكومة سيكون جزءا من قوة سياسية كبيرة، خلافا لولايته كوزير للأمن في حكومة نتنياهو الحالية، حيث كان عضوا في الليكود ومن دون قوة سياسية كبيرة.[3]

ولم يكتف غانتس بذلك، بل قام، وبمساعدة من رئيس الأركان الأسبق غابي اشكنازي، بالعمل على ضم أحزاب جديدة وكان أهمها حزب "يش عتيد" بزعامة يائير لبيد وهو الحزب الذي كان حصل في انتخابات الكنيست عام 2013 على 19 مقعدا وشغل وقتها لبيد وزارة المالية في حكومة نتنياهو، وعلى 11 مقعدا في انتخابات 2015.

وأعلن رئيس حزب "حصانة لإسرائيل"، بيني غانتس، ورئيس "يش عتيد"، يائير لبيد، بتاريخ 21-2-2019، عن تشكيل قائمة مشتركة للحزبين لانتخابات الكنيست المقبلة قبيل انتهاء الوقت المحدد لتقديم القوائم النهائية بساعات قليلة. وجاء في بيان صدر عنهما أنه تم الاتفاق على التناوب في رئاسة الحكومة بينهما، وأن رئيس أركان الجيش الأسبق، غابي أشكنازي، سوف ينضم إلى القائمة الجديدة.وأضاف البيان المشترك إنه "بدافع المسؤولية القومية، قرر غانتس ولبيد وموشي يعالون تشكيل قائمة موحدة لتكون حزب السلطة الجديد في إسرائيل".وتم الاتفاق على التنافس بقائمة مشتركة على رئاسة الحكومة باتفاق تناوب، بحيث يكون غانتس الأول، ويستبدله لبيد بعد سنتين ونصف.

وتشير تحليلات إسرائيلية إلى أن ضم أشكنازي يعتبر إضافة جدية للتحالف، حيث إنه يستطيع اجتذاب أصوات من الكتل المختلفة، ورفع احتمالات غانتس في أن يكون على رأس الائتلاف الحكومي المقبل[4].

ويعتبر تحالف غانتس ولبيد ويعلون واشكنازي هو تحالف بين قوى وشخصيات غير متجانسة، وأشبه ما يكون بـ"سوبرماركت" سياسي، لكنه تحالف الضرورة؛ ضرورة إسقاط نتنياهو وما يمثله، هو تحالف النخب اليمينية التي يساورها قلق شديد على مستقبل إسرائيل كدولة يهودية ديموقراطية علمانية، تحالف المسكونين بالخوف من سيطرة اليمين المنفلت والشعبوي والديني على كل مقاليد الحكم والدولة، الخائفين من الديموغرافيا ومن ضم ملايين الفلسطينيين، بحيث تفقد إسرائيل طابعها اليهودي، تحالف من عبّر عنهم المؤرخ بيني موريس في مقال له يطالب اليهود بالاستعداد للرحيل، حيث يشخّص أن حل الدولتين قد انتهى، وأن الزحف والضم لابدّ وأن يؤدي إلى ضم ملايين الفلسطينيين دون منحهم حق الانتخاب، الأمر الذي سيظهر إسرائيل كدولة "أبرتهايد"، وسيؤدي لاحقًا بعد صراع طويل إلى الرضوخ ومنحهم حق الانتخاب، وعندها فإن العرب سيحكمون إسرائيل، وستتحول إلى دولة فاشلة ولن يكون لليهود فيها أي مستقبل.[5]

ولم يتوقف نتنياهو عن شن الهجوم على القائمة الجديدة وادعى أن رؤساء قائمة "أزرق– أبيض"، بيني غانتس ويئير لبيد، يعتمدون على الأحزاب العربية لإنشاء كتلة مانعة في الكنيست. وأكمل نتنياهو إن الناخبين يجب أن يختاروا بين "حكومة يسارية ضعيفة جديدة برئاسة لبيد وغانتس، مع كتلة مانعة من الأحزاب العربية أو حكومة يمينية قوية برئاستي. إنهم يتحدثون عنا ويقولون إننا كتلة يمينية مانعة".[6]

ولم يتأخر يئير لبيد، أحد قادة قائمة "أزرق- أبيض"، في الرد على اتهامات نتنياهو، الذي قال في برنامج "واجه الصحافة"، إن الحزب لن يجلس في الحكومة مع رئيس وزراء يواجه لائحة اتهام. وأضاف لبيد أن حزبه سيفوز ولن يحتاج إلى دعم الأحزاب العربية، مضيفا أن من يدخل إلى الكنيست يجب أن يتم وعظه.[7]

ويكشف هذا الهجوم المتبادل عن حجم الضغط الذي بات عليه نتنياهو بعد تشكيل قائمة "أزرق- أبيض" برئاسة بيني غانتس والتي أصبحت تشكل تهديدا كبيرا له، خاصة بعد إعلان المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية افيخاي مندلبليت عن نيته توجيه لوائح اتهام لنتنياهو في عدة قضايا فساد، ما جعل تحالف غانتس لبيد يصل إلى 38 مقعدا في استطلاعات الراي مقابل 30 مقعدا لليكود.

2- القائمة اليهودية.. تحالف اليمين المتطرف

لم تتوقف محاولات نتنياهو في الرد على تحالف غانتس لبيد عند حدود الهجوم بالكلمات، بل عمل من أجل توحيد أحزاب اليمين المتطرف في الكنيست حتى يضمن أن تظل كتلة اليمين واليمين المتطرف لها الأغلبية مما يتيح له الفرصة في تشكيل الحكومة حتى ولو فاز حزب "أزرق أبيض" بعدد مقاعد أكبر من الليكود.

وأفادت صحيفة "يسرائيل هيوم" أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ألقى بكامل ثقله على قادة الصهيونية الدينية، في محاولة لتوحيد البيت اليهودي- الاتحاد القومي مع حزب القوة اليهودية وحزب إيلي يشاي. وقال نتنياهو في محادثات مغلقة "من دون تحالف في اليمين ستتشكل حكومة يسارية".[8]وكتب نتنياهو على حسابه على تويتر قائلا: "يا رؤساء البيت اليهودي والاتحاد القومي والقوة اليهودية، الناخبون اليمينيون يتوقعون منكم أن تظهروا المسؤولية وتتحدوا. لا تخيبوا آمالهم ولا تعرضوا أرض إسرائيل للخطر".

ونجحت جهود بنيامين نتنياهو في توحيد أحزاب اليمين المتطرف، فقد عقد في 21-2-2019 اجتماعا مع كبار أعضاء أحزاب اليمين في الكنيست الإسرائيلي، "الاتحاد الوطني"، و"البيت اليهودي"، لـ"توحيد" صفوف أحزابهم مع حزب "عوتسماة يهوديت". وفي بيان مشترك صادر من حزب "الليكود" وحزب "البيت اليهودي"، تم التوصل إلى اتفاق بين نتنياهو والحاخام رافي بيرتس للاتحاد مع الأحزاب، على أن يحصل حزب "البيت اليهودي" بموجب الاتفاق على مناصب في المكاتب الحكومية، بالإضافة إلى تحصين موقع مخصص لحزب "البيت اليهودي" في مكان مضمون داخل قائمة حزب "الليكود" للانتخابات البرلمانية، وقالت مصادر سياسية إن نتنياهو وعد البيت اليهودي بحصوله على حقيبتين وزاريتين، في حال شكّل نتنياهو الحكومة القادمة.[9]

وتعرض نتنياهو لهجوم شديد بعد نجاحه في توحيد أحزاب اليمين المتطرف، سواء داخل إسرائيل أو خارجها، وتوسعت موجة الاحتجاجات في الولايات المتحدة ضد دعم نتنياهو للحزب اليميني المتطرف القوة اليهودية، ليشمل بعض أقوى المنظمات الرائدة والموالية لإسرائيل في واشنطن. وبعد سلسلة من الاستنكار لخطوة نتنياهو، انضمت اللجنة اليهودية الأمريكية (AJC) واللوبي المؤيد لإسرائيل ايباك، إلى قائمة المنظمات التي عبرت عن معارضتها لحزب القوة اليهودية، ورد نتنياهو على الانتقادات قائلا: "ما هذا النفاق والمعايير المزدوجة في اليسار؟ إنهم يدينون كتلة مانعة في اليمين مع أحزاب اليمين بينما يعمل اليسار على إدخال الإسلاميين المتطرفين إلى الكنيست لإنشاء كتلة مانعة. التحالف مع الأحزاب اليمينية يعتبر مرفوضا، أما العمل على إدخال المحرضين والجواسيس ضد إسرائيل فيعتبر أمرا مشروعا. قمة العبث".[10]

ويتبين من الجهود التي بذلها نتنياهو مدى حرصه على توحيد أحزاب اليمين المتطرف حتى ولو كان الثمن انتقادات لاذعة من أطراف كانت تشكل له الحماية وخاصة من اليهود في الولايات المتحدة الأميركية، إلا أنه تجاهل كل ذلك من أجل المحافظة على تفوق الكتلة اليمينية في الكنيست بما يضمن له الاستمرار في سدة الحكم.

3- تفكك وانشقاق

لم تخل الساحة السياسية من حدوث انشقاقات بين الأحزاب الإسرائيلية، وهي سمة متواجدة بكثرة بين هذه الأحزاب وتكاد لا تنجو منها أية دورة انتخابية.

أ- اليمين الجديد.. إقلاع جديد لبينيت وشاكيد

في خطوة مفاجئة وغير متوقعة قام نفتالي بينيت وزير التعليم واييلت شكيد وزيرة القضاء بالإعلان عن انفصالهما عن حزب "البيت اليهودي" وتشكيل حزب جديد تحت اسم "اليمين الجديد" في29-12-2019، بعد أن ساهما، ومنذ انتخابات الكنيست عام 2013 وعام 2015، في المحافظة على تواجد حزب البيت اليهودي (وريث حزب المفدال التاريخي) في الكنيست والمشاركة في الحكومة.

وقال بينيت في المؤتمر الصحافي المُشترك، الذي أُقيم في تل أبيب: "إذا نجحنا في الماضي في منع إطلاق سراح الإرهابيين أو تقدُّم الدولة الفلسطينية، فقد فقدنا قوة تأثيرنا هذه الآن".وأضاف بينيت: "لقد أدرك نتنياهو أن الصهيونية الدينية في جيبه وأنهم سيذهبون معه دائما"، في إشارة إلى انصياع الأحزاب الدينية لمعظم قرارات نتنياهو.وتحدّثت شاكيد في كلمتها حول ضرورة وجود شراكة حقيقية بين العلمانيين والمتدينين، وقالت: "في عام 2012 وصلنا إلى البيت اليهودي، حيث تتجسد الشراكة الحقيقية بين المتدينين والعلمانيين. لقد مرت ست سنوات وأنا ممتنة للصهيونية الدينية التي فتحت أبوابها أمامي، فلطالما شعرت أنني في المنزل"، مُضيفةً: "لقد أصبح البيت اليهودي قوة كبيرة، حزب صغير من حيث العدد، ولكن تأثيره كبير، لقد حققنا العديد من الإنجازات"[11].

وهناك من يقول بأن كلًا من نفتالي بينت وايليت شاكيد كانا قد خططا لهذا الانفصال منذ اليوم الأول الذي انضما فيه لصفوف "البيت اليهودي"، وبأن انضمامهما إلى "البيت اليهودي" ("المفدال" سابقًا) كان مرحليًا، للاستفادة منه كإطار سياسي يسمح لهم بالدخول بقوة للحلبة السياسية، والقدرة على تقديم أجندة صهيونية دينية علمانية جديدة، أي المزاوجة بين الصهيونية الدينية والعلمانية بمرونة وبرغماتية عالية تسمح بأن يضموا لصفوفهم مئات الآلاف من أنصار اليمين العلماني.

الثنائي بينت شاكيد يبدو أنهما شعرا باستنفاد إمكانياتهما على التقدم داخل إطار "البيت اليهودي" الذي يفرض عليهم مرجعية حاخامية دينية، ولا يمنحهما قدرة أكبر من المرونة والبرغماتية، فممثلو حاخامية الصهيونية الدينية في الحزب (سموتريتش وأوري أريئيل وبن دهان وآخرون) يشكلون بالنسبة لهم عوامل إغراق وجذب للأسفل، ويحدّون من قدرتهم على المناورة أمام نتنياهو، ويتذكر لهم بينت أنهم فرضوا علية التراجع عن تهديده لنتنياهو بالخروج من الحكومة إذا لم يسلمه وزارة الأمن[12].

وينص برنامج حزب اليمين الجديد على أنه ملتزم بتطبيق السيادة الإسرائيلية في المنطقة (C) ومنح الجنسية الإسرائيلية لعشرات آلاف السكان العرب فيها، ومعارضة إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين، وتوسيع البناء بشكل كبير في الضفة الغربية والقدس التي يعتبرونها العاصمة الموحدة لإسرائيل، والعمل على تجديد البناء داخل القدس الموحدة وتعظيم إمكانات جفعات همطوس، هارحوما، بسغات زئيف، مدينة داوود وأحياء أخرى، بهدف مضاعفة عدد السكان اليهود في المنطقة.[13]

ويعتبر هذا الانشقاق بمثابة تحرر لبينيت وشاكيد من قيود اليمين الديني المتطرف والذي استغلاه لفترة من الوقت من أجل الانطلاق في عالم السياسة، ولكن أصبح لهما الآن هدف أكبر وهو الوصول إلى سدة الحكم، فقاما بتشكيل حزب "اليمين الجديد" ليكون قادرا على استيعاب اليمين العلماني والديني من أجل السيطرة على كتلة اليمين في مرحلة ما بعد نتنياهو.

ب- حزب العمل.. تفكك المعسكر وتراجع التصويت

مع تولي افي غباي رئاسة حزب العمل إثر الانتخابات الداخلية في 10-7-2017 بدأت حالة حراك جديدة في الحزب المنضوي ضمن تحالف "المعسكر الصهيوني" مع حزب "الحركة" بزعامة تسيبي ليفني، والذي كان يملك 24 مقعدا في الكنيست.

أراد غباي فرض هيمنته على الحزب من خلال مجموعة من القرارات التي جعلته يريد الابتعاد عن منطقة وسط اليسار إلى وسط اليمين، ولذلك أعلن عن فك الشراكة مع ليفني بطريقة مهينة وعلى الهواء مباشرة في 1-1-2019، للتخلص من يساريتها التي جعلت باقي الأحزاب تتهرب من التحالف معها وأدى إلى اعتزالها الحياة السياسية. إلا أن هذه الخطوة من غباي لم تفد حزب العمل، حيث تعطيه استطلاعات الرأي ما بين خمسة إلى ثمانية مقاعد فقط، خاصة مع بروز تحالف "أزرق أبيض" بزعامة غانتس ولبيد. وقال مسؤول في حزب العمل عشية الانتخابات الداخلية بالحزب: "هذه معركة على الحياة والموت. استطلاعات الانتخابات تقلقنا. وهذا يشع علينا ويسبب توترا، حزب غانتس يلتهم مقاعدنا بشهية كبيرة. نحن لن نختفي من الخريطة السياسية، خطنا الأدنى هو بين ستة وثمانية مقاعد، وهذا ليس شرفًا عظيمًا".[14]

أحد المعطيات المثيرة في الاستطلاع الذي أجراه الباحث السياسي في جامعة حيفا، الدكتور دورون نيفوت، هو من أين جاء المصوتون لغانتس. فقد سُئل المشاركون لمن صوتوا في الانتخابات السابقة، فقال 10 في المئة فقط أنهم صوتوا لليكود، مقابل 58 في المئة صوتوا للعمل، و17 في المئة صوتوا لكلنا و13 صوتوا للقائمة المشتركة.[15] ومع ذلك، فإن الانتخابات التمهيدية في حزب العمل أعطته دفعة في استطلاعات الرأي أوصلته إلى عشرة مقاعد، خاصة مع انتخاب وجوه شابة وجديدة ولديها قبول في أوساط الحزب ومؤيديه. وتعتبر نتائج الانتخابات إنجازاً كبيرا لغباي، حيث نجح المرشحون الذين دعمهم بالوصول إلى مقدمة القائمة، في حين تم دفع منافسيه، ولا سيما إيتان كابل، إلى القاع. كما تعتبر نسبة التصويت (56%) بمثابة انتصار لغباي، ذلك أنه، في الأيام الأخيرة، قدر كبار مسؤولي الحزب أن الكثيرين من أعضاء الحزب لن يكلفوا أنفسهم عناء الذهاب إلى صناديق الاقتراع بسبب نتائج الاستطلاعات، لكن الإقبال على الاقتراع قريب من انتخابات عام 2015.

وقال غباي لأعضاء الحزب الذين تجمعوا في "حدائق المعارض" في تل أبيب: "يا له من فريق، لدينا فريق ضخم. هذا فريق سيعرف كيف يحافظ على أمن الدولة، وإجراء مفاوضات سياسية حقيقية، والحفاظ على الديمقراطية والرعاية الحقيقية لمواطني الدولة، فريق سيعرف كيف يعيد احتضان الأقليات ويعيد قيمة المساواة إلى كتاب القوانين".[16]

ولكن الفشل الأكثر أهمية لحزب العمل كحركة سياسية هو عدم رغبتها البارزة في أن تقود في المجال الاقتصادي– الوطني كبديل عن الحكم القائم. العمل، مع ماضيه التنفيذي الفاخر، كان يمكنه بسهولة أن يجند أفضل العقول الاقتصادية وأفضل الموظفين الكبار السابقين في الوزارات الحكومية كي يعرض خطة بديلة لتنمية الاقتصاد والمجتمع في إسرائيل للعقد القريب القادم. ولكنه لم يفعل ذلك، رغم أن خططا اقتصادية بحجم وطني كانت ستساعده على أن يبث صورة حزب بمثل هذا الحجم. في أربع سنوات من ولاية موشيه كحلون كوزير للمالية، كان بوسع العمل أن يقنع شخصيات رائدة من العالم الاقتصادي والإداري أن تأخذ على عاتقها مناصب وزير مالية معارض ومدير عام مالية معارض، ولكن يبدو أنه لم يفكر على الإطلاق بالعمل في هذا الاتجاه.[17]

ج- الأحزاب العربية.. إعادة تركيب

لم تدم فترة الوحدة بين الأحزاب العربية لأكثر من دورة انتخابية، بعد أن تمكنوا في انتخابات الكنيست الماضية من الوصول إلى 13 مقعدا حينما جمعتهم القائمة المشتركة لتكون أكبر رد على محاولات اليمين من أجل إبعادهم عن الكنيست من خلال رفع نسبة الحسم إلى 3.25%، حيث كان الهدف هو تعجيز الأحزاب العربية عن الوصول إلى البرلمان. لكن التطلعات الشخصية أدت إلى تفكك هذه القائمة المشتركة بعدما أبلغ عضو الكنيست أحمد الطيبي رئيس القائمة العربية للتغيير، رئيس لجنة الكنيست، في 8-1-2019، قراره الانشقاق عن القائمة المشتركة. ويأتي قرار الطيبي بعد شهور من محاولة تطبيق نظام انتخابات تمهيدية مفتوح في القائمة المشتركة أو بدلا من ذلك إجراء انتخابات تمهيدية تعتمد على استطلاعات الرأي، بهدف زيادة قوة قائمته في المشتركة.[18]

وبذلك تفككت القائمة المشتركة التي ضمت أربعة أحزاب تمثل الفلسطينيين في داخل أراضي 48، وهي الجبهة الديمقراطية بزعامة أيمن عودة، والحركة العربية للتغيير برئاسة الطيبي، وحزب التجمع، والقائمة العربية الموحدة الممثلة للحركة الإسلامية الفرع الجنوبي.

وبعد أن تعذر إعادة تشكيل القائمة المشتركة تم البحث في إقامة تحالفين عربيين لخوض الانتخابات في قائمتين منفصلتين. فقد اتفق التجمع والقائمة العربية الموحدة على خوض الانتخابات في قائمة واحدة، وأعلنا أنه سيتم ترتيب ممثلي الحزبين بشكل متتالي في القائمة. ووفقاً للاتفاق الذي تم التوصل إليه بين التجمع والعربية الموحدة، سيترأس القائمة نائب رئيس الحركة الإسلامية، الدكتور منصور عباس، يليه الدكتور مطانس شحادة من التجمع.[19]

ولم تتأخر الحركة العربية للتغيير برئاسة أحمد الطيبي والجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة برئاسة أيمن عودة، عن التحالف فيما بينهما لخوض انتخابات الكنيست 2019 بقائمة واحدة تحت اسم "الجبهة والعربية للتغيير". وأكد أحمد الطيبي توصل الجانبين لاتفاق ثنائي، يتضمن رئاسة مشتركة بين أيمن عودة وأحمد الطيبي، وتقاسم المواقع الأربعة الأولى على الشكل التالي: جبهة (أيمن عودة)، تغيير (أحمد الطيبي)، جبهة (عايدة توما سليمان)، تغيير (أسامة سعدي)، وتضم الأماكن المتبقيّة: عوفير كسيف، ويوسف جبارين، وسندس صالح، يليهم مندوب النقب من الحركة العربية للتغيير ثم مندوب المعروفيين الدروز، والإسم العاشر من التغيير.[20]

وهكذا، تم تدارك الأمر والعودة إلى التحالف بين الأحزاب العربية وإن كان في قائمتين منفصلتين بما يضمن المحافظة على التواجد العربي في ظل الحاجة إلى عدد أصوات كبير مع ارتفاع نسبة الحسم، وهو ما سيكون له تأثير قوي في الانتخابات المقبلة خاصة مع الحديث عن تشكيل كتلة مانعة من العرب من الممكن أن يكون لها تأثير مهم في تشكيل الحكومة المقبلة.

ثانياً: سيناريوهات تشكيل الحكومة

السيناريو الأول: حكومة يمينية

وفقا لآخر استطلاعات الرأي في إسرائيل فإن حزب الليكود والأحزاب اليمينية لا زالت تملك الأفضلية في تشكيل الحكومة المقبلة، وهذا السيناريو هو المرجح حتى الآن، خاصة أن الاستطلاع الذي نشرته صحيفة "يسرائيل هيوم" في 8-3-2019 يشير إلى أن حزب الليكود والأحزاب اليمينية سيكون في حوزتها 62 مقعدا من أصل 120، وهو ما سيعطي نتنياهو الفرصة من أجل تشكيل حكومة يمينية خالصة كما فعل بعد انتخابات الكنيست 2015، رغم أن الأغلبية التي ستعتمد عليها هذه الحكومة ستكون قليلة، إلا أن التماسك سيقودها للبقاء فترة طويلة في حال عدم إدانة نتنياهو بتهم الفساد.

هذا السيناريو الذي يتعلق بتشكيل حكومة يمينية هو المرجح نظرا لأن كتلة اليمين لازالت تسيطر، بينما لم تستطع كتلة اليسار والوسط حتى الآن انتزاع المقاعد من أحزاب اليمين.

السيناريو الثاني: حكومة وسط ويسار

شكل بروز تحالف "أزرق ابيض" حالة دفع قوية ووزن مهم في الساحة السياسية الإسرائيلية، وخاصة لكتلة الوسط واليسار، ووصل في استطلاعات الرأي إلى 38 مقعدا في بعض الأحيان، وهو ما جعله مرشحا لتشكيل الحكومة المقبلة، إلا أن هذا السيناريو لا زال غير واقعي بفعل أن كتلة الوسط واليسار تحتاج إلى استمالة أحزاب من كتلة اليمين وإقناعها بالانضمام إليها مثل أحزاب كولانو وشاس ويهودات هتوراة والتي أعلنت أنها تفضل التحالف مع نتنياهو، ولكن قد يكون للإغراءات المالية التي سيقدمها غانتس وشركاؤه دور في جعل الأحزاب الحريدية (شاس ويهودات هتوراة) توافق على ترشيحه لتشكيل الحكومة المقبلة.  

ولكن يبقى سيناريو أن يقوم تحالف غانتس بتشكيل الحكومة ضعيفا ما لم يستطع نزع الأصوات من كتلة اليمين، لأن الأصوات التي يحصل عليها حتى الآن تأتي في معظمها من الأحزاب التي تشاركه في كتلة الوسط واليسار وخاصة من حزب العمل، ومن الصعب عليه الاعتماد على الأحزاب العربية.

السيناريو الثالث: حكومة وحدة وطنية

هذا السيناريو يتعلق بموافقة حزبي "أزرق أبيض" والليكود على تشكيل الحكومة المقبلة دون الحاجة للتحالف مع الأحزاب الأخرى خاصة وأن استطلاعات الرأي تؤكد أنه من الممكن أن يشكلا الحكومة بأغلبية وإن كانت بسيطة.

ويعتبر هذا السيناريو بعيد نوعا ما خاصة في ظل رفض غانتس المشاركة مع نتنياهو في حال النية لتوجيه لائحة اتهام ضده، بالإضافة إلى ما صرحه نتنياهو بأنه لن يتحالف مع حزب غانتس لبيد لتشكيل حكومة وحدة، قائلا: "لا يمكن التحالف معهم"، وبعد الانتخابات سيتوجه فقط إلى الشركاء الطبيعيين.[21]

وبشكل عام، فإن الساحة السياسية الإسرائيلية تشبه الرمال المتحركة والمتغيرات حاضرة دوما، ورغم أن تحالف "أزرق أبيض" بزعامة غانتس ولبيد شكل حالة جديدة في انتخابات الكنيست من خلال تصدره لاستطلاعات الرأي وأصبح تهديدا كبيرا لنتنياهو وحزب الليكود، إلا أنه وحتى في حال فوزه بالانتخابات فقد لا يكون قادرا على تشكيل الحكومة خاصة وأن الكتلة اليمينية لا تزال هي الأكبر نسبيا حسب استطلاعات الرأي الأخيرة، ويحتاج حزب "أزرق أبيض" إلى جلب أصوات من اليمين وأحزابه حتى يتمكن من تشكيل الحكومة المقبلة وإنهاء عهد نتنياهو الذي تلاحقه فضائح الفساد والتي من الممكن أن تقضي على مستقبله السياسي إن تم إدانته بصورة فعلية.


[1] "رئيس هيئة الأركان السابق بيني غانتس يكشف عن تشكيل حزب سياسي جديد"، تايمز أوف إسرائيل،27-12-2018، على الرابط التالي:

https://goo.gl/WzvECa

[2] "نتنياهو حول تشكيل حزب برئاسة غانتس: لا أتدخل في كيفية توزيع اليسار لأصواته"، هارتس، 28-12-2018.

[3] "غانتس ويعلون يخوضان الانتخابات الإسرائيلية في قائمة مشتركة"، هارتس،30-1-2019.

[4] "غانتس ولبيد في قائمة واحدة تضم أشكنازي"، عرب 48، 21-2-2019. على الرابط التالي:

https://goo.gl/rtmqEq

[5] "قراءة في النتائج المحتملة للانتخابات الإسرائيلية"، أطلس للدراسات، 25-2-2019. https://atls.ps/post/16453

[6] "نتنياهو يتهم غانتس بإقامة كتلة مانعة مع العرب- لكنه فعل ذلك بنفسه"، صحيفة هارتس، 25-2-2019.

[7] "لبيد: لن نحتاج إلى العرب في تشكيل الكتلة المانعة، صحيفةيسرائيل هيوم، 24-2-2019.

[8] "نتنياهو يبذل جهودا حثيثة لتوحيد أحزاب اليمين (المتطرف)"، يسرائيل هيوم، 19-2-2019.

[9] "نتنياهو يوحد اليمين المتطرف استعداداً للانتخابات"، وكالة معاالإخبارية، 21-2-2019.

[10]"أيباك في انتقاد نادر لدعم نتنياهو لحزب القوة اليهودية: حزب عنصري وضار"، صحيفة هارتس، 24-2-2019.

[11] "بينيت وشاكيد يُعلنان تأسيس حزب اليمين الجديد والليكود يرد"، موقع عرب 48،29-12-2019. على الرابط التالي:

https://goo.gl/xKngPh

[12] "حزب اليمين الجديد"، أطلس للدراسات، 30-12-2019م https://atls.ps/post/16366

[13]"كشف برنامج حزب بينت: تطبيق السيادة في المنطقة Cيسرائيل هيوم، 28-2-2019.

[14] "قلق في حزب العمل: غانتس يلتهم مقاعدنا"، يسرائيل هيوم، 4-2-2019.

[15] هارتس، 1-3-2019.

[16]"الانتخابات التمهيدية في حزب العمل: شمولي وشفير في المقدمة، إيتان كابل في المكان الـ15"، هآرتس، 12-2-2019.  

[17] سيفر بلوتسكر، "أخطاء العمل"، يديعوت، 27/2/2019.

[18] "الطيبي ينسحب من القائمة المشتركة"، هآرتس، 9-1-2019.

[19] "اتفاق بين التجمع والعربية الموحدة على خوض الانتخابات معا ومواصلة المفاوضات مع الجبهة والطيبي"، هآرتس، 19-2-2019.

[20] "اتفاق الطيبي وعودة على قائمة ثنائية لخوض انتخابات الكنيست"، الحدث،21-2-2019. على الرابط التالي: https://goo.gl/itpmpU

[21] "نتنياهو في حوار مغلق: يخشى عدم تكليفه بتشكيل الحكومة القادمة"، قناة أي24،4-3-2019: على الرابط التالي: https://goo.gl/ChzguS

طباعة
عاهد عوني فروانة

باحث فلسطيني مختص بالشأن الإسرائيلي