مقالات

التنسيق الروسي- الإسرائيلي في سوريا... هل انتهى التفاهم الروسي الإيراني؟

طباعة

شهدت الأزمة السورية مؤخرا حالة من التنسيق والتقارب بين روسيا وإسرائيل، بصورة يمكن القول معها إن العلاقات بين البلدين قد تجاوزت حالة التوتر على إثر إسقاط إسرائيل لطائرة شحن عسكرية روسية فوق سوريا في سبتمبر 2018. وقد عكس هذا التقارب العديد من الزيارات التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لموسكو على مدار عام 2018 الماضي. وجاءت الزيارة الأخيرة له في السابع والعشرين من فبراير2019 لتجعل حالة التقارب بين البلدين أكثر حضورا على ساحة تفاعلات الأزمة السورية مؤخرا، والتي استهدفت في المقام الأول التأكيد على رفض إسرائيل لبقاء إيران في سوريا خلال المرحلة القادمة.

فعلى الرغم من أن هدف الزيارة ليس جديدا، حيث تمت مناقشته في العديد من الزيارات التي قام بها نتنياهو لموسكو، إلا أن الجديد في الأمر أن إعادة التباحث بشأن الوجود الإيراني في سوريا في هذا التوقيت بين الرئيس الروسي بوتين ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو يأتي بعد بروز متغيرين مهمين:

 الأول، يتعلق بإعلان الإدارة الأمريكية الانسحاب من الشمال والشمال الشرقي السوري، ثم العدول عن الانسحاب الكامل لصالح الإبقاء على قوة رمزية بعد ضغوط ومطالب دولية وإقليمية استهدفت منع كل من تركيا والنظام السوري من استهداف الأكراد أو فرض النفوذ، فضلا عن ضغط إسرائيلي ربط بين الانسحاب الأمريكي وبين "ضرورة" خروج القوات الإيرانية من سوريا.

المتغير الثاني، يتعلق ببروز حالة من اختلاف الرؤى والمصالح بين الحليفين الروسي والإيراني في سوريا بعد أن انتهت العمليات العسكرية التي قام بها الطرفان مساندة للنظام؛ سواء في مواجهة فصائل المعارضة المسلحة أو في مواجهة تنظيم الدولة. هذا المتغير الثاني تحديدا جعل أهداف إسرائيل في مواجهة إيران داخل سوريا حاضرة بصورة دائمة، وتمثلت في استهدافات إسرائيلية متكررة لمواقع عسكرية إيرانية بعلم روسيا، وهي استهدافات مرشحة للتزايد خلال المرحلة المقبلة، لاسيما بعد إعلان الطرفين الروسي والإسرائيلي عن "تنسيق" عسكري ولوجيستي متعدد الجوانب لإخراج "كافة القوات الأجنبية من سوريا".

وبما أن فكرة إخراج إيران من سوريا عبر ضغوط أمريكية وفقا للرؤية الإسرائيلية قد باءت بالفشل، كان التوجه الإسرائيلي لروسيا –انتهازا لحالة التباين الروسية الإيرانية– على أمل أن تقتنع موسكو بأهمية الطلب الإسرائيلي بشأن إيران. وعلى الرغم من أن الرد الروسي على هدف الزيارة كان ردا غامضا؛ حيث أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعمل على إخراج كافة "القوات الأجنبية" من سوريا عبر مجموعة عمل مشتركة، إلا أن نتنياهو نجح في الحصول على "تفهم" روسي لأية عمليات عسكرية قادمة ستكون أكثر قسوة من سابقتها ضد التموضع الإيراني في سوريا، شريطة أن يتم إعلام روسيا بها. ولإدراك الرئيس السوري بشار الأسد حالة التباين في المصالح بين حليفيه الروسي والإيراني، واستشعاره رغبة روسيا في إجراء تعديلات قوية في النظام السوري تماشيا مع حالة من المطالبات الدولية، ومع إعلان نتنياهو عن قيامه بالزيارة المذكورة، استبق الرئيس الأسد زيارة نتنياهو لروسيا بزيارة قام بها لطهران في الخامس والعشرين من شهر فبراير نفسه -أي قبل زيارة نتنياهو لروسيا بيومين- للتأكيد على متانة واستراتيجية التحالف السوري- الإيراني، وعلى بقاء القوات الإيرانية في سوريا بموافقة من رأس النظام نفسه، في رسالة واضحة للطرف الروسي بشأن مدى النفوذ الإيراني لدى النظام السوري حال رغبته في إخضاع النظام لصفقة تفاهمات دولية في المستقبل، لاسيما بعد ورود أنباء تشير إلى احتمال إجراء روسيا صفقات مع الولايات المتحدة وتركيا، سواء بالنسبة للشرق السوري، أو بالنسبة لإدلب. هذا فضلا عن رفض الدول الأوروبية المطالب الروسية بشأن المشاركة في عملية إعادة الإعمار السورية إلا بعد التوصل لحل سياسي "يقلص" من سلطات بشار الأسد بضمانة روسية.

ويلاحظ هنا أن زيارة الأسد بدعوة من طهران جاءت بعد انتهاء مؤتمر وارسو الذي عُقد في الثالث عشر والرابع عشر من فبراير 2019، ودعت له الولايات المتحدة لبحث التهديدات الإيرانية في منطقة الشرق الأوسط وما تسببه من عدم استقرار للعديد من دوله. كما بحث كذلك عملية السلام العربية الإسرائيلية، حيث اعتبر العديد من المراقبين أن دعوة إيران للأسد ما هي إلا تعبير عن حالة التوجس التي تشعر بها طهران تجاه التصعيد الذي تمارسه الولايات المتحدة ضدها خلال الفترة الحالية، لاسيما بعد أن نجحت في حشد مؤتمر دولي كبير. لكن سرعان ما تبددت -أو بتعبير أدق- "تقلصت" مخاوف إيران من تداعيات ذلك المؤتمر بعد فشله في الخروج باستراتيجية دولية لمواجهتها أو استهدافها بصورة مباشرة، وبالتالي استهدفت دعوة إيران للأسد لزيارتها، ومقابلة الرئيس حسن روحاني والمرشد الأعلى علي خامنئي وفي ظل حضور قائد فيلق القدس قاسم سليماني وغياب وزير الخارجية جواد ظريف، إرسال عدة رسائل لجهات متعددة، فهي تمثل نوعا من الرد على المؤتمر بصيغة عسكرية (من خلال حضور قاسم سليماني اللقاء) تؤكد استمرار الوجود العسكري الإيراني في سوريا، وتؤكد كذلك على أنه لا فك للارتباط بينها (أي إيران) وبين النظام، بما يعني ضمنيا قطع إيران الطريق على التصور الروسي تحديدا بشأن ما يتم ترويجه حول رؤية روسية لإعادة تأهيل النظام السوري، على الرغم من نجاح روسيا – إلى حد ما – في محاولات إعادة تسويق الأسد على المستوى الدولي والعربي على حد سواء.  

أما حالة التنسيق الروسية الإسرائيلية الجديدة بشأن العمل على إخراج كافة القوات الأجنبية من سوريا مستهدفة بالطبع القوات الإيرانية، فلا تزال غامضة أو غير معلن عنها، وربما تدخل –كما سبق القول- في سياق دراسة روسيا لكافة استراتيجياتها بشأن الملف السوري؛ حيث تتميز روسيا بقدرة فائقة على التحكم في ذلك الملف وفي تفاعلات القوى الإقليمية المنخرطة فيه لاسيما تركيا وإيران وإلى حد ما إسرائيل، خاصة أن التفاعل الروسي الإسرائيلي في الملف السوري لا يشهد اختلافات حادة بشأن النظام السوري، ولكن يشهد قدرا من التباين بشأن الوجود الإيراني في سوريا، الذي أصبح مترسخا لا عبر الوجود العسكري والنفوذ السياسي، بل عبر استثمارات إيرانية في قطاعات البنية التحتية السورية خاصة في قطاعات الطرق والكهرباء وشبكات الصرف والمياه...الخ. كما تسعى طهران لإبرام مزيد من عقود التعاون في تلك المجالات مع دمشق خلال المرحلة القادمة، وهو ما يتعارض إلى حد ما مع مساعي روسيا لفرض استثماراتها في المجالات نفسها إلى جانب قطاع الطاقة.

وعلي الجانب الإيراني، فقد قللت طهران من أهمية التقارب الروسي- الإسرائيلي، بل اتجهت إلى التأكيد على "متانة" العلاقات الإيرانية الروسية واستمرار حالة التنسيق الدائم بين البلدين في عدة قضايا أبرزها الوضع في سوريا. واعتبرت كذلك تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بشأن زيارته لروسيا ما هي إلا إحدى أشكال الحرب النفسية التي تشنها تل أبيب ضدها. وبالرغم من تقليل إيران من شأن حالة التقارب الروسي الإسرائيلي في سوريا، إلا أن ذلك لا ينفي حقيقة أن اللقاء أربك إلى حد ما حساباتها هناك، وفتح باب التكهنات حول بداية تفكك حالة التحالف الروسية الإيرانية في الملف السوري، خاصة بعد تغاضي روسيا المستمر عن الاستهدافات الإسرائيلية المتكررة لمواقع إيرانية في سوريا على مدار العام المنصرم. وانعكس ذلك في الحرب التي شنتها وسائل الإعلام الإيرانية على الرئيس الروسي بوتين، بينما التزمت الجهات الرسمية حالة من الصمت مكتفية بتصريحات صادرة من وزارة الخارجية في الخامس من مارس الجاري (2019) تؤكد على استمرار حالة التعاون الاستراتيجي مع روسيا في الملف السوري. إذ لا تزال طهران تخشى صفقات روسية تشترط إنهاء حالة الوجود الإيراني؛ لذلك زادت طهران من مستوى ذلك التواجد ومن مستوى التنسيق مع حزب الله في الداخل السوري. وربما كان رصد إسرائيل لهذا التحرك الإيراني سببا مباشرا في زيارة نتنياهو الأخيرة لروسيا التي كان عنوانها الرئيسي كيفية مواجهة التمدد الإيراني في سوريا ككل، وليس المناطق الجنوبية الغربية القريبة من الحدود مع دولة الكيان.

وفي النهاية يمكن القول إن حالة التقارب الروسية الإسرائيلية المتنامية بشأن الملف السوري مؤخرا لا يعني تفكك حالة التحالف بين روسيا وإيران بصورة شاملة، على الرغم من أنها تخصم بالفعل من هذا التحالف، لاسيما أن روسيا تتعمد استخدامها من حين لآخر كأداة ضغط على الوجود والمصالح الإيرانية في سوريا، والتي تتعارض في بعض منها مع المصالح الروسية، ومع تصورات سياسية روسية بشأن التسوية التي لاتزال معالمها غائبة عن المشهد السوري. كما أن هذا التقارب لا يعني وصول العلاقات بين روسيا وإسرائيل لحالة من التحالف؛ لأن مسار التدخل الإسرائيلي في الأزمة السورية ليس بجديد، حيث ينحصر في استمرار حالة عدم الاعتراض الروسي على ضربات عسكرية إسرائيلية محتملة ضد التواجد الإيراني في سوريا. هذا التدخل من آن لآخر يتيح لروسيا فرصة للضغط على حليفيها سواء كان نظام الأسد أو إيران المهددان دائما بإسرائيل!!. 

طباعة
صافيناز محمد أحمد

باحثة متخصصة فى الشئون السياسية العربية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية