عروض

"اتجاهات 2018 وتوقعات 2019 " عرض التقرير الاستراتيجي العربي 2018

طباعة

صدر العدد الواحد والثلاثين من التقرير الاستراتيجي العربي في مارس 2019. وقد عبر تقرير 2018 عن الاتجاهات السائدة في العالم والإقليم ومصر في عام، بعد النقاش الداخلي المكثف بين معديه للاستقرار حول المفهوم الحاكم له عام بعد آخر، فضلا عن جلسات حوارية مكثفة داخل وحدات عمل المركز، استغرقت ستة أشهر على الأقل بما يؤدي إلى إحداث بعض التغييرات، سواء من حيث الشكل أو المضمون، لكن بدون المساس بالهيكل الموروث.

كما تم إعطاء أهمية مركزية في معالجة عدد من موضوعات تقرير 2018 للتحول من تقديم توصيفات وتحليلات إلى توجيه "إنذارات" مبكرة لما قد نشهده مستقبلا، وهو نمط من التحليلات التي يتضمن الوصول إليها الاهتمام ببناء القدرات للأجيال الجديدة من شباب خبراء وباحثي المركز، ليس فقط على التحليل الدقيق أو التشخيص السليم للقضية محل البحث وإنما عبر التمتع بأدوات أخرى تتمثل في استخدام المؤشرات "الإجرائية" وتوظيف الإحصاءات والرسوم البيانية والخرائط التوضيحية والصور المعبرة وأطر المعلومات المركزة، وهو ما يعطي صدقية للتقرير.

وتمثل الخيط الناظم في تقرير 2018 في الأقسام الثلاثة في التركيز على مسار الأزمات الدولية وانعكاساتها على الأزمات العربية، وسبل السياسة الخارجية المصرية للتعامل معها، حيث استمر اشتعال بؤر الأزمات العربية، وبصفة خاصة في سوريا واليمن وليبيا، برغم ازدياد نسبي في الجهود المبذولة لتسويتها. ويمكن القول إن هناك مجموعة من الاستخلاصات الرئيسية التي تم التوصل إليها في التقرير، على النحو التالي:

تقلبات دولية

1- تقلبات دولية تربك مسار الأزمات العربية، إذ يعاني العالم أزمة عدم ثقة عميقة، سواء في العلاقات بين دوله، بما في ذلك دول تجمعها أحلاف قديمة ومصالح كبيرة، أو في التفاعلات الداخلية بين الحكومات والشعوب في مختلف انحائه، حيث تتدنى معدلات الثقة في المؤسسات السياسية في الدول الديمقراطية، وتزداد الفجوة بين صانعي القرار وقطاعات متزايدة من المجتمعات في بلدان أخرى. ويؤدي غياب الثقة وعدم اليقين إلى ازدياد القلق والخوف في العالم، لاسيما في ظل التحولات المتسارعة، والتغيرات الكبرى التي تفوق حجم التهديدات الفعلية.

وتتعلق هذه التحولات بتسارع التطور التكنولوجي من ثورة الاتصالات اللانهائية، إلى الثورة البيوتكنولوجية. تحولات في أنماط الحياة، وفي الاقتصاد والمجتمع، عبر تداخل أنظمة السلع والخدمات والسكان، وتوسع الرقمنة ومن ثم الاقتصاد الجديد، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي الذي وصل إلى مستوى يثير سؤالا فلسفيا على أثر زمن الروبوت على الإنسان، وخاصة ما يتعلق بفرص العمل. كما تجدد الحديث عن احتمالات نشوب حرب كبرى مدمرة لاسيما بعد إعلان الرئيس دونالد ترامب في أكتوبر 2018 عزم الولايات المتحدة الانسحاب من معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى، وسبقه إعلان الرئيس فلاديمير بوتين، في ختام منتدى فالدي في سوتشي، عن احتمال اندلاع حرب عالمية ثالثة.

حلول مستبعدة

2- محدودية فرص تهدئة الأزمات العربية، حيث يصعب تصور وجود فرصة لوضع الأزمة السورية على طريق الحل السياسي لأسباب من أهمها، استمرار نظام الأسد على أنه حقق، مع حلفائه، الدوليين والإقليميين، نصرا كاملا يتيح المطالبة بإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل مارس 2011، وبالتالي عدم استعداده للتجاوب مع أي تحرك يهدف إلى وضع الأزمة على طريق الحل ما لم يضمن أن تكون نتيجته في الاتجاه الذي يبغيه. وهذا عائق جوهري أمام حل الأزمة، لأن استعادة المركزية الشديدة السابقة لم تعد ممكنة. فلن يتيسر البدء في وضع الأزمة على طريق تقود إلى حل سياسي جديد يقوم على درجة عالية من اللامركزية، ويحافظ على وحدة سوريا في الوقت نفسه.

وربما يكون السعي إلى حل سياسي للأزمتين اليمنية والليبية أقل صعوبة نسبيا، من زاوية عدم وجود عائق أمام أعلى مستويات اللامركزية، أي الفيدرالية، على نحو ما تم الإقرار به في مؤتمر الحوار الوطني عام 2014، قبل تصاعد الصراع والانقلاب الحوثي على الشرعية. غير أن تأثير الصراع الإقليمي بين المحورين الإيراني والسعودي في الأزمة اليمنية أقوى منه في الأزمة السورية. كما أن انعدام الثقة بين الأطراف الداخلية الموالية لكل من المحورين، والتنافس بين بعض الأطراف الموالية للمحور السعودي يعادلان في قوتهما التأثير السلبي لإصرار نظام بشار الأسد على تسوية يصعب التوصل إلى مثلها.

ولذلك، تظل الطريق إلى حل سياسي في اليمن مزدحمة بالعقبات المانعة لإحراز تقدم سريع حتى عندما يتعلق الأمر بتسوية جزئية في عام 2019 شرطا للشروع في عملية بناء ثقة طويلة المدى، لا بديل عنها لمواجهة العراقيل التي تعترض السير في طريق تؤدي إلى حل الأزمة في وقت ما. وكذلك الحال بالنسبة للأزمة الليبية، حيث أعادت تفاعلات 2018 تأكيد أن الهوية الشاسعة بين الأطراف الداخلية للأزمة الليبية تتوسع، وأن انعدام الثقة بينها، وتأثير تحالفاتها الإقليمية، يجعلان وضعها على طريق تؤدي إلى حل سلمي بالغ الصعوبة في عام 2019.

أضف إلى ذلك، تتعرض مهام مبعوثي الأمم المتحدة في بؤر الصراعات، الليبية والسورية واليمنية، الرامية لإجراء مفاوضات بين الأطراف المباشرة لتلك الصراعات، لجملة من العقبات، تتمثل في سيولة تلك الصراعات، وتبدل التحالفات المحلية والإقليمية، والانقسام داخل النخبة السياسية، والخلافات بين الرموز السياسية والعسكرية، ووجود قوات عسكرية لدول أخرى، وجماعات مسلحة غير نظامية، ومنظمات إرهابية عابرة للحدود، وهو ما يجعل الأفكار والمبادرات التي يطرحها كل مبعوث لا تسير على النحو المنشود، إلا في وجود ضغوط دولية على الأطراف العربية.

مواجهات متقاطعة

3- احتمالات التصعيد ونشوب حرب إقليمية، هناك احتماليين رئيسيين إما أن تدخل الأزمات العربية الساخنة في مرحلة جمود تنطوي بطابعها على تهدئة نسبية، كما حدث في سوريا عام 2018. وإما أن يحدث تصعيد عسكري أو تزداد حدته. ولعل المثال البارز على الاحتمال الثاني، مسار الصراع الإسرائيلي الإيراني في سوريا، الذي توسع منذ عام 2016، عبر تبني إسرائيل سياسة "ضرب التموضع الإيراني في سوريا"، واستهدافها مواقع تقول إنها تمثل تهديدا إيرانيا لأمنها (مخازن أسلحة، ومصانع لتطويرها، وقوافل تحملها إلى لبنان).

ولم يكن احتمال نشوب حرب مباشرة على خلفيات الهجمات الإسرائيلية في سوريا واردا عام 2018 بسبب امتناع إيران عن الرد، وعدم رغبة حكومة نياتياهو في خوض اختبار لا يعد سهلا، فضلا عن التوصل إلى تفاهم مع روسيا على إبعاد القوات الموالية لطهران عن الحدود السورية مع إسرائيل، ثم ملابسات أزمة إسقاط الطائرة الروسية في أكتوبر 2018 وانعكاسها على العلاقات بين موسكو وتل أبيب. لكن هذا الاحتمال قد يصبح أقوى عام 2019، إذ اتجه رئيس الأركان، الذي تولى منصبه في مطلعها أفيف كوخافي، إلى توسيع نطاق العمليات في سوريا، وزيادة كثافتها. لكن العامل الأكثر تأثيرا في تقوية احتمال نشوب حرب هو تخلي إيران عن سياسة عدم الرد على الضربات الإسرائيلية.

وقد يدعم احتمال التوصل إلى تفاهم روسي أمريكي إلى إعطاء إسرائيل ضوءا أخضر لشن هجوم عسكري واسع النطاق ضد المواقع التابعة لإيران في سوريا. لكن وزن هذا الاحتمال يتوقف على عاملين: أولهما حسم نخبة الحكم في إسرائيل موقفها بشأن حدود التصعيد ضد إيران. ويبدو أن المزاج السائد لدى قادة المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية في إسرائيل، كما تعكسها مراكز البحث والتفكير، يتسم بعد اليقين بشأن ما يحمله عام 2019، وأن هناك احتمالين يبدو أحدهما مستعدا لخوض هذه المواجهة، فيما يفضل الثاني تجنبها، ويأمل في اجتياز العام بأقل قدر من المواجهات العسكرية. أما العامل الثاني فهو تغيير إيران سياستها الحذرة تجاه الضربات الإسرائيلية باتجاه الرد عليها.

ولذا ربما يكون احتمال نشوب حرب إيرانية إسرائيلية عام 2019 أكبر من أي وقت مضى، دون أن يعني هذا أنه مرجح. ولكن يظل، أكبر من احتمال شن حرب على غزة، في ضوء اتجاه حركة حماس إلى التزام الحذر، وعدم خوض مغامرة مكلفة جديدة، وإعطاء أولوية للسعي إلى تفاهمات غير مباشرة مع إسرائيل تتيح لها إحكام سيطرتها على القطاع، والتطلع إلى حلول جزئية لبعض مشاكله المتفاقمة.

كما أن احتمال إعلان إدارة ترامب، خلال عام 2019، مبادرتها لمنتظرة بشأن حل  الصراع الفلسطيني، والمعروفة إعلاميا باسم "صفقة القرن"، قد يغري حركة حماس بتفضيل مواصلة السعي إلى التهدئة، وانتظار تفاقم مأزق السلطة وحركة فتح في حال تقديم واشنطن مبادرتها السلمية. ومن المرجح أن تسعى حماس إلى استثمار مأزق السلطة، بعد أن طغى الصراع الداخلي في الساحة الفلسطينية على الصراع ضد إسرائيل.

لكن احتمال شن حرب على قطاع غزة قد يزداد إذا وجدت حكومة تصريف الأعمال، أو الحكومة التي ستشكل عقب انتخابات الكنيست في ابريل 2019، في هذه الحرب مهربا من المبادرة الأمريكية، إذا لم تستطع تنقيتها من أي تنازلات تطلب منها، مهما تكون صغيرة. فقد تفضل، توتير الأوضاع لكي لا تضطر إلى إعلان عدم قبول المبادرة الأمريكية، أي الهروب إلى الأمام عبر القيام بعمل عسكري ضد القطاع لأنه الأقل كلفة بالنسبة إليها من هجوم شامل في سوريا قد يؤدي إلى حرب ضد إيران.

هذا فضلا عن تصاعد حملة الولايات المتحدة ضد إيران، على نحو قد يتقاطع مع ازدياد احتمال مواجهة عسكرية بين طهران وتل أبيب، ويخلق تفاعلات إقليمية جديدة، أو يغير بعض أنماط هذه التفاعلات، ويؤثر بالتالي في مسار الأزمات في الدول العربية الثلاث، إضافة إلى الأزمة القطرية التي ستطول لأعوام مقبلة، على الأرجح، ما لم يحدث تحولات في مواقف دول المقاطعة الخليجية، ومعها مصر تجاه الأزمة، أو استجابة الدوحة لمطالب دول المقاطعة، أو حدوث تغير في هيكل وتوجه النظام القطري. وربما يؤدي تصاعد الحرب الأمريكية ضد إيران أيضا، إلى تفجير أزمات جديدة في المنطقة التي تختزن الكثير من الصراعات الكامنة، ولم تتوفر بعد مقومات استمرار الأوضاع فيها.

الإرهاب "الجوال"

4- بقاء خطر داهم للتنظيمات الإرهابية على الاستقرار الإقليمي، حيث تشير تفاعلات 2018 إلى أن خطر الإرهاب لايزال مهددا للأمن الدولي والاستقرار في الشرق الأوسط، على الرغم من الخسائر الميدانية التي تعرض لها أقوى التنظيمات في السنوات القليلة الماضية، وهو تنظيم داعش. فخطر إنشاء نموذج دولة الخلافة لم يعد قائما، غير أن التنظيم والفكرة لازالا موجودين، لاسيما في المناطق المتاخمة للحدود بين العراق وسوريا، فضلا عن محاولة فروع التنظيم البحث عن مناطق استيطان جديدة، في الوقت الذي تظهر مؤشرات على ثقل جديد لتنظيم القاعدة في مناطق مختلفة. هذا بخلاف ظهور أنماط للإرهاب بلا قيادة، والإرهاب العائلي.

وثمة مجموعة من التحديات التي تؤدي إلى ازدياد خطر التنظيمات الإرهابية في عام 2019، ومنها ظهور التنظيمات الهجين، والتي تنشأ بفعل انتقال عناصر من أحد التنظيمات إلى تنظيم أخر، سواء لأسباب شخصية أو عقائدية أو اضطرارية. وكذلك صعوبة الحصول على معلومات استباقية، وتداخل الدوافع المحلية مع الأسباب العالمية، وتزايد وتضارب مصالح الدول في دعم التنظيمات الإرهابية.

تهجين الأمن

5- تعقيدات إعادة بناء الجيوش النظامية في دول الصراعات العربية، أي في كل من سوريا، والعراق، واليمن، وليبيا، منها ضعف هياكل الجيوش النظامية، والولاءات التحتية للجيوش، واستمرار دور الميلشيات المسلحة، وكثرة الهياكل الأمنية المستحدثة، وأهمية العامل الخارجي في بناء الجيش، وهو ما يعرقل حسم تلك الصراعات بشكل ميداني، وبلور ما يطلق عليه "الأمن المهجن". ويبقى الشرط الأكثر أهمية هو التزام أطراف الصراع أنفسهم بما يتوصلون إليه. ويتوقع استمرار عرقلة إعادة بناء تلك الجيوش في العام 2019 للصراع على السيادة المقيدة.

التفاعل النشط

6- اشتباك السياسة المصرية تجاه الأزمات العربية، بدرجات متفاوتة وعبر آليات متعددة، بالاستناد على عدد من الركائز منها الحفاظ على الدولة الوطنية ومؤسساتها الشرعية، ومراعاة اعتبارات الأمن القومي العربي والأمن المصري، ورفض الحلول العسكرية والتدخلات الخارجية، ودعم الجهود الأممية الساعية إلى تحقيق تسويات سياسية سلمية، وفقا للمرجعيات الدولية، والمشاركة قدر الإمكان في تقديم الدعم الإنساني للنازحين في مناطق الصراعات، وتقديم التسهيلات للقادمين من بلدان الأزمات للإقامة في مصر إلى حين انتهاء توافر ظروف العودة لبلدانهم مرة أخرى، ورفض مبدأ إقامة معسكرات خاصة بهم على الأراضي المصرية، حيث تحرص مصر إلى عدم الوقوع في استقطاب سياسي يفرض قيودا، أو يحول دون الالتزام بقدر من الحياد الإيجابي الداعم للتواصل مع الأطراف كافة ذات الصلة بالأزمة، وهو ما سوف تلتزم به مصر في تفاعلاتها الإقليمية والدولية لأعوام مقبلة وليس عام 2019 فقط.         

طباعة
د. محمد عز العرب

خبير النظم السياسية والشئون الخليجية بوحدة الدراسات العربية والإقليمية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية