عروض

"صفقة القرن".. الغموض غير البناء - عرض العدد 293- كراسات استراتيجية

شروق صابر * 2215 3-3-2019
طباعة

يناقش العدد 293 من سلسلة "كراسات استراتيجية"، والذي كتبه الأستاذ/ سعيد عكاشة، الباحث المشارك بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، ما عرف إعلاميا بـ"صفقة القرن". وتناولت الدراسة موضوعها من خلال عدد من المحاور، نعرضها فيما يلي. 

أولاً: عقيدة ترامب

بين القسم الأول من الدراسة العقلية التي تحكم إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومنطلقات سياساته العامة. وقد رأى مؤلف الدراسة أنه من خلال قراءة شخصية ترامب عبر ما اتخذه من قرارات منذ وصوله إلى السلطة، يمكن القول إنه على خلاف كل أسلافه في البيت الأبيض لا يميل إلى آلية الوساطة والتفاوض طويلة الأمد، سواء مع المناوئين أو الأصدقاء. فخلافًا لآلية التفاوض negotiations أو الوساطة mediation يميل ترامب إلى آلية الصفقات deals التي تتسق مع خبراته الشخصية كرجل أعمال، وكسياسي مستقل يشك في قدرات ونزاهة المؤسسات الحكومية بما في ذلك أجهزة الاستخبارات. مؤكدا في الوقت نفسه إن أسلوب العمل عبر عقد "الصفقات" ليس آلية تنفي التفاوض كلية، ولكنها تجعله (أي التفاوض) وسيلة استكشافية للخطوط الحمراء لدى طرفي الصفقة، والتي لا يمكن تخطيها إذا ما أريد للصفقة أن تنجح.

ولعل القرارات التي اتخذها ترامب والتي كانت تمس بشكل مباشر الفلسطينيين، بداية من الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، مرورًا بقرار إغلاق المفوضية التابعة للسلطة الفلسطينية في نيويورك، وانتهاء بوقف الدعم الأمريكي لبرنامج الأنروا، قد زادت من شكوك المراقبين والمحللين حول وجود صفقة يمكن أن يتم عقدها بين الفلسطينيين والإسرائيليين بوساطة أمريكية، إذ كيف يتسق زعم ترامب بأن الصفقة التي يجهز لها سيجد كل طرف فيها جانبًا من مصلحته، في الوقت الذي تعني فيه القرارات الثلاثة الآنفة الذكر حرمان الفلسطينيين من حقوق جوهرية كان يُعتقد بأنها باتت مستقرة ومدعومة قانونيًا بالشرعية الدولية مثل حقوق اللاجئين الفلسطينيين. في مقابل ذلك كان بالإمكان تفسير القرارات على أنها تمهيد ضروري للصفقة المنتظرة، يتجاوب مع قناعة ترامب بأن الصفقات في عالم السياسة وفي العلاقات بين الدول لا علاقة لها بالتاريخ أو الثقافة أو الشرعية القانونية، بل تبنى على حجم قوة كل طرف من الأطراف الداخلة في عقد الصفقة. ويحدد حجم القوة هذا: ما يمكن أن يحصل عليه كل طرف من مطالبه، ولكن على الطرف الذي سيرفض الصفقة أن يبرهن على أنه كان يمتلك بديلاً أفضل، وأن يكون قادرًا على تحمل ثمن الرفض سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.

ثانيًا: الصورة المتخيلة لصفقة القرن

قدم القسم الثاني من الدراسة تصورًا لما يمكن أن تحتويه الصفقة من بنود، والتي من بينها (للفلسطينيين الحق في إقامة دولة خاصة بهم- على الفلسطينيين الاعتراف بإسرائيل كدولة للشعب اليهودي- وما يعنيه ذلك من اعتراف صريح بأن لليهود حقًا تاريخيًا وطبيعيًا في جزء من أرض فلسطين- لا عودة للاجئين الفلسطينيين إلى دولة إسرائيل- يتم إخراج الأحياء العربية في القدس من حدود المدينة وربطها عبر أنفاق بمنطقة "أبو ديس" المتاخمة واعتبار المدينة "المُخلفة" هي القدس الشرقية...).

ويرى الباحث أن ترامب وفريقه يعولون في نجاح تلك الصفقة على عناصر عديدة، من بينها، الفشل الذي ألحق بالفلسطينيين جراء الفشل في تحقيق آمالهم عبر المفاوضات، وانشغال مصر والأردن ومعهما السعودية والإمارات بأوضاعهم الداخلية، والتحديات التي تفرضها إيران وتركيا عليهم عبر الدعم الذي تقدمانه للجماعات التي تستهدف مجتمعاتهم ونظمهم الحاكمة. وفي المقابل فإن إسرائيل التي يحكمها اليمين المتشدد بقيادة ناتانياهو، لن تكون قادرة على رفض الصفقة، سواء لأنها لا تريد أن تفقد ثقة ترامب الذي يصفه ناتانياهو بأنه أخلص الرؤساء الأمريكيين لإسرائيل أو لأنها تخشى تحرك منظمات وحركات عديدة تنكر الأساس الأخلاقي لإسرائيل وسياساتها، بالإضافة إلى أن احتمال تمكن الديمقراطيين من البيت الأبيض في عام 2010- وذلك بعد تمكنهم من الحصول على الأغلبية في مجلس النواب في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر-2018 هو ما سيدفع المتخوفين في الجانب العربي من صفقة القرن إلى انتهاج طريق رفض الصفقة بأقل قدر من استفزاز إدارة ترامب بسبب تخوفهم من أن يؤثر فشل الصفقة على فرص ترامب للبقاء في البيت الأبيض لولاية ثانية، فعودة الديمقراطيين للبيت الأبيض ستكون سيئة لناتانياهو وللعرب في آن واحد.

ثالثًا: ردود الفعل الإسرائيلية والفلسطينية على الصفقة المنتظرة

عرض القسم الثالث من الدراسة ردود الفعل المحتملة على الصفقة من جانب طرفي الصراع الأساسيين: إسرائيل والفلسطينيين، والتي يمكن فهمها من خلال تطورين مهمين حدثا قبل نهاية العام 2018 أثارا تساؤلات حول مصير الخطة أو الصفقة، هما قيام رئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن بحل المجلس التشريعي الفلسطيني والدعوة لانتخابات جديدة في غضون ستة أشهر، تلاه إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين ناتانياهو حل الكنيست تمهيدًا لإجراء انتخابات مبكرة في شهر أبريل 2019. ومن ثم، أصبح الطرفان الأساسيان اللذان ستتوجه إليهما الصفقة أو الخطة أصحاب سلطات انتقالية (لم يعد يمكن وصفها بأنها سلطات منتخبة). ولا يعرف على وجه اليقين هل تعمد كل من أبو مازن وناتانياهو حل المؤسسات التشريعية في هذا التوقيت لإجبار الولايات المتحدة على تأجيل طرحها مشروعها للتسوية على أساس عدم وجود سلطة لها شرعية وتحظى بتأييد برلمان من المحتم أن تُطرح أمامه الخطة لرفضها أو تمريرها، أم أن الأوضاع الداخلية في السلطة وفي إسرائيل دفعت في اتجاه الانتخابات المبكرة؟.

ويوضح الباحث أن الأمر يبدو مفهومًا حول أسباب إرادة الطرفان عرقلة الخطة، أو على أقل تقدير تأخير الإعلان عنها؛ فالجانب الفلسطيني يعتقد جازمًا أن الخطة ستدمر الحقوق الثابتة للفلسطينيين، سواء القدس الشرقية أو موضوع اللاجئين، ناهيك عن أن الحصول على دولة معترف بها ولكنها منزوعة السلاح وفاقدة للسيادة الفعلية على ما يقرب من نصف مساحتها لا يعد أمرًا مغريًا حتى لأكثر التيارات اعتدالاً داخل الوسط الفلسطيني. على الجانب الآخر فإن إسرائيل التي يحكمها تحالف يميني متشدد ليست مستعدة لقبول حل الدولتين، ولن تقبل أحزاب عديدة داخل هذه الجبهة أي حل يؤدي إلى ظهور دولة فلسطينية مهما كان شكلها ومهما كان حدود سيادتها.

رابعًا: موقف الدول العربية

ناقش القسم الرابع من الدراسة موقف الدول القريبة من الصراع والمناط بها أدوار محددة لإنجاحها، وتحديدًا مصر والمملكة العربية السعودية، والمملكة الأردنية الهاشمية، ولبنان، ففضلاً عن صعوبة اعتبار أي منها مرحبًا بالصفقة، لكن الواضح أن هذه المواقف غير موحدة، إما بسبب وجود دول سوف يصيبها أضرار كبيرة من تمرير هذه الصفقة، مثل الأردن ولبنان اللتين تخشيان من تداعيات الصفقة على قضية توطين اللاجئين الفلسطينيين داخلها، أو بسبب التنافس الأيديولوحي، مثلما تفعل قطر التي تتبنى مشروع جماعة الإخوان المسلمين، أو على القضية الفلسطينية ذاتها بتحويلها إلى قضية حكم ذاتي بدلاً من إقامة دولة مستقلة ذات سيادة، وإما بسبب إدراك دول كبرى ومؤثرة، مثل مصر والسعودية، بخطورة تحمل الاتهامات بأنها وقفت خلف حل يخل بالثوابت العربية، ولا يمكن للفلسطينيين أن يقبلوه.

خامسًا: موقف القوى الإقليمية غير العربية: إيران وتركيا

تناول القسم الخامس من الدراسة مواقف القوى الإقليمية الطامحة لتوسيع أدوارها في المنطقة، عبر الانخراط في/ أو إقحام نفسها في محاولات حل الصراع العربي- الإسرائيلي، وتحديدًا تركيا وإيران. ورأى الباحث أن إيران سوف تقف بقوة ضد "صفقة القرن" كونها ستكون –أيًا كان محتواها- ضد مصالحها وطموحاتها. وبالفعل لم يدخر المسئولون الإيرانيون جهدهم لما بعد طرح الصفقة، حيث بادروا بالإعلان عن رفضها مقدمًا.

كما أشار الباحث إلى أن تركيا سوف تتعامل مع "صفقة القرن"، بأسلوب البحث في الوسائل التي تمكنها من الحصول على مكاسب حتى لو كانت على حساب الفلسطينيين مقابل عدم مشاركتها في إفساد صفقة لا تتضمن دورًا واضحًا لتركيا فيها. وبالتالي فإن الأمر الواضح أنه أنها ستنتظر حتى تعرف كيف تفسد الصفقة إذا ما كانت في غير صالحها وكانت تصب في اتجاه تأكيد هيمنة الغرب على القضية الفلسطينية وإبعاد تركيا عنها.

سادسًا: موقف القوى الكبرى.. روسيا والاتحاد الأوروبي

 تناول القسم السادس والأخير من الدراسة، موقف القوى الدولية التي لعبت أدوارًا تاريخية في محاولات إيجاد حل للصراع، لما له من تأثير على أمنها ومصالحها، وتحديدًا روسيا، والاتحاد الأوروبي، وقد أشار الباحث إلى أن الاتحاد الأوروبي وروسيا سوف يتخذان موقف: ننتظر ونرى رد فعل الفلسطينيين وإسرائيل ومصر والسعودية لرسم خريطة التعامل معها سلبًا وإيجابًا، فموقف الاتحاد الأوروبي يقترب من الموقف الروسي في التعامل الحذر مع مشروع الصفقة الأمريكية، ولكن على خلاف روسيا يبدو الاتحاد الأوروبي غير مستعد للمساومة في ملفات أخرى.

وفي نهاية الدراسة أكد الباحث أن طرح "صفقة القرن" في بدايات عام 2019 قد يدفع جميع الأطراف المشتبكة في النزاع الفلسطيني الإسرائيلي نحو أزمة عميقة في علاقاتها بواشنطن، لكن ترامب سيكون – من جانب- هو الوحيد الفائز بتأكيده على مصداقية وعوده، وهي رسالة للداخل الأمريكي. ومن جانب آخر، تحميل كل أطراف النزاع المباشرة وغير المباشرة دفع تكلفة فشل صفقته، وإجبارهم على تحمل تبعات هذا الفشل، انتظارًا لعودتهم مجددًا لطلب العون الأمريكي حال تدهور الوضع الأمني بين الفلسطينيين وإسرائيل، كإقرار مؤكد من الجميع بأنه بدون واشنطن لن يكون هناك حل للقضية الفلسطينية، ولن يكون هناك استقرار في الشرق الأوسط.

طباعة
شروق صابر

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية