أخبار وأنشطة

ورشة عمل "رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي"

طباعة

بمناسبة صدور العدد الأخير من دورية بدائل والذي تناول رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي، نظمت أسرة تحرير دورية بدائل ورشة عمل بعنوان "رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي"، وذلكيوم الأربعاء الموافق 6 فبراير 2019 بقاعة السيد ياسين بمقر مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.

وقد افتتحت الورشة الدكتورة أماني الطويل، مساعد مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، بالحديث عن أهمية مؤسسة الاتحاد الإفريقي وضرورة إصلاحها، حيث أشارت إلى الاهتمام المصري الراهن بالقارة الإفريقية للتعويض عن الانقطاع الذي أسفر عن خسائر مختلفة. وأكدت الدكتورة أماني ضرورة وجود رؤى استباقية إزاء أوضاع القارة الإفريقية فيما يتعلق بمصالحنا الوطنية؛ باعتبار أن أحد أهم أسباب إهدار الفرص منذ القرن العشرين هو عدم وجود رؤى استباقية لطبيعة تطور ونمو وتفاعلات القارة الإفريقية، وخاصة في إقليم حوض النيل. كما عبرت عن أهمية التنمية الاقتصادية بالقارة، والنظر لنموذج سد "ستيجلر جورج" بتنزانيا، الذي يتم تنفيذه في إطار شراكة بين القطاعين العام والخاص المصري وتمويل بنك التنمية الإفريقي، وهو نموذج يدمج بين مصالح النخبة السياسية والمواطنين، لذا فنموذج بناء المصالح على الأرض هو نموذج فعال ومؤثر في السياسات العامة ومتفاعل مع رجل الشارع العادي. وقد أشارت أيضا لوجود فرص عدة للتواجد في إفريقيا تتمثل في الشراكة مع القطاع المصرفي الإفريقي، والصناديق الاستثمارية الخليجية.

وتولت الحديث لاحقا الدكتورة إيمان رجب،الخبير في الأمن الإقليمي ورئيس تحرير دورية بدائل، حيث أشارت إلى حرص مركز الأهرام للتركيز على القضايا الإفريقية خلال ذلك العام لخدمة صناع القرار بمصر. وأكدت على رغبتها في تحويل الدراسة الصادرة عن دورية بدائل لنقاش مثمر يضم كافة الرؤى والتوجهات، والفرص، والتحديات، لإدراجها في أولويات مصر أثناء رئاستها للاتحاد الإفريقي، وهو ما انعكس في نوعية الحضور الموجود والذي جمع بين خبراء وأكاديميين وصحفيين وصانعي قرار.


 

قضايا مقترحة لوضعها على أجندة مصر أثناء رئاستها للاتحاد

ناقشت الدكتورة أميرة عبد الحليم، الخبير في الشئون الإفريقية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القضايا التي ستستطيع مصر من خلالها أن تقدم ميزة نسبية للقارة الإفريقية، وذلك من خلال تعاونها مع الدول الإفريقية الأخرى. وأشارت لضرورة الموازنة بين التطورات والطموحات الإفريقية من جانب، وبين الإمكانيات المصرية من جانب آخر، وقد تمثلت هذه القضايا فيما يلي.

1- قضايا تسوية الصراعات: أوضحت الدكتورة أميرة أن القارة الإفريقية عانت خلال العقود الثلاث الأخيرة من صراعات حادة، وكان أغلبها صراعات داخلية أفضت إلى أزمات وتداعيات خطيرة على التنمية والاستقرار داخل القارة. لذا تُعد مسألة إدارة ومنع وتسوية الصراع مسألة ذات أهمية كبيرة بالنسبة للاتحاد الإفريقي. وأشارت لأربعة صراعات حادة ينبغي أن تضطلع بها مصر في الفترة المقبلة وهي: جنوب السودان والصومال والكونغو الديمقراطية وإفريقيا الوسطى.

2- مكافحة الإرهاب: أشارت دكتورة أميرة إلى تحول منطقة الساحل والصحراء لمركز للتهديدات الإرهابية، ما أثر على التنمية والاستقرار بتلك المنطقة، وأدى لتدخلات إقليمية ودولية غير محمودة. وأوضحت دكتورة أميرة أن مصر منذ عام 2014 بدأت في تدعيم قدرات دول الساحل الإفريقي، وساهمت في إنشاء مركز إقليمي لمكافحة الإرهاب بتجمع الساحل والصحراء في القاهرة، بيونيو 2018. كما كان هناك دور قوي للأزهر في مكافحة الإرهاب داخل المنطقة.

3- مراجعة منظومة السلم والأمن: أوضحت دكتورة أميرة أن منظومة السلم والأمن في أفريقيا قد نشأت في ظل مناخ من الصراعات والحروب الأهلية بالقارة. وفي ظل التطورات الراهنة ببيئة الأمن الإفريقية، ترى دكتورة أميرة أن المنظومة بحاجة لمراجعة، وخبرات بالمجال الأمني والمجال العسكري، لإعادة هيكلتها، وهو ما يؤهل مصر لطرح مبادرة لتطوير تلك المنظومة، بالتعاون مع التشكيلات الأمنية الجديدة التي ينشئها الاتحاد الإفريقي لمكافحة الإرهاب.

4- حماية اللاجئين والنازحين: أشارت دكتورة أميرة إلى أن قمة نواكشوط الأخيرة بيونيو- يوليو 2018، قد أقرت أن عام 2019 هو عام النازحين واللاجئين والمشردين داخل الاتحاد الإفريقي، وهذا بدوره يلقي عبئا كبيرا على مصر خلال فترة توليها رئاسة الاتحاد، خاصة أن القارة الإفريقية تشهد أعلى مستوى نزوح بالعالم، فيوجد نحو 15 ألف نازح يوميا داخل الدول الإفريقية، لذا لابد من معالجة مسألة التهجير القسري والنزوح بالقارة، مع تقديم رؤية مصرية لمعالجة هذه الأزمة.

5- الدعم الاقتصادي والتنموي: أشارت دكتورة أميرة إلى أن نحو 600 مليون شخص بإفريقيا لا يتمتعون بخدمة الطرق المعبدة ولا المياه النظيفة، وبالتالي فهناك مشكلة كبرى تتعلق بالبنية التحتية الإفريقية، وهو ما يجب العمل عليه من جانب مصر؛ فهناك قوى خارجية قد استطاعت أن تحرز تقدما في ذلك المجال كالصين، والتي حدث تقارب بينها وبين مصر بالآونة الأخيرة، وهو ما يمكن التعويل عليه وتطويعه لخدمة البنية التحتية الإفريقية.

6- مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات: أوضحت دكتورة أميرةأن مصر تحتل مركزا متقدما في هذا المجال داخل إفريقيا، ومن ثم يمكن نقل التجربة المصرية لدول القارة.

7- الإصلاح المؤسسي والمالي في إفريقيا: أشارت دكتورة أميرة إلى أن هناك مشكلة كبيرة منذ نشأة الاتحاد الإفريقي تتعلق بميزانية الاتحاد، فأكثر من 70% من ميزانية الاتحاد تأتي من خارج القارة. وقد طُرحت بعض الرؤى لإصلاح الوضع المالي بالاتحاد، تحقق بعضها على أرض الواقع، حيث انخفض حجم المساعدات الخارجية إلى ما يقرب من 12% في ميزانية الاتحاد الإفريقي بعام 2019.

8- دعم الشباب: وتأتي أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه مصر في هذا المجال في ضوء خبرتها الكبيرة في هذا المجال، خاصة بعد استحداث الأكاديمية الوطنية لتدريب وتأهيل الشباب. وقد كان هناك ترحيب من بعض القيادات السياسية الأفريقية بإلحاق بعض الشباب الأفارقة بالأكاديمية لتأهيلهم وتدريبهم.

9- دعم القضايا الإفريقية بالمنظمات الدولية: ففي أكثر من مناسبة تم الإشادة بدور مصر في دعم قدرات الساحل الإفريقي، كما أن مصر لديها ثقل دولي يمكن استغلاله لدعم الدول الإفريقية.

واختتمت دكتورة أميرة حديثها في هذا الجزء بالتأكيد على أن عاما واحدا غير كاف لتحقيق كل هذه الطموحات، لكنه كفيل بتثبيت الدور المصري في إفريقيا.

الفرص المتاحة أمام مصر لتنشيط دورها داخل الاتحاد الإفريقي

انتقل الحديث بعد ذلك إلى السيد وزير الخارجية الأسبق محمد العرابي، والذي بدأ حديثه بتشبيه إفريقيا بالجسد المليء بالطعنات الخارجية، سواء من الصين أو الولايات المتحدة الأمريكية أو فرنسا، مشيرا إلى تغير الرؤى الدولية إزاء إفريقيا باعتبارها أرض "الفرص الموعودة"، ضاربا المثال بالرئيس الأمريكي ترامب الذي خالف التوقعات المتعلقة بالإهمال الأمريكي لإفريقيا، حينما أعلن في ديسمبر 2018 عن اهتمامه الكبير بالقارة، سواء من الناحية العسكرية أو مكافحة الإرهاب أو من ناحية التنمية والاستثمار، ومن ثم فهناك تدخلات كثيفة بالقارة، وهو ما يمثل تحدي كبير لمصر. وأشار العرابي إلى ضرورة الموازنة بين الطموحات والإمكانيات، فلا ينبغي رفع سقف الطموحات بصورة لا تتلاءم مع القدرات المصرية المتاحة في الوقت الحالي، مؤكدا أن هناك تحرك مصري محمود إزاء القارة، مثالها اللجنة التي اجتمعت بسيادة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في 4 فبراير 2019، والتي ضمت وزراء النقل والثقافة والتعليم العالي والشباب والرياضة، ما يعكس وجود رؤية مصرية شاملة لاقتحام المشهد الإفريقي أثناء رئاستها للاتحاد الإفريقي.

ويرى العرابي أن القضايا التنموية والاقتصادية لابد من وضعها في مقدمة الاهتمامات المصرية، فالبنية التحتية الضعيفة تعد أحد أسباب غياب التعاون التجاري بين الدول الإفريقية. وأشار إلى دور الدكتور الراحل بطرس غالي في فترة الثمانينات، باعتباره أول من تحدث عن فكرة الربط الكهربائي بين مصر والسودان وإثيوبيا. علاوة على ما سبق، أكد السفير العرابي على ضرورة دراسة الأمن القومي المصري وعلاقته بالقارة الأفريقية، خاصة منطقة حوض النيل والقرن الإفريقي، بالإضافة إلى مسألة الإرهاب في ظل انتشار العديد من التنظيمات الإرهابية بدول القارة، وتحول منطقة القرن الإفريقي إلى نقطة جاذبة للقواعد العسكرية الأجنبية.

وقد ثمن السفير العرابي اللجنة التي شكلها الرئيس السيسي مؤخرا، لبحث المقاربة المصرية القادمة في ظل رئاستها للاتحاد الإفريقي، والتي تعكس وجود رؤية مستقبلية سليمة لمصر تجاه إفريقيا، ورغبة في التغلب على الفجوة المفاهيمية بين مصر وإفريقيا، مؤكدا على ضرورة إسهام مراكز الأبحاث ومعاهد التدريب المصرية في تلك الخطوات لفتح باب أوسع للحوار.

وفيما يتعلق بمحور التنمية البشرية، فقد أشار السفير العرابي إلى أنه لابد أن يكون أن يكون هذا المحور أساسيا، فمصر كانت رائدة في تلك النقطة على مر العقود، وهو ما يعد قوة ناعمة لابد من استخدامها في إفريقيا، مضيفا لضرورة فتح المعاهد العسكرية والدبلوماسية والتعليمية المصرية لاستضافة وتدريب الأفارقة، كما حدث في أكاديمية ناصر العسكرية، وقد ضرب مثالا بمبادرة قامت بها وزارة الشباب والرياضة حينما قامت بافتتاح المدرسة الصيفية الإفريقية والتي استمرت لمدة أسبوعين متتاليين، لبناء جسور من التواصل بين الشباب الأفارقة.

تحديات تنشيط الدور المصري داخل الاتحاد الإفريقي

تناول السيد العميد الدكتور أحمد القاضي، مستشار مركز الدراسات الاستراتيجية للقوات المسلحة للشئون الإفريقية، تحديات تنشيط الدور المصري داخل الاتحاد الإفريقي، وحصر هذه التحديات فيما يلي:

1- تعزيز الإصلاح المؤسسي والمالي في الاتحاد الإفريقي: أشار د. القاضي هنا إلى مجموعة من العوامل التي قد تؤثر على الأداء المصري بهذا المجال، والتي تتمثل في: محدودية القدرات المالية للاتحاد الإفريقي، وإشكالية "لا مركزية" الاتحاد، والتي من شأنها أن تؤهل دول القارة للقيام بدور أكثر فعالية، فضلا عن وضع كافة الصلاحيات لرئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي بصورة تمكنه من متابعة أداء الدول الإفريقية في تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه من قرارات، علاوة على كثرة مؤسسات الاتحاد الإفريقي والمتأثرة بالاتحاد الأوروبي بشكل لا يتلاءم مع طبيعة دول القارة الإفريقية.

2- في المجال السياسي: أوضح د. القاضي أن التحديات المتعلقة بالمجال السياسي تتمثل في: التنافس بين الدول داخل الاتحاد للحصول على مكانة متميزة، ما قد يؤثر على الدور المصري بالقارة، فضلا عن التغلغل الإسرائيلي داخل القارة خاصة داخل دول الجوار، إضافة إلى التنافس الإقليمي من قبل بعض الدول مثل تركيا وإيران والتي تمتلك قدرات اقتصادية ومالية تؤهلها للقيام بدور فاعل داخل القارة، الأمر الذي يتضارب مع المصالح المصرية، وصعوبة التوصل إلى القرارات الجماعية حيال بعض القضايا المصيرية المثارة داخل الاتحاد الإفريقي، نظرا لزيادة تدخل بعض القوى الدولية، وهو ما يحتم على مصر التركيز على سياسات التوافق مع القوى الدولية ذات المصالح بالقارة، ومنها فرنسا وبريطانيا وإيطاليا والولايات المتحدة، إلى جانب بناء شبكة سياسية من الحلفاء الأفارقة لدعم الأجندة المصرية بالاتحاد الإفريقي.

3- في المجال الاقتصادي: أشار د. القاضي هنا إلى ضرورة الإسراع بدخول اتفاقية التجارة الحرة القارية حيز النفاذ، ما يضمن دخول البضائع المصرية لأسواق القارة دون جمارك. وانطلاقا من أجندة الاتحاد الإفريقي 2063 حول ربط دول إفريقيا من خلال بنية تحتية ذات مستوى عالمي، يأتي تحدي الأجندة المصرية لإنجاز التنسيق المؤسسي لتنفيذ مشروعات البنية التحتية في قطاعات تكنولوجيا المعلومات والطاقة والنقل ومن أهمها الطريق البري الذي يربط بين مصر وجنوب إفريقيا، علاوة على الأخذ في الاعتبار الآثار السلبية الناجمة عن الاستعمار، والتي خلفت زيادة تبعية اقتصاد الدول الإفريقية للدول الأوروبية، ما يؤثر على استقلالية اقتصاديات هذه الدول، فضلا عن العمل على توفير فرص عمل كريمة، وتطوير منظومة التصنيع الإفريقية، والمنظومة الزراعية، إلى جانب التوسع في مشروعات الثروة السمكية، وهو ما سيساهم في تحقيق الأمن الغذائي.

4- في المجال العسكري والأمني: لخص د. القاضي التحديات المرتبطة بذلك المجال في: عجز آليات حفظ السلم والأمن في القارة عن تحقيق غاياتها، وعمليات التمرد المسلح التي تشهدها مناطق مختلفة، ما يقوض آليات التنافس السلمي الديمقراطي. كما أشار إلى انتشار ظاهرة القواعد العسكرية الأجنبية خاصة في القرن الإفريقي، وما يصاحبها من رغبة في التأثير على القرارات الإفريقية سياسيا واقتصاديا عبر حزمة من وسائل الإغراء والضغط من قبل اللاعبين الدوليين، علاوة على تحدي التقاطع مع تفاعلات القوى الدولية ومصالحها في القارة، كالتقاطع الذي ظهر حينما تم تأسيس تحالف بين دول مجموعة G5بقيادة فرنسا لمواجهة التهديدات الأمنية بمنطقة الساحل والصحراء، كبديل عن منظومة الدفاع المشترك التي تبنتها مصر باجتماع شرم الشيخ لوزراء الدفاع الأفارقة بمارس عام 2016.

5- في المجال الاجتماعي: لخص د. القاضي التحديات المرتبطة بالمجال الاجتماعي في: وضع رؤية مصرية علمية وعملية للمواجهة الشاملة لأزمة الهجرة واللجوء التي تعاني منها دول إفريقية عديدة، واستغلال رئاسة مصر للاتحاد لمد جسور التواصل الاجتماعي والثقافي من خلال تفعيل أدواتها من "القوة الناعمة"، وعن طريق اتخاذ الهوية الإفريقية مدخلا اجتماعيا وثقافيا، علاوة على التركيز على القضايا الاجتماعية المهمة مثل تمكين المرأة وحرية التنقل واستكمال الإجراءات الخاصة بجواز السفر الإفريقي الموحد.


 

المناقشة العامة

أوضح د. أيمن عبد الوهاب، الخبير في الشئون الأفريقية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، ورئيس تحرير دورية "أحوال مصرية"، أن التحدي الأكبر هو تحدي داخلي بمصر، مؤكدا ضرورة تحديد الهدف المرجو من القارة لتعظيم الفرص المتاحة داخلها، فالفكرة تتمثل في كيفية إدارة التحديات، وكيفية تحمل تكلفة التدخل، حيث هناك ممانعات إفريقية، وتكلفة إفريقية داخلية وخارجية. وأوضح د. عبد الوهاب أن العلاقات العربية الإفريقية أصبحت منافسة للدور المصري داخل القارة من الناحية الاستراتيجية والتجارية، ولذلك من الضروري البحث عن قيمة مضافة تميز الدور المصري داخل إفريقيا في المرحلة القادمة، طارحا مسألة الزمن التي لابد من وضعها في الاعتبار، فنحن نتحدث عن عام رئاسي واحد للاتحاد الإفريقي، ولذلك لابد من وضع رؤى تتناسب مع تلك الفترة الزمنية، إلى جانب قياس الفائدة المرجوة من التدخل المصري في القضايا المختلفة وما ستجنيه جراء ذلك التدخل.

وأشار د. سيد فليفل، الأستاذ بكلية الدراسات الإفريقية العليا، إلى أن القضية ليست في فكرة الزمن التي تتحدد بعام واحد، فطوال عام 2018 ومصر تبذل جهود ضخمة تتمثل في المؤتمرات الشبابية المختلفة والتي تهدف لإعادة القاهرة كقبلة إفريقية، وهو ما تحقق بالفعل. ولذا أكد د. فليفل على ضرورة العمل لتحويل المزايا إلى برامج عمل، كنقل الخبرات المصرية الطبية والتعليمية للدول الإفريقية، مؤكدا أن مسألة إدارة الملف الإفريقي هو أمر مهم، كما أن التحديات المذكورة لا يجب أن تمثل أمرا جلل بالنسبة لمصر، وإنما يجب تحقيق المصالح المصرية في إطار أجندة 2030، وفي إطار برامج القوى الدولية المتطلعة لإفريقيا، ما يجعل مصر مرتبطة بأجندة 2063.

وبناء على ما سبق؛ يؤكد د. فليفل أن عام رئاسة مصر للاتحاد الأفريقي هو فرصة للدولة المصرية، لابد من استغلالها لبناء كوادر إفريقية في المجالات الطبية والتعليمية، كما أن مصر تستطيع أن تحل بعض مشاكلها لو توجهت بالنظر للقارة الإفريقية، مثل مشكلة الأمن الغذائي. ثم انتقل د. فليفل إلى مسألة تمويل الاتحاد، مؤكدا ضرورة الخروج من بوتقة البنك الدولي وقيادة إفريقيا صوب حلفاء جدد، ضاربا المثل بالصين التي أصبحت لاعبا دوليا مهما، يمكن اعتباره فرصة جيدة لتحقيق المصالح المصرية.

وأضاف د. محمود زكريا، المدرس بكلية الدراسات الإفريقية العليا، أن مصر لعبت دورا مؤثرا في قمة منظمة الوحدة الإفريقية بعام 1994، حين تبنت مسألة آلية منع وتسوية الصراعات في إفريقيا، والتي أصبحت جزءا من الهيكل التأسيسي للاتحاد الإفريقي بعد وضع القانون التأسيسي للاتحاد عام 2000. ووفقا لوجهة نظره، فإن القيادة السياسية ستركز على ملفين مهمين أثناء رئاسة الاتحاد الإفريقي، هما: قضية حفظ السلم والأمن في القارة خاصة بمنطقة الساحل والصحراء، وقضية الاندماج والتكامل الإقليمي الاقتصادي.

وأنهي د. زكريا حديثه بالإشارة إلى أن حجم التجارة الإفريقية مع الخارج أكثر من حجم التجارة البينية بين دول القارة، وهي مسألة تجدر النظر إليها، مسترشدا بمؤتمر الاستثمارات الإفريقية الذي عُقد بمصر في يونيو 2018، والذي جاء به أن مصر تملك نحو 10.2 مليار دولار استثمارات مصرية في القارة الإفريقية، والتجارة البينية بين مصر والدول الإفريقية تبلغ 5 مليار دولار مع توقع تضاعفها خلال السنوات المقبلة، وهو ما يعكس وجود تحرك إيجابي مصري تجاه القارة في فترة حكم الرئيس السيسي.

وأشارت د. إيمان رجب إلى أن حجم الأنشطة المصرية التي تحدث بالقارة الإفريقية والتي تتبناها الجهات المسئولة المختلفة بمصر هي بعيدة عن الإعلام وعن مراكز الأبحاث بكافة تفاصيلها، ما يُحدث خللا ذهنيا وفهما خاطئا عن طبيعة الدور المصري في القارة الإفريقية، ويعطي صورة سلبية عنه، لذا فهو أمر يحتاج لمعالجة في إطار توجه الرئيس لوجود استثمارات أكبر داخل القارة الإفريقية، متسائلة عن الآلية التي تستطيع مصر من خلالها التأثير على الدول الإفريقية في ظل وجود أدوات عدة تستخدمها بالفعل داخل القارة، وعن الالتزامات المترتبة على مصر خلال الفترة القادمة. وأضافت أن مصر قد انضمت طوعا لآلية الحوكمة الإفريقية، ما يظهر أن الحكومة المصرية لديها رغبة في الالتزام تجاه القارة الإفريقية، وتساءلت عن الالتزامات الأخرى التي تمثل خطوة إيجابية لمصر خلال الفترة القادمة، وأهميتها في تغيير الصورة الإفريقية عن مصر؟

وتساءلت د. نيرمين توفيق عن أهمية الصومال بالنسبة لمصر، وعن الدور المصري في الصومال في ظل وجود قاعدة عسكرية تركية في المنطقة، مستفسرة عن طبيعة التحركات التي يجب أن تبذلها مصر للقيام بدور فاعل هناك؟ وتساءل الأستاذ رامي زهدي، مسئول العلاقات الإفريقية بمجلس الشباب المصري للتنمية، عن طبيعة الجهة المنسقة لكل الجهود المصرية المبذولة في إفريقيا، والمسئولة عن الترويج والإعلان لما يتم بإفريقيا، مشيرا إلى أن هناك خلل إعلامي على الرغم من تواجد مصري كبير داخل القارة الإفريقية؟ وأكدت الأستاذة فريدة البنداري ضرورة إشراك جميع الجهات الرسمية مع المجتمع المدني ومراكز البحوث والجامعات، مع تحديد المطالب الإفريقية من مصر، حتى يتم تقديمها بصورة ملائمة تدعم الموقف الفاعل لمصر بالقارة الإفريقية.

وأشار الأستاذ مسلم محمد هنيدي إلى أن الدور المصري خلال الفترة 1998 حتى عام 2004 هو دور كبير داخل القارة الإفريقية، ومع ذلك هناك صورة سلبية كبيرة عن هذا الدور، نظرا لغياب الرئيس محمد حسني مبارك عن حضور القمة الإفريقية في تلك الفترة. كما تحدث الأستاذ مسلم عن فكرة هجرة العقول المصرية للخارج وما كان لذلك من آثار سلبية على المصالح المصرية، مضيفا أن لمصر مزايا كبيرة داخل إفريقيا وأدوات كثيرة ينبغي التعويل عليها. وأضافت الأستاذة ريم سليم، رئيس قسم البحوث الاقتصادية بإحدى الشركات، أن مواطن الخلل بالاقتصاد الإفريقي تتمثل في تنازع القوى الدولية الاقتصادية على إفريقيا، وتخلف القطاع الصناعي وقطاع الخدمات المالية، فضلا عن توسع الاقتصاد غير الرسمي بإفريقيا، وبروز اقتصاد التهريب. وأوضحت أن مصر تتميز بعدة قطاعات خدمية وصناعية ومجال ريادة الأعمال والتي من الممكن استغلالها لتعميق العلاقات المصرية الإفريقية.

وأشار د. محمد عبد الكريم إلى ضرورة استغلال فترة رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي لترجمة الوثائق الإفريقية للغة العربية والتي تعد لغة رسمية من لغات الاتحاد، وإبراز مفهوم الهوية الإفريقية بالأجندة الإفريقية، وذلك لأن اللغة العربية مهملة إلى حد ما من جانب الاتحاد وفقا لوجهة نظره.

عقب هذه المداخلات أشارت دكتورة أميرة عبد الحليم إلى أن مصر لم يكن لها دور قوي في القضية الصومالية نظرا لوجود أجندات خارجية كثيرة أعاقت الدور المصري. كما أشارت للدور الكبير الذي قد يلعبه الأزهر للمساعدة في تغيير فكر الجماعات الإرهابية في الدول الإفريقية كما في الصومال، مؤكدة على أن ما تمتلكه مصر من قدرات عسكرية وسياسية ودبلوماسية من الممكن استغلاله لخدمة مصالح القارة الإفريقية، وأنه يجب مساعدة دول القارة في خلق أسواق تجارية وتسويق المنتجات الإفريقية، مع ضرورة طرح أكثر من مبادرة لبناء السلام في القارة الإفريقية.

وفيما يخص القدرة على التأثير أشار السفير محمد العرابي إلى أن أحد معالم غياب القدرة على التأثير المصري في إفريقيا هي انتخابات اليونسكو، حيث صدر قرار في القمة الإفريقية بدعم مصر على اعتبار إنها المرشحة الإفريقية الوحيدة لهذا المنصب، ورغم ذلك لم تلتزم الدول بذلك القرار، وهو أمر جدير بالدراسة، إذ يشير إلى أن الدول الإفريقية الأنجلوفونية أو الفرانكوفونية لا تزال ترتبط بالدول الاستعمارية السابقة، وما زالت شعوب تلك الدول تنظر للدول الاستعمارية باعتبارها مخلصهم الأساسي من المشكلات الداخلية، وهذا ينقلنا لفكرة تغير البيئة الاستراتيجية في المناطق المختلفة، وتغيير التحركات أو الاستراتيجيات المعتادة تجاه الدول.

وفيما يخص مسألة التسويق للخطوات المصرية تجاه إفريقيا؛ فقد أكد د. أحمد القاضي أن الإطار الحالي الموجود والمتمثل في وحدة الشئون الإفريقية بمجلس الوزراء، من الممكن أن يكون حجر الأساس في عملية التسويق الإعلامي ووضع الرؤى المصرية صوب القارة، وسيتم ذلك بامتلاكها متحدثا رسميا ومن ثم القدرة على مخاطبة للرأي العام المحلي والدولي، فضلا عن بنك معلومات يعمل كخريطة استثمارية تفيد رجال الأعمال في توجيه استثماراتهم تجاه الدول الإفريقية، كما ستخدم المستثمرين الأجانب في مصر.

واختتمت د. أماني طويل الورشة بالحديث عن أهمية مراكز الأبحاث في صياغة مبادرات سلام مختلفة، كما يحدث في دول العالم المختلفة.

طباعة
ياسمين أيمن

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية