متابعات تحليلية

كيف أدارت تركيا أزمة إدلب؟

طباعة

شهدت الأزمة السورية تطورات كبيرة خلال عام 2018 أثرت وبشكل مباشر على استراتيجيات الفاعلين الإقليميين والدوليين. أولها، استمرار التفوق العسكري الروسي– السوري في استعادة العديد من مناطق نفوذ المليشيات المسلحة والجماعات المتطرفة. وكان أبرزها استعادة السيطرة على محافظة درعا، والتي تعتبر شرارة الحراك الشعبي عام 2011 وأولى المناطق التي استقلت عن سيطرة النظام السوري. ثانيها، تراجع دور بعض الفاعلين الإقليميين بالأزمة، وهو ما أثر على مسارات الصراع، وظهر بشكل مباشر مع اتفاق "الغوطة الشرقية" الموقع في مارس 2018 والذي يتعلق بخروج مسلحي جماعة "جيش الإسلام" من بلدة دوما بالغوطة. ثالثها، تنامي النفوذ العسكري التركي منذ بداية 2018 عبر عملية "غصن الزيتون" التى بدأت في 20 يناير 2018 ضد قوات "سوريا الديمقراطية" الجناح العسكري للأكراد في الشمال السوري. هذه العملية العسكرية ساعدت على اتساع رقعة السيطرة والنفوذ التركي في الشمال السوري. رابعها، هزيمة تنظيم الدولة الاسلامية "داعش" في العديد من مناطق سيطرته مثل الرقة ودير الزور، وهو ما أثر بشكل مباشر على بنية التنظيم وقدراته العسكرية.

ودفعت تلك التطورات أنقرة إلى إعادة صياغة استراتيجيتها تجاه الأزمة السورية، من خلال تكتيكات ومسارات جديدة للتفاوض مع الجانبين الروسي- السوري والإيراني من ناحية، والأمريكي- الأوروبي من ناحية ثانية. وظهر ذلك في إدارة تركيا لأزمة إدلب، حيث تمكنت من وقف هجوم عسكري كان وشيكاً من قبل التحالف الثلاثي (الروسي– السوري- الإيراني)، وتعزيز مواقع ارتكازها العسكري. هذا النجاح المؤقت -إن صح التعبير- يدفعنا لطرح تساؤل حول أبعاد الاستراتيجية التي اتبعتها تركيا في إدارة أزمة إدلب.

وقد اعتمدت الإدارة التركية على تكتيكات جديدة سواء فى التعامل مع التحالف الروسي- السوري- الإيراني، أو مع الولايات المتحدة وأوروبا، بجانب تحييد بعض الأطراف العربية والإقليمية ذات الصلة بالأزمة.  

أولاً: التفاوض مع الجانب الروسي

سعت الإدارة التركية إلى إعادة صياغة نمط التحالفات الإقليمية والدولية الخاصة بالأزمة السورية بالاتفاق مع الجانبين الروسي والإيراني، عن طريق تطوير آلية التفاهم والحوار والتنسيق بشأن الأبعاد السياسية والعسكرية ذات الصلة بالأزمة السورية، وصولاً إلى اتفاق سياسي وعسكري وأمني أوقف الهجوم العسكري السورى- الروسى على إدلب، حيث اتفق الجانبان الروسي والتركي في 17 سبتمبر 2018 خلال اللقاء الذي جمع الرئيسين أردوجان وبوتين في مدينة سوتشي على خفض التصعيد في إدلب، ووقف أي عمليات عسكرية روسية وسورية محتملة فى محافظة إدلب. وشمل الاتفاق إنشاء منطقة منزوعة السلاح، والاسترشاد بمذكرة إقرار مناطق خفض التصعيد داخل سوريا الموقعة في 4 مايو 2017، والترتيبات التي تحققت في عملية أستانة. وقد نص الاتفاق الموقع، على ما يلي:

1- الإبقاء على منطقة خفض التصعيد في إدلب، وتحصين نقاط المراقبة التركية واستمرارها في عملها، واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان تجنب تنفيذ عمليات عسكرية وهجمات على إدلب، والإبقاء على الوضع القائم.

2- بناء منطقة منزوعة السلاح بعمق 15 – 20 كيلومتراً.

3- إقرار الخطوط المحددة للمنطقة منزوعة السلاح عبر مزيد من المشاورات.

4- التخلص من جميع الجماعات الإرهابية الراديكالية من داخل المنطقة منزوعة السلاح، بحلول 15 أكتوبر.

5- سحب جميع الدبابات وقاذفات الصواريخ المتعددة والمدفعية ومدافع الهاون الخاصة بالأطراف المتقاتلة، من داخل المنطقة منزوعة التسليح، بحلول 10 أكتوبر 2018.

6- قيام القوات المسلحة التركية والشرطة العسكرية الروسية بدوريات منسقة وجهود مراقبة باستخدام طائرات من دون طيار، على امتداد حدود المنطقة منزوعة السلاح، إضافة إلى العمل على ضمان حرية حركة السكان المحليين والبضائع، واستعادة الصلات التجارية والاقتصادية.

7- إعادة فتح الطريقين "إم 4" (حلب– اللاذقية) و"إم 5" (حلب– حماة) بحلول نهاية عام 2018.

8- اتخاذ إجراءات فاعلة لضمان إقرار نظام مستدام لوقف النار داخل منطقة خفض التصعيد في إدلب، وتعزيز مهام مركز التنسيق الإيراني– الروسي– التركي المشترك.


 

ومع بدء المرحلة الثانية من تطبيق الاتفاق، أعلنت تركيا نجاح تنفيذ بنوده بالمرحلة الأولى ما أعطاها المزيد من النفوذ السياسي كونها اللاعب الوحيد القوي في مواجهة التحالف الروسي– السوري مع تراجع كبير لباقي أدوار الفاعلين الإقليميين والدوليين بالمشهد السوري. 

ثانياً: تعزيز الوجود العسكري فى محيط إدلب

أصبحت محافظة إدلب بؤرة لتجمع كافة العناصر والفصائل والتنظيمات والجماعات المسلحة والمتطرفة التى نُقلت من المناطق التى حدثت فيها تسويات برعاية روسية فى العامين الآخيرين. ولقرب محافظة إدلب من حدودها سعت تركيا لإحكام سيطرتها على تلك المحافظة بتوقيع اتفاق مع روسيا وإيران في سبتمبر 2017، وهي الدول الضامنة لما يسمي مسار الأستانة، لإقامة مناطق خفض توتر في محيط محافظة إدلب، وبعض الأماكن المحددة من محافظات حلب (شمال)، وحماة (وسط)، واللاذقية (غرب)، لمنع انتقال العناصر المسلحة والتنظيمات المتطرفة. وقد قامت أنقرة بنشر قوات جيشها التركي في أكتوبر 2017 في العديد من المناطق المنصوص عليها في الاتفاق كنقاط مراقبة أمنية. وفي أبريل 2018 اتسعت رقعة السيطرة الأمنية والعسكرية للجيش التركي بإقامة مزيد من نقاط المراقبة في محيط محافظة حماة، حيث نص الاتفاق الموقع بين تركيا وروسيا وإيران على أن يقيم الجيش التركي 14 مركزا للمراقبة في إدلب ينشر فيها ما يقرب من 500 جنديا، بجانب بعض نقاط المراقبة العسكرية الأخري خارج محافظة إدلب تبدأ من ريف حلب الغربي وصولا لجبل اشتبرق في أقصى ريف إدلب الجنوبي الغربي، وتتوزع على أساس سبع نقاط إرتكاز في عندان بريف حلب، وخمس نقاط في ريف حلب الغربي، ونقطة في تلة العيس جنوبي المحافظة، وأخرى في ريف حماة الشمالي، وفي ريف اللاذقية. وقد سعى الجيش التركي في انتشاره بإدلب إلى اختيار المناطق الاستراتيجية فيها، اعتمادًا على عاملين: الأول، قرب مناطق التمركز العسكري للقوات التركية من مناطق سيطرة قوات النظام السوري وأماكن تمركز القوات العسكرية الروسية. والثاني، خصوصية الموقع الجغرافي من حيث الارتفاع والإطلالة العسكرية. كما هو موضح في خريطة توزع نقاط المراقبة.

 

خريطة توزع نقاط المراقبة للجيش للتركي بمحافظة إدلب


Source: https://www.enabbaladi.net/archives/227199?so=related

 

ثالثاً:إعادة صياغة العلاقة مع التنظيمات والمليشيات المسلحة الفاعلة في سوريا

سعت الإدارة التركية منذ اللحظات الأولى للأزمة السورية إلى تشكيل ودعم العديد من التنظيمات والجماعات المسلحة لمواجهة النظام السوري، لكن كان يغلب على هذا المسار ما يُسمى التدخل غير المباشر لدعم المعارضة. وساعد هذا التدخل تركيا على تحقيق العديد من الأهداف العسكرية، بإنشاء ما يُسمي "المنطقة الآمنة" التي تمتد من جرابس إلى اعزاز بطول 90 كم وبعمق (30-40كم) والتي تضم الباب ومنبج. ومع بدء العملية العسكرية التركية "درع الفرات" أخذت العلاقة بين تركيا والتنظيمات والمليشيات المسلحة أبعاداً أكثر تعقيداً وتداخلاً في نمط العلاقة والدعم المعلن. ففي أغسطس 2016 أطلقت وحدات من القوات الخاصة في الجيش التركي عملية "درع الفرات"، والتي شاركت فيها فصائل وتنظيمات وجماعات مسلحة سورية أبرزها فيلق الشام، وفرقة السلطان مراد، وحركة نور الدين زنكي، والجبهة الشامية، وحركة أحرار الشام الإسلامية، وغيرها من التنظيمات والجماعات المسلحة. وقد تجاوز مجموع القوات المشاركة في تلك العملية ثلاثة آلاف مقاتل. هذا التعاون سمح للنظام التركي بإعادة ترتيب خريطة التحالفات بين التنظيمات والميليشيات المسلحة والجماعات المتطرفة التى يدعمها، بإعلان تشكيل تنظيم مسلح جديد تحت مسمي "الجبهة الوطنية لتحرير سوريا" في نهاية عام 2017، والتي تضم العديد من الألوية والفصائل المسلحة لتكون إحدى أهم نقاط الارتكاز السياسي والعسكري للنظام التركي في مواجهة باقي التنظيمات والجماعات المسلحة الفاعلة بمحافظة إدلب وإحدى أوراق التفاوض السياسي مع الجانبين الروسي والسوري.

ومع بداية 2018 اتبعت تركيا مساراً أكثر قوة في فتح قنوات اتصال مع بعض التنظيمات والجماعات المتطرفة والإرهابية الفاعلة والمؤثرة في الساحة السورية، والذي ظهر جليا في الاتصالات مع تنظيم هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقا) في أعقاب اتفاق التهدئة في درعا. وتنامت هذه الاتصالات مع بدء التفاوض التركي الروسي حول أزمة إدلب، حيث برز الانحياز التركي لجبهة النصرة وتحسين العلاقة معها خلال شهرى أغسطس وسبتمبر 2018 في العديد من المؤشرات والتي انعكست في الخلاف مع روسيا حول إطلاق معركة إدلب.

وقد بدا بوضوح السعي التركي لتحييد "هيئة تحرير الشام" أيضا فيما قدمته أنقرة من عرض لها يقضي بتغيير اسمها، وإجراء إعادة هيكلة داخلية، وإعادة النظر في خريطة التحالفات مع الفصائل المسلحة الاخري.

رابعا: إثارة المخاوف من تداعيات الهجوم العسكرى على إدلب

استغلت الإدارة التركية حالة الخوف الشديد لدى المجتمع الدولي، وبعض دول المنطقة، من انتقال العناصر والجماعات المتطرفة الفاعلة الموجودة فى إدلب إلى دول أخرى، وما يمكن أن يؤدى إليه من ازدياد من العمليات الإرهابية المحتملة، والتأثير في بعض بؤر الصراع القائمة مثل ليبيا واليمن. كما لوحت تركيا بورقة توسع الهجرة غير النظامية من قبل مدنيين سوريين فى حالة الهجوم على إدلب، مما دفع الجانب الأوروبي لمزيد من الضغط على الجانب الروسي لمنع هذا الهجوم، ومحاولة التوصل لحل سياسي.

وأدى هذا التحرك على الصعيد الدولى إلى تقوية مركز تركيا في عملية التفاوض السياسي مع الجانب الروسي والذي أسفر عن اتفاق أدى إلى تجنب الهجوم العسكرى على إدلب. لكن يظل الوضع في إدلب قلقاً يحتمل العديد من السيناريوهات المفتوحة نتيجة ظهور مشاكل تعوق التطبيق الكامل للاتفاق الموقع بين روسيا وتركيا ومنها علي سبيل المثال :

أولا: عدم سيطرة أنقرة على كافة الفصائل والميليشيات المسلحة في إدلب : علي الرغم من دعم انقرة للعديد من التنظيمات والجماعات المسلحة في ادل بالا ان قدرة تلك التنظيمات المسلحة في فرض نفوذها علي الارض مقارنة ببعض التنظيمات المسلحة والمتطرفة الاخري اقل وهو ما ظهر خلال المعركة المسلحة التي حدثت خلال الشهر الفائت (يناير) من العام الجاري (2019)  بين تنظيم هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقا) وبعض الفصائل المسلحة المدعومة من الجانب التركي وفي مقدمتها حركة نور الدين زنكي احدي مكونات الجبهة الوطنية لتحرير سوريا والتي اسفرت عن مقتل ما يقرب من 60 قتيل في اقل من ثلاث ايام من بدء المعركة مع تقدم سريع لتنظيم هيئة تحرير الشام وسيطرته علي ما يقرب من 80% من مساحة إدلب مع تراجع في سيطرة باقي الفصائل المسلحة المدعومة من تركيا وهو ما يجعل من قدرة انقرة علي فرض الاتفاق ليس بالأمر السهل.

ثانيا: ظهور تنظيمات متطرفة مسلحة جديدة خارج نطاق السيطرة التركية مثل تنظيم "حراس الدين" المتطرف والمحسوب علي تنظيم القاعدة ومدي التزام تلك التنظيمات والفصائل المسلحة والمتطرفة ببنود الاتفاق.

ثالثا: رغبة النظام السوري في السيطرة على محافظة إدلب والتي تعتبر إحدى أهم أهدافه فى المرحلة القادمة.

في المجمل ؛نجحت تركيا في منع اي هجوم عسكري من قبل القوات الروسية او السورية تجاه محافظة إدلب معتمدة علي العديد من التكتيكات ومسارات التحرك التي مكنتها من تحقيق الهدف المرغوب وان كان الوضع في إدلب يحتمل العديد من السيناريوهات التي يمكن ان نطلق عليها مسار السيناريوهات المفتوحة والتي يمكن ان تعيق استمرار الاتفاق وهو ما يجعل من النجاح التركي في إدلب نجاح مؤقت.

طباعة
أحمد كامل البحيري

باحث متخصص في شئون الإرهاب - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية