إصدارات المركز - بدائل

افتتاحية العدد 32 من دورية بدائل "سياسات الحماية الاجتماعية والتنمية المستدامة: خبرات دولية ودروس مستفادة للتجربة المصرية"

طباعة

يظل التحدي الذي يواجه الدول عند التخطيط للإصلاح الاقتصادي هو كيفية التعامل مع الأعباء المترتبة على خطط الإصلاح، خاصة تلك المتعلقة بالجوانب الاجتماعية، وتكشف نوعية السياسات التي يتم تبنيها للتعامل مع تلك الأعباء الاجتماعية -إن جاز التعبير- عادة عن رؤية الحكومة للعلاقات بين الطبقات الاجتماعية المختلفة وحجم نصيبها من عوائد وأعباء الإصلاح.

 وتكشف خبرات العديد من دول العالم التي تبنت خطط للإصلاح الاقتصادي أن من اهتم منها بإدراة التداعيات الاجتماعية لتلك الخطط نجح في تحقيق معدلات مهمة من التنمية المستدامة، حيث تزامن الإصلاح مع توفير مجموعة من المميزات للطبقات الأقل دخلًا وللفئات الفقيرة جنبًا إلى جنب مع تحميلهم الجزء الأقل من تكلفة الإصلاح والتي تحملتها الطبقات الأكثر دخلًا وثراءًا.

 وقد ارتبط توفير تلك المميزات لتلك الفئات بتمكينها من أن تكون مساهم حقيقي في عملية  التنمية المستدامة ومستفيد منها في الوقت نفسه، بكل ما يترتب على ذلك من ضرورة مراعاة التفضيلات الاقتصادية لهذه الفئات عند التخطيط لأي سياسات اقتصادية جديدة. ولعل الاحتجاجات التي تشهدها فرنسا منذ منتصف نوفمبر الماضي والتي تعرف  باسم «احتجاجات أصحاب السترات الصفراء» تعبر عن حالة اتجهت فيها الحكومة لتنفيذ سياسات تقضي في جزء منها برفع الضريبة على الديزل الذي يستخدم على نطاق واسع على نحو يضر بالفئات الأقل دخلًا، مما اضطر الحكومة للتراجع عن قرارها ورفع الحد الأدنى للأجور  بدءًا من العام 2019 بنسبة 7 %، وإلغاء الضريبة على الدخل المتحقق نتيجة ساعات العمل الإضافية، ودعوة أصحاب الأعمال لمنح موظفيهم مكافآت معفاة من الضريبة، وعدم فرض أي ضرائب إضافية على معاشات المتقاعدين عن العمل[1] .

وهناك بعد آخر تكشف عنه الخبرات الدولية مرتبط بكيفية تأثير سياسات الإصلاح الاقتصادي على الطبقة الوسطى، وما إذا كانت تحافظ على تماسك تلك الطبقة أم تعمل على إضعافها على نحو يؤدي إلى تماهي الحدود الفاصلة بينها والطبقة الدنيا، لاسيما في المجتمعات التي بها طبقة وسطى عريضة، وفي الحالة الأولى تكون هناك سياسات لتحقيق الحماية الاجتماعية لهذه الطبقة مقارنة بالحالة الثانية التي تغيب فيها مثل هذه السياسات.

ويعد تحقيق الحماية الاجتماعية للطبقة الوسطى وللفئات الأقل دخلًا تحديًا مهمًا للحكومة المصرية التي تعمل على تطبيق برنامج للاصلاح الاقتصادي على نحو وفق ما هو مخطط له يفضي لتحقيق التنمية المستدامة خلال السنوات المقبلة،  ويرتبط بهذا التحدي القدرة على تخطيط وتنفيذ سياسات تقلل الأعباء التي تتحملها الطبقات الأقل دخلًا ولا تعرض الطبقة الوسطى لضغوط اقتصادية تؤدي إلى انكماشها.

وفي هذا السياق يناقش هذا العدد من دورية «بدائل»  نوعية سياسات الحماية الاجتماعية التي تبنتها الحكومة المصرية منذ العام 2014 بالتزامن مع إجراءات الاصلاح الاقتصادي، ويقدم مجموعة من التوصيات لتطوير تلك السياسات في ضوء مجموعة من الدروس المستفادة من الخبرات الدولية.

حيث تحلل أستاذة إيمان موسى باحثة متخصصة في سياسات الحماية الاجتماعية والدعم عدد ست خبرات دولية  من حيث مستوى الحماية الاجتماعية الذي نجحت في تحقيقه، وذلك بالنظر إلى المكونات الثلاث للحماية الاجتماعية كما أقرها البنك الدولي وهي المساعدات الاجتماعية (الأمان الاجتماعي) والتأمين الاجتماعي وبرامج سوق العمل، وتشمل هذه الخبرات قبرص وغانا وتركيا وأوكرانيا وأرمينيا والبرازيل.

وفي تقييمها للسياسات التي تبنتها الحكومة المصرية منذ العام 2014 تذهب أستاذة إيمان موسى إلى أن غياب جهة مركزية معنية بالتنسيق بين السياسات والبرامج التي يتم تنفيذها من أجل تحقيق الحماية الاجتماعية ومحدودية التمويل المخصص لها في الموازنة الخاصة بالحكومة، هي تحديات يمكن علاجها في المدى القصير، ويظل التحدي الأكثر صعوبة مرتبط  بالزيادة السكانية التي تمثل التحدي الحقيقي لقدرة الحكومة على الاستمرار في تنفيذ سياسات خاصة بالحماية الاجتماعية تتمتع بالفعالية من حيث القدرة على الوصول للفئات الأقل فقرًا والأقل دخلًا.

كما تقدم الدراسة مجموعة من التوصيات المقترحة والتي تهدف لتطوير وتحسين سياسات الحماية الاجتماعية وشمولية تطبيقها، ولعل من أهمها البحث عن وسائل وسبل تمويل لتلك السياسات من خارج الموازنة العامة ، وتوحيد مظلة سياسات الحماية الاجتماعية لتكون هناك جهة واحدة تكون مسئولة عن هذه السياسات وتنفيذها ومتابعتها.


[1] “France yellow vest protests: Macron promises wage rise”, BBC News web portal, December 10, 2018:

https://www.bbc.com/news/world-europe-46513189 

طباعة
د. إيمان رجب

خبير في الأمن الإقليمي وقائم بأعمال رئيس الوحدة الأمنية والعسكرية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية