عروض

"40 عامًا على الثورة الإيرانية: السياسة الخارجية بين الإيديولوجيا والمصلحة" - عرض العدد 292- كراسات استراتيجية

شروق صابر * 1568 20-1-2019
طباعة

يناقش العدد الجديد من سلسلة كراسات استراتيجية، والذي كتبه د. محمد عباس ناجي، الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عملية صنع قرار السياسة الخارجية الإيرانية بعد مرور 40 عامًا على الثورة الإيرانية، والتي اتسمت بدرجة كبيرة من التعقيد، بسبب التداخل الملحوظ بين متغيري المصلحة والأيديولوجيا، الأمر الذي يفرض صعوبات عديدة أمام تحليل المواقف التي تتبناها إيران تجاه التطورات الطارئة على الساحتين الإقليمية والدولية، فضلًا عن صعوبة التنبؤ باتجاهات التعامل الإيراني معها.

ويرى د. عباس أن الصراع بين المؤسسات الرئيسية في نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم يكن صفريًا، أي أن اتساع نفوذ بعض المؤسسات لم يكن يعني انتفاء تأثير الأخرى. ويعود ذلك في المقام الأول إلى أن النظام كان حريصًا على عدم تكريس سيطرة تيار سياسي واحد، وبالتالي عدم تكريس سيطرة متغير واحد على عملية صنع قرار السياسة الخارجية، وإن كان ذلك لا ينفي أن تأثير أحد المتغيرين ربما يتراجع نسبيًا لصالح المتغير الآخر، وهو ما يعتمد على محددين رئيسيين:

الأول، التغير المستمر في توازنات القوى السياسية الداخلية. وقد بدا ذلك لافتًا في فترات عديدة خلال العقود الأربعة الماضية، إذ يمكن القول إن "الخطوط الحمراء" التي وضعها النظام أمام تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية -على سبيل المثال- تراجعت خلال الفترات التي وصل فيها الإصلاحيون والمعتدلون إلى السلطة.

الثاني، طبيعة التهديدات الخارجية التي تواجهها إيران. وبدا واضحًا أنه كلما تصاعدت حدة تلك التهديدات، على غرار التدخل العسكري الخارجي، دفع ذلك إيران إلى إجراء تغيير في توازنات القوى السياسية الداخلية، بشكل يؤدي إلى إحداث تغيير في تأثير المتغيرين الرئيسيين في عملية صنع قرار السياسة الخارجية.

وأشار د. عباس إلى أن هذا الصراع بين الفريقين الرئيسيين داخل النظام (تياري الإصلاحيين والمحافظين)، لم يحل دون ظهور خلافات داخلهما، فقد ظهرت تباينات أخرى فيما بين القوى التي تنتمي إلى أحد الاتجاهين. فعلى سبيل المثال، اختلفت القوى التي انتمت للفريق المؤيد لتغليب متغير الأيديولوجيا على المصلحة، وهو تيار المحافظين الأصوليين، حول قضية "تصدير الثورة الإسلامية إلى الخارج"، حيث دعت بعض القوى إلى "تصدير القيم الأخلاقية للثورة فقط" على غرار محاربة الظلم والاستكبار والاستقلال والكفاءة الذاتية، فيما نادت بعض القوى الأخرى بضرورة "تصدير الثورة" بكل أسسها السياسية والثقافية والاجتماعية إلى الخارج.

ونوه د. عباس أنه في مقابل متغير المصلحة، الذي دفع إيران، في مراحل معينة، إلى تقييم حدود قدراتها وهامش خياراتها قبل الانخراط في أزمات إقليمية ودولية محددة، اعتمد المتغير الأيديولوجي الذي أثر على عملية صنع قرار السياسة الخارجية الإيرانية على عنصرين رئيسيين:

الأول، الدعوة إلى تأسيس الحكومة العالمية للإسلام. فقد تبنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية أيديولوجية كونية بدت جلية في سعيها -حسب مزاعم مسئوليها- إلى تأسيس الحكومة العالمية للإسلام، التي حاولت من خلالها تصدير الثورة للدول والمجتمعات الأخرى.

ولتنفيذ ذلك حرصت على التواصل مع الحركات الإسلامية الأخرى في المنطقة، على غرار دعم المنظمات الفلسطينية واللبنانية في مواجهة إسرائيل، وهو ما يمثل، في رؤية المسئولين الإيرانيين، تطبيقًا لما جاء في الدستور الذي ينص على أن "السياسة الخارجية الإيرانية تستند فقط إلى الدفاع عن حقوق المسلمين".

وقد حاول بعض المسئولين الإيرانيين التأكيد على أن الدعم الإيراني لبعض التنظيمات المسلحة، ينحصر في الإطار المعنوي فقط، في حين أن البعض الآخر أشاروا إلى أن هذا الدعم لا ينحصر في النطاق المعنوي فقط وإنما يمتد إلى المجال العسكري، وهو ما يمثل انعكاسًا آخر للازدواجية التي يتسم بها الخطاب السياسي لإيران.

الثاني، دعم الطائفة الشيعية. فرغم حرص إيران نظريًا، على وضع قضية الوحدة القومية الإسلامية على قمة أولويات سياستها الخارجية، إلا أن ذلك ينف أنها تبنت -في كثير من الأحيان- سياسة ركزت على دعم الجماعات الشيعية في بعض الدول الأخرى، عل غرار العراق وسوريا والبحرين ولبنان واليمن والكويت، وهو ما ضاعف من تأثير المتغير الأيديولوجي على تلك السياسة، وإن كانت حرصت، في الوقت ذاته، على مساندة العديد من المنظمات والفصائل السنية، مثل حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي" الفلسطينيتين.

ويشير د. عباس، أن التفاعل بين متغيري المصلحة والأيديولوجيا مر بمرحلتين رئيسيتين منذ اندلاع الثورة الإسلامية عام 1979 وحتى الآن. وقد امتدت المرحلة الأولى منذ بداية تأسيس نظام الجمهورية الإسلامية عام 1979 وحتى عام 1989، حيث كانت الأيديولوجيا هي المتغير الأكثر تأثيرًا في عملية تحديد اتجاهات السياسة الخارجية، وهو ما يعود إلى اعتبارات عديدة داخلية وخارجية.

وبدأت المرحلة الثانية مع انتهاء الحرب العراقية- الإيرانية عام 1988، فمع تصاعد حدة الضغوط التي فرضتها الحرب، بدا أن إيران تتجه تدريجيًا نحو إجراء تغيير في سياستها الخارجية بما يتوافق، إلى حد ما، مع المصالح الوطنية، دون أن ينفي ذلك أن الأيديولوجيا احتفظت بدورها كمتغير رئيسي في تحديد اتجاهات تلك السياسة، خاصة تجاه بعض القضايا على غرار الصراع العربي - الإسرائيلي، وهو ما فرض نوعًا من الغموض على التعامل الإيراني مع التطورات الإقليمية والدولية المختلفة.

وفي نهاية الدراسة أشار د. عباس إلى أن هذا التداخل بين المصلحة والأيديولوجيا سوف يبقى سمة رئيسية للسياسة الخارجية الإيرانية خلال المرحلة القادمة لاعتبارات عديدة: أولها، أنه يمثل أحد الأسس التي قام عليها نظام الجمهورية الإسلامية. ثانيها، أن هذا التعقيد يساعد، في بعض الأحيان، في توسيع هامش الخيارات المتاحة أمام صانع القرار الإيراني، على نحو بدا جليًا في المفاوضات التي أجرتها إيران مع الولايات المتحدة الأمريكية، والتي أضفت عليها طابعًا أيديولوجيًا -إلى جانب رمزيتها البراجماتية- عندما اعتبرتها آلية لـ"درء شر" الخصوم، وهو ما يدخل في صميم الفكر السياسي الشيعي الذي يعتمد على "مبدأ التقية" الذي يلزم الشيعي بأن يبطن أكثر مما يظهر. ثالثها، يتعلق بحرص النظام على عدم السماح لتيار سياسي واحد بالسيطرة على مؤسسات صنع القرار بمفرده، بشكل يمكن أن يمثل تهديدًا لقيادته العليا.

طباعة
شروق صابر

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية