متابعات تحليلية

هجوم المنيا الإرهابي... الدلالات والأبعاد؟

علي بكر * 675 5-11-2018
طباعة

تثير العملية الإرهابية الأخيرة التي استهدفت عددًا من المواطنين المصريين الأقباط، من خلال الهجوم على حافلة رحلات في طريق عودتها من دير الأنبا صموئيل بمركز العدوة، بمحافظة المنيا بصعيد مصر، في الثالث من شهر نوفمبر 2018، ما أسفر عن استشهاد 7 مواطنين على الأقل وإصابة آخرين، عددًا من التساؤلات حول دلالات هذا الهجوم الإرهابي وأهم أبعاده، لاسيما في ذلك التوقيت الذي تجري فيه العملية الشاملة سيناء 2018، والنجاحات الكبيرة التي تحققها، ما أدى إلى تراجع وتيرة العمليات الإرهابية بشكل كبير في أنحاء البلاد.

رغم تعدد الهجمات الإرهابية التي طالت المواطنين الأقباط ودور عبادتهم، برغم ما تبذله الدولة المصرية من جهود للقضاء على الإرهاب، على غرار الهجومين الذين وقعا في إبريل 2017، أثناء قداس "أحد السعف" أو "الشعانين"، وكان أولهما في كنيسة مار جرجس في مدينة طنطا، عاصمة محافظة الغربية. وبعد ساعات وقع الانفجار الثاني بمحيط الكاتدرائية المرقسية بمدينة الإسكندرية، عندما حاول شرطي التصدي لانتحاري ففجر الانتحاري نفسه. وقد أودى الهجوم الأول بحياة نحو ثلاثين شخصًا وإصابة أكثر من سبعين آخرين بجروح، وكذلك الهجوم الانتحاري الذي استهدف الكنيسة البطرسية بالقاهرة في 11 ديسمبر 2016، ما أسفر عن استشهاد 29 شخصًا وإصابة 31 آخرين، من خلال عملية نفذها شاب يدعى محمود شفيق محمد مصطفى، من محافظة الفيوم، ويبلغ من العمر 22 سنة، رغم كل ذلك، إلا أن تلك الهجمات لم تتوقف على دور العبادة المسيحية فقط، بل طالت أيضًا دور العبادة الإسلامية، مثل الهجوم الذي استهدف مسجد الروضة الذي يقع في إحدى القرى التي تبعد عن العريش بمسافة 50 كلم، بمحافظة شمال سيناء، حيث قامت مجموعة من الإرهابيين في يوم الجمعة الموافق 24 نوفمبر 2017 بالهجوم على المسجد مما أسفر عن استشهاد 305 مواطن، بالإضافة إلى عشرات الجرحى.

دلالات الهجوم

الهجوم الإرهابي الأخير بمحافظة المنيا يطرح عددًا من النقاط المهمة التي يجب التوقف عندها، حتى يمكن قراءة الدوافع وراءه بشكل صحيح، لاسيما أنه جاء في وقت تتصاعد فيه الضربات الاستباقية من قبل الدولة المصرية ضد الإرهاب، على غرار العملية التي قامت بها قوات الأمن ضد إحدى الأوكار الإرهابية بين محافظتي أسيوط وسوهاج في 15 أكتوبر الماضي (2018)، ما أسفر عن مقتل 9 عناصر من الإرهابيين. ويمكن تحديد أبرز تلك النقاط فيما يلي:

1- توقيت الهجوم: جاءت هذه العملية قبل وقت قليل من بدء فعاليات منتدى شباب العالم 2018 في شرم الشيخ، (3- 6 نوفمبر)، والذي يركز هذا العام على التعريف بالشخصية المصرية، والتأكيد على وحدة النسيج المجتمعي المصري. كما أنه جاء بعد يومين من إصدار الفيلم المصور الذي روجت له وسائل الإعلام الإخوانية والذي يحمل عنوان "الكمين القاتل"، والذي يحمل إشادة بـ"هشام عشماوى" الذي تم القبض عليه مؤخرًا في ليبيا على يد قوات الجيش الوطني الليبي، كما يحمل العديد من المعلومات المغلوطة التي تهدف في مجملها إلى الدفاع عن العمليات الإرهابية التي تستهدف الجيش والدولة المصرية، وهو ما يشير إلى وجود نوع التنسيق بين المجموعات القاعدة والداعشية والإخوان في مصر. وهكذا، تصبح الرسالة المقصودة من تنفيذ العملية في هذا التوقيت شديدة الوضوح إذا أخذنا كل هذا العوامل في الاعتبار.  

2- منطقة الهجوم: وقع الهجوم الإرهابي في إحدى المناطق من الطريق الصحراوي الغربي بالقرب من مدينة العدوى في محافظة المنيا، وهى المنطقة ذاتها التي وقع فيها الهجوم الذي استهدف عددًا من المصريين الأقباط في مايو 2017، ما أسفر عن مقتل 29 مواطنًا مصريًا قبطيًا. وكان تنظيم داعش قد تبنى الهجوم في ذلك الوقت. وتتسم تلك المنطقة بوجود العديد من الدروب الصحراوية والمدقات الجبلية التي يصل بعضها إلى داخل الحدود الليبية، وهو ما يسمح بتواجد بعض المجموعات الإرهابية، التي تتخذ من تلك المنطقة مركزًا لشن هجماتها الإرهابية، مستغلة تعاونها مع عصابات التهريب وتجار المخدرات، الذين يسيطرون على تلك الطرق، وهو ما يشير إلى وجود نوع من التعاون بين المجموعات الإرهابية والعصابات الإجرامية.

3- الفاعلية الأمنية: تمكنت الأجهزة الأمنية المصرية، خلال 48 ساعة فقط من تنفيذ الهجوم، من تتبع الجناة والقضاء عليهم، وهو وقت سريع للغاية، ما يشير إلى مدى كفاءة الأجهزة الأمنية المصرية في مواجهة التنظيمات الإرهابية، حيث كشفت بعض المصادر الأمنية أنه فور وقوع الحادث تم تشكيل فريق بحث متخصص على أعلى مستوى لتقصي أثر الجناة باستخدام أحدث الأساليب، وهو ما أدى إلى سرعة القضاء على العناصر المنفذة للهجوم. وأعلنت وزارة الداخلية في بيان رسمي لها في الرابع من نوفمبر 2018، أنها تمكنت من كشف تمركز للعناصر الإرهابية الخطرة المتورطة في تنفيذ الهجوم بالقرب من دير الأنبا صموئيل، وقتل 19 عنصرًا إرهابيًا، وضبط كميات من الأسلحة والذخيرة.

4- دور العملية سيناء 2018: تشير عملية القضاء على العناصر الإرهابية التي قامت بالهجوم على المواطنين في محافظة المنيا، إلى مدى فاعلية العملية الشاملة سيناء 2018، التي ركزت على تطهير مناطق الظهير الصحراوي من خلال تمشيط كل الطرق والدروب والمدقات لمنع تسلل تلك العناصر عبر الحدود الغربية إلى المحافظات المصرية، خاصةً محافظات الصعيد، في ظل وجود العديد من المدقات الجبلية التي تتواجد في بعض مناطق من محافظات الصعيد مثل أسيوط وسوهاج وقنا، والتي يمكن من خلالها الوصول من بن غازي في ليبيا والعكس، وذلك في ظل اعتماد العناصر الإرهابية مؤخرًا على تلك الطرق في الانتقال، ومنهم المشاركون في هجوم الواحات الشهير في أكتوبر 2017، وهو ما أسهم بشكل كبير في سرعة الوصول إلى العناصر الإرهابية التي نفذت الهجوم.

أبعاد متعددة

تشير العملية الإرهابية الأخيرة بمحافظة المنيا إلى عدد من الأبعاد المهمة، يمكن تحديد أبرزها فيما يلي:

1- محاولة كسر"هيبة الدولة": المجموعات الإرهابية التي قامت بالهجمات الإرهابية خلال السنوات الأخيرة، بما فيها المجموعة التي نفذت الاعتداء الأخير على المواطنين الأقباط عقب عودتهم من الصلاة في الدير، تدرك جيدًا بأن استهداف الأقباط أو غيرهم من المواطنين الأبرياء، لن يؤدي إلى إسقاط الدولة المصرية، أو النظام السياسي القائم، أو حتى إلى "فتنة طائفية" في البلاد بين عنصري الأمة، ما يعنى أن الهدف الحقيقي من وراء تلك الهجمات هو محاولة كسر "هيبة الدولة"، التي تعد بمثابة "عمود الخيمة" في بقاء الدولة المصرية وتماسكها، وذلك من خلال محاولة إظهارها بصورة العاجز، التي لا تستطيع حماية مواطنيها بشكل عام، لاسيما أن المجموعات الإرهابية تدرك أن استهداف الأقباط غالبا ما يكون له صدى خارجي، بما قد يؤثر على صورة الدولة بشكل سلبي.

2- ترسيخ التواجد الداعشي: برغم إعلان تنظيم داعش مسئوليته عن العملية، والتي تعد تكرارًا لهجوم سابق في العام 2017، إلا أنه من الصعب الجزم بأن التنظيم هو من نفذ ذلك الهجوم، لاسيما أن الإعلان في حد ذاته لا يُعد دليلًا كافيًا على ذلك، خاصة أن تنظيم داعش، شأنه في ذلك شأن كل التنظيمات الإرهابية، ينسب إلى نفسه في بعض الحالات ما لم ينفذه فعلا من الهجمات الإرهابية، حيث يتم استغلال هذه العمليات للتأكيد على البقاء والقدرة على تنفيذ عمليات جديدة، خاصة أن داعش يدرك أن المجموعة الإرهابية التي تنفذ مثل هذا الهجوم غالبًا ليس لديها من الوسائل الإعلامية ما تستطيع من خلاله إثبات أو نفى المسئولية عن ذلك الهجوم. وبالتالي فإن من يقف خلف هذا الهجوم وحرض عليه، يهدف إلى الإيحاء بأن مصر بها مجموعات داعشية، ومن ثم ترسيخ ما يتردد في وسائل الإعلام عن وجود ما يسمى بولاية الصعيد، وهو ما يعنى ترسيخ للتواجد الداعشي في مصر، وذلك من أجل تشويه على الاستقرار والتحسن الكبير في الأوضاع الأمنية، خاصة بعد انطلاق العملية الشاملة سيناء 2018.

2- التشجيع على العنف: شهدت الفترة الأخيرة انحسارًا ملحوظًا لنشاط التنظيمات الإرهابية، بمختلف توجهاتها، سواء القاعدية أو الداعشية أو حتى الإخوانية، وذلك بسبب الضربات الأمنية القوية التى وجهها الأمن المصري لهذه التنظيمات، والتي باتت تعتمد على معلومات دقيقة حول عناصر وتكتيكات هذه التنظيمات، على نحو ما كشفت عنه عمليات القبض على العديد من العناصر الخطرة، وقتل عدد آخر، كان أبرزهم "ناصر أبو زقول" قائد تنظيم "ولاية سيناء" في 18 أبريل 2018، بناء على معلومات متواترة تم الحصول على بعضها من عدد من المواطنين ورجال القبائل، وبالتالي فإن المجموعات الإرهابية تحتاج بشكل عام إلى مثل هذه العمليات من أجل رفع معنويات عناصرها المنهارة بشكل كبير، على نحو قد يشجعها على تنفيذ عمليات مماثلة، لاسيما أن العملية الأخيرة اختارت ما يمكن وصفه بالهدف السهل، الذي يرتكز على استهداف المدنيين الأبرياء.

3- التأثير على الاقتصاد: من الموروثات الفكرية القديمة لدى كل المجموعات الإرهابية التي كانت تنشط في مصر، مثل الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد، أن استهداف المواطنين العزل بشكل عام، والمواطنين الأقباط بشكل خاص، ينعكس بشكل مباشر على قطاع السياحة، الذي تعتبره أدبيات تلك التنظيمات القطاع الاقتصادي الأهم في البلاد، من خلال محاولة تصدير قناعات لدى السائحين الذين يستهدفون مصر بأنهم سيكونون مستهدفين، وربما هذا ما يفسر تنفيذ الهجوم الإرهابي الأخير في هذا التوقيت، الذى يتزامن مع عقد منتدى شباب العالم بشرم الشيخ، وتوقع بدء السياحة الروسية.

وأخيرا، وعلى ضوء ما سبق يمكن القول إن الهجمات الإرهابية التي استهدفت مصر خلال الفترة الأخيرة، بما فيها الهجوم الأخير على المواطنين في محافظة المنيا، تعد بمثابة محاولة من المجموعات الإرهابية لضرب الاستقرار في مصر، من خلال كسر هيبة الدولة داخليًا وخارجيًا، وهو اعتقاد يخالف الحقيقة، لاسيما في ظل تراجع هذه التنظيمات والقبض على معظم عناصرها وكوادرها. كما أن خبرة وتاريخ مواجهة الدولة المصرية للإرهاب والتنظيمات الإرهابية تصب في صالح الدولة، وهو ما يعني أن مصر قادرة على القضاء على تلك المجموعات، وإن كان ذلك يحتاج إلى بعض الوقت والجهد، وتحمل قدر من التكلفة، حتى تتمكن من اقتلاع الإرهاب من جذوره والقضاء عليه.

طباعة
علي بكر

باحث متخصص في شئون التنظيمات المتطرفة