مقالات

رؤية مصر 2030... مؤشرات إيجابية

حسين سليمان * 1506 31-10-2018
طباعة

أطلقت الحكومة المصرية في عام 2016، "استراتيجية التنمية المستدامة: رؤية مصر 2030"، والتي تعد بمثابة النسخة المصرية من أهداف التنمية المستدامة التي أطلقتها الأمم المتحدة في عام 2015، والتي أقرت عددًا من الأهداف التنموية في عدة مجالات، وحددت العام 2030 لتحقيقها على المستوى الدولي.

وتنقسم الاستراتيجية المصرية إلى ثلاثة أبعاد، هي: البعد الاقتصادي، والبعد الاجتماعي، والبعد البيئي. ويضم كل منها عددًا من المحاور، تضم بدورها مجموعة من الأهداف. البعد الاقتصادي يتضمن محاور التنمية الاقتصادية، والطاقة، والمعرفة والابتكار والبحث العلمي، والشفافية وكفاءة المؤسسات الحكومية. بينما يتضمن البعد الاجتماعي محاور العدالة الاجتماعية، والصحة، والتعليم والتدريب، والثقافة. وأخير، يتضمن البعد البيئي محوري البيئة، والتنمية العمرانية.[1]

ويميز الاستراتيجة المصرية للتنمية أنها تضمنت، أولا، تحديد أهداف كمية لأغلب المؤشرات الواردة في الأبعاد والمحاور المنصوص عليها في الاستراتيجية، وأنها حددت، ثانيا، مرحلتين زمنيتين لتحقيق هذه الأهداف بصورة تدريجية، هما عامي 2020 و2030. أهمية ذلك أنه يسهِّل من عملية التقييم خلال سنوات تطبيق الاستراتيجية، ويساعد على مراجعة الآليات وجهود التنمية المبذولة من جهة، أو مراجعة الأهداف ذاتها، من جهة أخرى.

وضعت الاستراتيجية عددًا من الأهداف في محور التنمية الاقتصادية، شملت استقرار أوضاع الاقتصاد الكلي، وتحقيق نمو احتوائي مستدام، وزيادة التنافسية والتنوع والاعتماد على المعرفة، وتعظيم القيمة المضافة، ولعب دور فعال في الاقتصاد العالمي، وتوفير فرص عمل لائق ومنتج، والوصول بنصيب الفرد من الناتج المحلي الحقيقي إلى فئة بلدان الدخل المتوسط المرتفع، ودمج القطاع غير الرسمي في الاقتصاد.[2]

وحددت الاستراتيجية مؤشرات واضحة لقياس مدى التقدم في الأهداف السابقة. وقد شهد عدد من هذه المؤشرات تطورات تتماشى بالفعل مع ما تهدف إليه الاستراتيجية، خاصة بعد إطلاق برنامج الإصلاح الاقتصادي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، في النصف الثاني من عام 2016، بعد أشهر من إطلاق استراتيجية التنمية وأهدافها.

وخلال العامين الماضيين، ووفقا لبيانات صندوق النقد الدولي، تراجع معدل البطالة من 12.7% وقت إطلاق الاستراتجية، إلى 10.9% في العام الحالي 2018،[3] وذلك في وقت تضع فيه الاستراتيجية هدف الوصول بهذا المعدل إلى 10% بحلول عام 2020،[4] وهو ما سوف يتحقق على الأرجح، بل قد ينخفض معدل البطالة إلى ما دون هذه النسبة بحلول ذلك التاريخ. ويرجع ذلك إلى تسارع النمو من 4.3% في عام 2016، إلى 5.3% في عام 2018،[5] والذي تستهدف الخطة الوصول به إلى 10% بحلول عام 2020، رغم استمرار أسعار الفائدة المرتفعة.

ومع تطبيق سياسات الإصلاح المالي بالتزامن مع برنامج الصندوق، وذلك من خلال ضغط الإنفاق العام وزيادة الإيرادات، فقد تراجع عجز الموازنة إلى -9.3% من الناتج المحلي في عام 2018، مقارنة بنحو -12.5% في عام 2016،[6] ليقترب بذلك من الهدف المعلن في الاستراتيجية وهو الوصول إلى عجز يساوي -7.5% فقط بحلول عام 2020.[7] هناك فرصة كبيرة للوصول إلى ما هو أفضل من هذه النسبة إذا استمرت السياسات المالية الحالية. ونتيجة لتراجع العجز مع نمو الناتج، فقد انخفض الدين الكلي إلى 92.5% من الناتج المحلي في العام الحالي،[8] وذلك بأكثر من 10 نقاط مئوية عن العام الماضي. وبالتالي فخلال العامين المقبلين، قد يتراجع الدين العام إلى ما المستوى الذي تستهدفه الاستراتيجية، وهو 85.7% من الناتج المحلي الإجمالي.[9]

كما أدى الشق الآخر من الإصلاحات، وهي الإصلاحات النقدية من خلال تحرير سوق صرف العملات الأجنبية، إلى زيادة تنافسية السلع المحلية، وبالتالي إلى زيادة الصادرات، بالتزامن مع زيادة إيرادات السياحة،[10] وهو ما دفع العجز في الميزان الجاري إلى التراجع وصولًا إلى -2.6% فقط من الناتج المحلي في العام الحالي،[11] ليتخطى بذلك هدف عام 2020 مبكرًا بعامين، والبالغ -3% بحلول ذلك العام.[12] كما نتج أيضًا عن الإصلاحات النقدية تخطي عدد الشهور التي يغطيها الاحتياطي النقدي من الواردات السلعية خلال عام 2018 حاجز الـ 8 أشهر، بما يفوق كذلك هدف عام 2020، والبالغ 6 أشهر فقط.[13]

وعلى جانب آخر، حملت الإجراءات الاقتصادية المطبقة كجزء من برنامج الإصلاح نتائج مغايرة على عدد من المؤشرات والمحاور الأخرى، الورادة كذلك في استراتيجية التنمية المستدامة. فقد شهد عدد من المؤشرات الاجتماعية بالأساس، تراجعًا بالتزامن مع تحسن المؤشرات الكلية، وهو ما يشكل التحدي الأبرز أمام استمرار نجاح برنامج الإصلاح، وكذلك استراتيجية التنمية بمداها الأبعد.

ففي حين تستهدف الاستراتيجية – التي وُضعت قبل إطلاق برنامج الإصلاح – خفض نسبة الفقراء إلى إجمالي السكان إلى 23% في عام 2020، ثم إلى 15% فقط في عام 2030،[14] فعلى الأرجح قد نتج عن إجراءات الإصلاح، وخاصة التضخم الحاد الذي أعقبها وتخطى في متوسطه السنوي حاجز الـ 20% في عامي 2017 و2018،[15] زيادة في نسبة الفقراء نتيجة ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية، التي تمثل الخط المعياري للفقر. كما من المرجح أيضًا أن تكون المساواة في الدخل والثروة قد تراجعت بشكل عام بين شرائح المجتمع المختلفة خلال العامين الماضيين، كنتيجة تقليدية للارتفاع في معدلات التضخم بشكل عام.[16]

ونتيجة أيضًا للإصلاحات المالية، والتي اعتمدت بالأساس على ضغط الإنفاق العام، فقد تراجع الإنفاق على التعليم، بكافة مراحله، كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي إلى 3% ثم إلى 2.4% خلال العامين الماليين 2016/ 2017، 2017/ 2018 على التوالي، وكذلك في موازنة العام المالي الجديد 2018/ 2019 إلى 2.2% فقط.[17] ويأتي ذلك في حين تسعى استراتيجية التنمية إلى زيادة الإنفاق العام على التعليم ما قبل الجامعي وحده إلى 5% من الناتج المحلي بحلول عام 2020، ثم إلى 8% بحلول عام 2030.[18]

وبالإضافة إلى ذلك، يواجه الإصلاح المؤسسي كذلك بعض التحديات، خاصة فيما يتعلق بمكافحة الفساد. فعلى الرغم من تحديد استراتيجية التنمية لمكافحة الفساد كإحدى مؤشرات الإصلاح المؤسسي، واستهدافها رفع درجة مصر في مؤشر مدركات الفساد إلى 50 بحلول عام 2020،[19] إلا أن درجة مصر في المؤشر قد تراجعت في عامي 2016 و2017، إلى 34 و32 على التوالي،[20] وهو ما يشير إلى ضرورة تعزيز جهود مكافحة الفساد والمزيد من تمكين المؤسسات القائمة عليها.

وهكذا، فقد تركزت منجزات استراتيجية التنمية المستدامة، منذ إطلاقها في عام 2016، في دائرة الأهداف الكلية بالأساس، والتي شهدت تطورات في أغلبها فاقت في بضعها بالفعل ما تهدف الاستراتيجية لتحقيقه بعد عامين من الآن، وهو ما يرجع بالأساس للإجراءات المهمة المصاحبة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي. ولكن على جانب آخر، تتركز التحديات في المحاور الاجتماعية، والتي شهد بعضها تراجعًا واضحًا، تفسره بدورها إجراءات الإصلاح أيضًا، وذلك بالإضافة إلى التحديات المؤسسية، التي قد تكون الأكثر صعوبة في معالجتها، والتي سيتطلب تخطيها في الأغلب وقتًا أطول من غيرها.

ولتجنب لتأثير التحديات الاجتماعية على المنجزات الكلية سيتعين مراجعة الإجراءات والأهداف الاجتماعية في برنامج الإصلاح واستراتيجية التنمية، وذلك لضمان تحقيق التوازن بين الأهداف الكلية والأخرى الاجتماعية الواردة في الاستراتيجية، لتصب جميعها في نهاية المطاف، في تحقيق التنمية المستدامة المأمولة.


[1] مجلس الوزراء المصري، "استراتيجية التنمية المستدامة: رؤية مصر 2030" (2016).

[2] المرجع السابق.

[3] International Monetary Fund, World Economic Outlook Database (October 2018).<http://www.imf.org/en/Data>

[4] مجلس الوزراء المصري، مرجع سابق.

[5] International Monetary Fund, op. cit.

[6] Ibid.

[7] مجلس الوزراء المصري، مرجع سابق.

[8] International Monetary Fund, op. cit.

 [9]مجلس الوزراء المصري، مرجع سابق.

  [10]البنك المركزي المصري، "النشرة الإحصائية الشهرية"، العدد رقم 259، (أكتوبر 2018).

[11] International Monetary Fund, op. cit.

[12] مجلس الوزراء المصري، مرجع سابق.

[13] البنك المركزي المصري، مرجع سابق.

[14] مجلس الوزراء المصري، مرجع سابق.

[15] International Monetary Fund, op. cit.

[16] حسين سليمان، "الإصلاح الاقتصادي وشبكة الحماية الاجتماعية"، تقرير الاتجاهات الاقتصادية الاستراتيجية 2017، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية (2018).

 [17]وزارة المالية المصرية، "البيان المالي عن مشروع الموازنة العامة للدولة عن السنة المالية 2018\2019" (2018).

[18] مجلس الوزراء المصري، مرجع سابق.

[19] المرجع السابق.

[20] Transparency International, "Corruption Perceptions Index" (2018). <https://www.transparency.org>

طباعة
حسين سليمان

باحث اقتصادي - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية