مقالات

غزة... "السير على الحافة" بين الحرب والتهدئة

محمد جمعة * 1513 30-10-2018
طباعة

تطورات التصعيد الميداني في قطاع غزة، والتي بلغت ذروتها مساء يوم الجمعة الماضية 26 أكتوبر2018، تعكس حالة "الاستعصاء شبة التام" التي تسيطر على المشهد في قطاع غزة، حيث: لا مصالحة، ولا اتفاق ذا قواعد واضحة على وقف إطلاق النار أو على التهدئة. ولا ينفي ذلك نجاح القاهرة خلال الأيام القليلة الماضية في التوصل إلى ترتيب مؤقت يهدف إلى تخفيض مستوى التوتر على جانبي الحدود بين غزة وإسرائيل. بل العكس يؤكد حقيقة ما ذهبنا إليه، وذلك بالنظر إلى الطبيعة المؤقتة لهذا الاتفاق غير المكتوب، التي تنسجم وجوهر المشهد الراهن، حيث المراوحة بين التصعيد المنضبط والتهدئة الهشة.

حالة الإستعصاء هذه لها أسبابها المعروفة؛ فالجدل المستمر منذ عدة شهور (على خلفية الصراع بين فتح وحماس) حول أيهما له الأولوية: التهدئة أم المصالحة؟! أسفر في النهاية عن استعصاء الأمرين معًا. فمن ناحية، تواصل الرئاسة الفلسطينية اعتراضها على أي ترتيب بين حماس وإسرائيل بشأن الهدوء على المدى الطويل، يتضمن فتح المعابر الحدودية وتجاوز السلطة الفلسطينية. ومن ناحية أخرى، أدى تشبث طرفي الانقسام بمواقفهما (خصوصًا أبو مازن الذي يريد ما يصعب تحقيقه في الوقت الراهن على الأقل) إلى عدم نجاح المصالحة ولو بشكل جزئي، وإلى إفشال الربط بين التهدئة والهدنة الطويلة، والمصالحة والتنمية عن طريق السلطة.

ومن ناحية ثالثة، فإن كلا الطرفين (إسرائيل وحماس) لا يريدان حربًا شاملة؛ فالمستوى الأمني والعسكري في إسرائيل كان شديد الوضوح في هذا الصدد، أما المستوى السياسي فيكتفي بإطلاق العنان لتهديداته، وغالبًا لاعتبارات السياسة المحلية، وفي سياق المزايدات داخل المشهد الحزبي الإسرائيلي. في المقابل، لخص زعيم حماس في غزة، يحيي السنوار، موقف الحركة بدقة في حديثه إلى صحيفة "لا ريببليكا" قبل ثلاثة أسابيع تقريبًا، عندما قال إنه لا يريد الحرب ولا يسعى إليها، لكنه سيقاتل إن فُرضت عليه.

وبالتالي نحن عمليا أمام تصعيد ذي سقف محدد، منضبط بالرغبة في تفادي المواجهة الأشمل، وترك حيز من الوقت وفسحة من الفرص أمام الجهود الدبلوماسية التي تنخرط فيها بنشاط كل من مصر والأمم المتحدة. لكن المشكلة هنا تتمثل في أن تصميم قيادة حماس على الاستمرار في "السير على الحافة"، واستخدام الحراك الجماهيري للتغطية على محاولات عناصرها التنفيذية للقيام بعمليات تصعيد محسوب على خط الحدود (بهدف الضغط على إسرائيل من أجل تخفيف الحصار) يُجابه بالمقابل بتصميم إسرائيلي على عدم "تقديم تنازلات" دون ثمن مقبول وفقًا لحسابات تل أبيب. بمعنى آخر، فإن وضع هذا التكتيك المبادر من قبل حماس، في مواجهة التكتيك الإسرائيلي المضاد، يعقد من الوضع الميداني، ويفتح الباب أمام احتمالات الانزلاق نحو المواجهة غير المرغوب فيها. وهو ما يعني في التحليل الأخير، أن الوضع الراهن المتمثل –كما سبقت الإشارة– في المراوحة بين التصعيد المنضبط، والتهدئة الهشة، والمستمر منذ شهر مارس 2018، أضحى غير قابل للاستمرار أو إعادة الإنتاج لأكثر من ذلك لعدد من الأسباب، أهمها:

1- إن ديناميكيات التصعيد لا يمكن التحكم بها دائمًا، خاصة مع تعدد جولات التصعيد الجزئي (20 يوليو، 8 أغسطس، 17 أكتوبر، 26 أكتوبر 2018). والشاهد على ذلك أن بعض هذه الجولات التصعيدية كانت على درجة عالية من الخطورة، بحيث وصلت التطورات الميدانية خلالها إلى الاقتراب من حافة الانزلاق نحو المواجهة المفتوحة، ذلك أن عدم الرغبة في الحرب لا يضمن عدم الانزلاق إليها.

2- إن حماس –ومعها الجهاد- لم تعد تكتفي بالضغط من خلال ما تسميه بمسيرات العودة وفقط، ولكنها لجأت مؤخرًا إلى ممارسة "لعبة" مزدوجة ومضللة، عندما انطلق في صباح يوم 17 أكتوبر الجاري (2018) صاروخين باتجاه إسرائيل، أصاب أحدهما منزلاً في بئر السبع، بينما سقط الآخر في البحر المتوسط. وقد حدثت الهجمات الصاروخية في ذروة الجهود المصرية لمنع وقوع انفجار في قطاع غزة.

صحيح أن "غرفة العمليات المشتركة للأجنحة العسكرية" لمختلف التنظيمات أصدرت نفيها إطلاق الصواريخ، وأبلغت مصادر صحفية أن الفاعل ربما يكون إحدى المنظمات "المارقة" في غزة بهدف إفساد فرص ومجهودات مصر للتوصل إلى اتفاق للتهدئة مع إسرائيل. لكن معروف أن صواريخ جراد المطورة هي صواريخ محلية الصنع، صُنِعَت في غزة، وحملت كمية كبيرة من المواد المتفجرة. ويتم استخدامها فقط من قِبَل حماس والجهاد الإسلامي.

ويبدو أن الهدف من ذلك كان إيصال رسالة للقاهرة مفادها أن حماس غير راضية عن وتيرة الوساطة المصرية، التي لم تحقق (وفقا لحسابات الحركة) أية نتائج، فيما يمارس الجمهور في غزة ضغوطًا شديدة على التنظيم لأنه على الرغم من العديد من القتلى والجرحى في مسيرات العودة والتي تخطت الثلاثين مسيرة حتى 28 أكتوبر 2018، لم تنجح المسيرات في تحقيق أي تخفيف للحصار المفروض على قطاع غزة.

من ناحية أخرى، يتعين هنا الإشارة إلى أن النجاحات التكتيكية للسلطة، التي بدا لبعض الوقت أنها استعادت زمام المبادرة، عندما نجحت في "تقديم المصالحة على التهدئة" في حراك الوسيطين المصري والدولي، يبدو أنها تواجه مخاطر الانتكاس من جديد، وتقامر بتهميش دورها في ملفات غزة المشتعلة. ويرجع ذلك إلى أن هذه النجاحات التكتيكية، لم تكن متبوعة بمبادرات وبدائل يمكن العمل عليها، وحشد التأييد لها، لكن ظلت جهودها ومواقفها تتراوح ما بين تهديد حماس والتلويح بإجراءات عقابية جديدة ضد غزة. ولا شك أن هذا الموقف من جانب السلطة الفلسطينية يضع ضغوطا على الوسطاء، ويدفعهم للتعامل مع "الأمر الواقع"، سواء بالسلطة أو من دونها في نهاية المطاف.

عند هذه النقطة بالذات يبدو أن حماس تحاول من خلال المزيد من الضغط (كما في لعبة صاروخ بئر السبع التي سبقت الإشارة إليها) المراكمة على تبرم "الوسطاء" من أداء السلطة، خاصة بعد اتهام إسرائيل للسلطة بأنها تسعى لتفجير الوضع في القطاع، ودفع الموقفين المصري والدولي إلى تقديم ملف التهدئة على المصالحة من جديد، ولو بتجاوز السلطة.

ختامًا، يمكن القول إنه في وقت سابق، سعت القاهرة (لبعض الوقت) إلى التساوق مع طلبات رئيس السلطة الفلسطينية وأولوياته، بتقديم المصالحة على التهدئة، لكن إحجام أبو مازن عن تقديم مبادرات قابلة للحل والتطبيق يعقد الموقف كثيرًا. ولا شك أن حالة المراوحة بين حسابات حماس والأمر الواقع في غزة، وبين حساسيات السلطة الشرعية في رام الله، ربما لم تعد تتناسب مع مستجدات الواقع على الأرض وضغوطاته، خاصة أن الوضع الراهن يشير-كما سبقت الإشارة لأكثر من مرة- إلى أن "المراوحة بين التصعيد المنضبط والتهدئة الهشة" فقدت صلاحية الاستمرار ربما حتى لأسابيع قليلة قادمة.

وعليه، ربما يتطلب الأمر هنا الموازنة بين تداعيات حرب جديدة في القطاع (سواء على صعيد الوضع الأمني على الحدود، أو على صعيد مستقبل قطاع غزة وعلاقته بالسلطة) وبين التداعيات الاستراتيجية التي يمكن أن تترتب على الانخراط في ترتيبات للتهدئة تعمق من خروج غزة عن غلاف السلطة.

وفي كل الأحوال، فإن مستجدات الوضع الميداني وضغوطاته، تشي بأن هناك جهودًا مصرية مفترضة تتركز في اتجاهين: أولهما، الانخراط المكثف لضمان صمود الاتفاق المؤقت الأخير الذي يسعى إلى تخفيف التوتر على طول خط الحدود بين غزة وإسرائيل. ثانيهما، وهو الأهم، الانخراط بكثافة مع قيادة السلطة الوطنية الفلسطينية، وحشد كل الضغوط الدولية لضمان عدم فرض عقوبات جديدة على غزة، وذلك لأن فرض تلك العقوبات قد يترتب عليه أحد أمرين: إما انفجار الأوضاع في غزة، وذهاب حركة حماس نحو إشعال الحريق باتجاه إسرائيل، وإما أن يكون ثمن تثبيت التهدئة (وضمان تعطيل أثر تلك العقوبات الجديدة) هو المضي بالفعل خطوات على طريق فصل غزة عن الضفة، خاصة أننا أصبحنا بالفعل أمام صفحة جديدة من الانقسام بعد إدخال الوقود القطري، وفي ظل الاستعداد لمناقشة خطة "ميلادينوف" الخاصة باستعداد "الدوحة" لتمويل رواتب موظفي حماس المدنيين، من خلال آلية دولية.

طباعة
محمد جمعة

باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية