عروض

عرض العدد 50 من الملف المصري "التحديات الإقليمية والمصالح المصرية"

مصطفى كمال * 566 21-10-2018
طباعة

تواجه منطقة الشرق الأوسط العديد من التحديات والمخاطر المعقدة والمتداخلة، فمن ناحية أصبحت العديد من دول المنطقة تعانى من انتشار الفوضى، والانقسامات الداخلية التي أصبحت تؤثر على مستقبل الدولة وسيادتها، خاصة مع ظهور العديد من الفاعلين من غير الدول، يحتلون مساحات من الأراضي، بل ويمارسون أدوار الدول. ومن ناحية أخرى، أصبحت المنطقة مركزًا للعمليات الإرهابية التي باتت تشكل تهديدًا لاستقرار الدول وعائقًا أمام تفعيل التنمية والنمو الاقتصادي. في الوقت ذاته زادت حدة الاستقطاب،والصراع على أسس طائفية. ومن هنا تأتى أهمية ذلك العدد من دورية الملف المصري الذى يسعى لتوضيح حدود الأضرار التي تلحق بالمصالح المصرية من تلك التهديدات، وكيف تتصدى لها، مع محاولة توضيح حقيقة ما يتردد حول "صفقة القرن"، وعلاقتها بالممارسات الإسرائيلية الأمريكية على أرض الواقع، والتي تشير إلى مساعى فعلية لتصفية القضية الفلسطينية، ما يؤثر بأشكال مختلفة على الأمن القومى المصرى. كما يحرص العدد أيضًا على توضيح  مدى تأثر المصالح المصرية بمستقبل صراع الطاقة في شرق المتوسط. فضلًا عن توضيح مسارات التحالفات الإقليمية، وتأتى فى مقدمتها التحالف السعودى الإماراتى، وأخيرًا إلقاء الضوء على التحديات التى يواجهها الدور الإقليمي الإيرانى، والذى يؤثر، من ناحية، على استقرار المنطقة فى ضوء التهديدات الأمريكية، ومن ناحية أخرى، على خريطة توازنات القوى بين الفاعلين الإقليمين الرئيسيين، إسرائيل وتركيا وإيران، وما يحمله ذلك من تهديدات للدول العربية، خاصة مع ضلوع تلك الدول فى قرارات ومسارات تسوية أزمات المنطقة، فى مقابل تراجع أدوار الفاعلين من الدول العربية.

 ويستهل العدد السفير محمد أنيس سالم، منسق مجموعة الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية بالمجلس المصري للشئون الخارجية، في رصد وتحليل التهديدات الأمنية في الشرق الأوسط وحدود تأثيرها على الواقع المصري، وتأتى فى مقدمتها الفوضى الإقليمية، والإرهاب، والمعضلة الإسرائيلية، وتزايد سباق التسليح واختلال التوازن الاستراتيجي في المنطقة، وتعدد مسارح العمليات في المنطقة. وفيما يخص تأثير تلك التهديدات على المصالح المصرية، وكيفية مواجهتها أو الحد من تأثيراتها، فقد رأى ضرورة العمل على تعزيز المكونات الداخلية للأمن القومي المصري، والاستثمار في القوة الناعمة، وتحديثها مع التوافق على وجود حد أدنى من الأهداف أو المصالح الوطنية المتفق عليها، و ضرورة توافر مساحة للحوار والاختيار بين البدائل، و القدرة على استشراف المستقبل.

أما الدكتورة نهي بكر، عضو المجلس المصري للشئون الخارجية، فقد سعت للتعرف على حدود وطبيعة الدور المصري في الشرق الأوسط من خلال توضيح أهم الثوابت التي يرتكز عليها هذا الدور، حيث يُعد العامل الأبرز فيه هو الدور الحتمي والأزلي لمصر تجاه الدول العربية والتي لا تستطيع التخلي عنه أو إهماله بأي شكل من الإشكال، والذى يتطلب تفعيله بالضرورة تحمل تكلفته. كما يقتضى الأمر أيضًا الاشتباك والتداخل في العديد من الملفات التي تحمل تكلفة سياسية، وربما إستراتيجية.كما ناقشت دكتورة نهي عددا من التحديات الداخلية والخارجية التي تواجه الدور المصري في الشرق الأوسط، وتأتى في مقدمتها الأوضاع الاقتصادية، والتحديات الأمنية خصوصًا مع الحرب التي تخوضها مصر على الإرهاب.  

وفيما يخص مستقبل الطاقة، خاصة بعد الاكتشافات الجديدة في شرق المتوسط، وعلاقتها بالدور الإقليمي لمصر، فقد استعرض الدكتور أحمد قنديل، الخبير بمركز الأهرام للدارسات السياسية والإستراتيجية، مستقبل خريطة الطاقة في منطقة البحر المتوسط، من خلال  رصد الاتجاهات والمسارات المستقبلية للطاقة في منطقة البحر المتوسط. كما ناقش خبرات التعاون بين دول المتوسط حول اكتشافات الغاز في المستقبل، كما أوضح عددا من البدائل لتصدير الغاز المكتشف في منطقة شرق المتوسط إلى شمال المتوسط وأوروبا، حيث تُعد مصر إحدى البدائل المقترحة، ومن المتوقع أن تتجه الأنظار في المستقبل إليها باعتبارها الخيار الأمثل لتصدير الغاز من شرق المتوسط (بالنسبة لإسرائيل وقبرص) في الوقت الحالي. ويرجع ذلك إلى امتلاك مصر محطتين لتسييل الغاز الطبيعي، فضلا عن امتلاكها شبكة متطورة من خطوطالأنابيب لنقل الغاز الطبيعي، مما يؤهل مصر لتصبح مركزًا إقليميًا لتصدير الغاز، خاصة مع موقعها الجغرافي الاستراتيجي، واكتشافات الغاز الأخيرة التي تؤهلها للانتقال إلى مرحلة التصدير مستقبلاً. كما أصبحت سوقًا جاذبة للاستثمار في مجالي الغاز والبترول بما يساعدها على التحول لتصبح مركزًا رئيسيًا للطاقة. ويختتم دكتور قنديل تحليله بتحديد أهم  التحديات والمعوقات أمام  التعاون في مجال الغاز.

وفيما يخص القضية الفلسطينية، والتى تعد إحدى ركائز الأمن القومى المصرى، حاول اللواء أح م. وائل ربيع، مستشار مركز الدراسات بأكاديمية ناصر العسكرية، توضيح حقيقة ما يتردد عن صفقة القرن وتأثيراتها على مستقبل القضية الفلسطينية، حيث استهل تحليليه باستعراض أهم البنود التى يتم تداولها بشأن الصفقة، وإن ظلت غير معلن عنها حتى وقتنا الراهن بشكل رسمى. ثم أوضح كيف تتلاقى تلك البنود مع ما يتم تنفيذه من مخططات إسرائيلية وأمريكية على أرض الواقع، وتأتى فى مقدمتها ما يتم الترويج له إسرائيليا بالحل الإقليمى للدولة الفلسطينية، وهو ما يطلق عليه "حل غزة أولا"،والذى سبق أن اقترحه الجنرال "جيورا إيلاند" مستشار الأمن القومي الإسرائيلي الأسبق. ثم استعرض الممارسات الاستيطانية في الضفة الغربية، وقانون القدس الموحدة،الذى يهدف الى أن تكون "القدس الكاملة والموحدة" هي عاصمة إسرائيل،وقانون القومية اليهودية، الذى يحمل أبعادًا كثيرة من الناحية القانونية والسياسية والأيديولوجية على الواقع الإسرائيلي من جهة، وعلى الرؤية الإسرائيلية لمكانة الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة، وعلى القضية الفلسطينية عموماً. أضف إلى ذلك مساعى تصفية قضية اللاجئين. ويخلص فى نهاية تحليله إلى أن السياسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة تعكس الرغبة الفعلية في غلق قضايا الحل النهائي وهى الاستيطان، والقدس، واللاجئين، وغيرها من القضايا الجوهرية أمام أي محادثات قادمة مع الجانب الفلسطيني، وبالتالي إفراغ القضية الفلسطينية من مضمونها.

وحول التحالفات الإقليمية تناول الدكتور معتز سلامة، الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، طبيعة العلاقات السعودية الإماراتية، حيث أكد على خصوصية العلاقات التكاملية بين البلدين، حتى باتت تمر بحالة توافق في الرؤى والاستراتيجيات، سواءفي محيط العلاقات العربية، أو حتى في المحيط الأضيق الخاص بالعلاقات الخليجية. وعلى الرغم من تأثير العامل الشخصي فى توطيد العلاقات بين الجانبين فهناك اعتبارات هيكلية تتعلق بخصوصية العلاقات داخل منظومة مجلس التعاون، اتضحت فى التوافق بين البلدين في السياسات الخارجية والمواقف من الأزمات، والتشابه في أنظمة الحكم. ولا تقتصر مؤشرات الخصوصية في العلاقات على أن الإمارات هي الشريك العسكري الأساسي للسعودية في حرب اليمن، وإنما تمتد إلى التنسيق بين البلدين بخصوص الإرهاب والإخوان وجماعات الإسلام السياسي، وغيرها من المواقف المتقاربة.وفى استشرافه لمستقبل العلاقات بين البلدين استند دكتور معتز على عدد من المؤشرات بشأن تزايد خصوصية العلاقات السعودية الإماراتية في السنوات الأخيرة، والتي دفعت للارتقاء بالعلاقات إلى مستوى إنشاء مجلس للتنسيق وتبني إستراتيجية العزم والتوأمة، حيث تأتى فى مقدمتها  العلاقة الشخصية للقيادة، والتوجه المشترك في الحرب في اليمن ونتائجها العسكرية والسياسية، والتقارب بشأن الإرهاب وقطر، والتحديث والبناء الداخلي في السعودية.ومن ثم فإنه توقع أن تستمر خصوصية العلاقات بين البلدين، ومن الممكن أن تصبح محل اقتداء من جانب دول أخرى.

ونظرًا لأهمية الدور الإقليمي لإيران وتأثيراته على توازنات القوى الإقليمية، تناول الدكتور محمد عباس ناجي، الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، أهم التحديات الداخلية الإيرانية، وانعكاسها على الدور الإقليمي الإيراني، حيث رأى أن انخراط إيران فى العديد من الملفات الإقليمية كان له تداعيات على الداخل الإيراني والذي تجلى في الاحتجاجات الداخلية التى تعارض ذلك الدور الخارجي لإيران، حيث ظهرت مبادرات ودعوات داخلية لتقليص تأثير المشكلات الاقتصادية عبر إجراء تغيير في السياسة الخارجية، باتجاه تخفيض الدعم الذي يقدمه النظام إلى حلفاءه الإقليميين. إلا أن النظام واجه هذه الدعوات بشن حملة مضادة اتهم فيها مروجيها بـ"الخضوع لإملاءات الخارج". ومن ناحية ثانية، يواجه النفوذ الإقليمي الذي تمكنت إيران من تكوينه على مدى العقود الماضية اختبارات صعبة في الفترة الحالية. فى كل من العراق  وسوريا واليمن ولبنان. أما التحدى الثالث فيتمثل فى تغير ملحوظ في سياسات القوى الدولية المعنية بأزمات المنطقة والمنخرطة فيها، بمستويات مختلفة، إزاء العلاقات مع طهران، والتى تجلت فى إجراء إدارة الرئيس الأمريكي تغييرات جذرية في سياستها إزاء طهران، فضلا عن تزايد اهتمام القوى الدولية الأخرى، خاصة دول الاتحاد الأوروبي، بالمخاطر التي يفرضها نفوذ إيران على الأرض. واختتم دكتور عباس تحليله بأنه رأى أن إيران من أجل الخروج من أزماتها سوف تلجأ إلى تصعيد الأزمات الإقليمية المختلفة، وهو ما يبدو جليًا في تفاعلاتها مع العديد من الملفات الاقليمية، وذلك كتكتيك من أجل احتواء الضغوط التي تتعرض لها.

 وفي النهاية تبقي التحديات الإقليمية مستمرة، و المصالح المصرية محفوفة بالمخاطر، الأمر الذي يستدعى المزيد من الحيطة والحذر والعمل بشكل دائم على تنوع الخيارات المصرية التي تعزز استقلال التوجه المصري في سياستها الخارجية.

طباعة
مصطفى كمال

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية