متابعات تحليلية

الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب 2018: حدود التغير والاستمرارية

طباعة

بعد أسابيع قليلة من حلول الذكرى السابعة عشرة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الرابع من أكتوبر الجاري (2018) استراتيجيتها القومية لمكافحة الإرهاب National Strategy for Counterterrorism of the United States of America.[1] تضمنت الاستراتيجية رؤية الإدارة للتهديدات الإرهابية في الداخل والخارج، والتي أضحت أكثر تعقيدا، وتشهد تحولات مهمة لم تعهدها الدول من قبل، استتبعه تغيرات جوهرية في طريقة مواجهة هذه التهديدات.  

ووفقًا لبيان البيت الأبيض، تُعد هذه الاستراتيجية أول استراتيجية مفصلة بالكامل لمكافحة الإرهاب منذ تلك التي أصدرتها إدارة باراك أوباما في عام 2011. كما أنها توفر "التوجيه الاستراتيجي" الضروري لحماية المصالح والأمن القومي الأمريكي من كافة التهديدات الإرهابية. وستعزز في الوقت ذاته من مرونة توقع التهديدات الجديدة، ومنعها، والرد عليها.

استمرار التهديدات الإرهابية

تحدثت الاستراتيجية عن الجهود العسكرية الأمريكية على مدار سبعة عشر عامًا لمكافحة التنظيمات الإرهابية والمتطرفة في أعقاب أحداث سبتمبر 2001، وعن الدور المركزي للولايات المتحدة في القضاء على تنظيم "داعش" الإرهابي في سوريا والعراق بالتعاون من شركائها في التحالف الدولي الذي تقوده. وأشارت بشكل واضح إلى أن الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة (5+1)، الموقع في منتصف عام 2015، أوقف تدفق التمويل الإيراني للأنشطة "الخبيثة" في كافة أنحاء العالم. وثمنت الاستراتيجية الزيادات التاريخية للرئيس ترامب للتمويل الدفاعي لإعادة بناء الجيش الأمريكي. 

في الوقت ذاته، أشارت الاستراتيجية إلى أن الولايات المتحدة لم تقض نهائيًّا على التهديدات الإرهابية، مع أنها نجحت في منع تعرضها لهجوم إرهابي على غرار ما حدث في سبتمبر 2001، حيث لا تزال التنظيمات الإرهابية، مثل تنظيم "القاعدة" و"داعش"، تشكل التهديد الرئيسي العابر للحدود للولايات المتحدة، رغم جهودها المدنية والعسكرية المستمرة التي تبذلها في هذا المجال.

وتحذر الاستراتيجية من خطر تنظيم "داعش" رغم نجاح الضربات العسكرية الأمريكية في استرجاع الأراضي التي كان يسيطر عليها التنظيم في كل من العراق وسوريا، وتحرير أكثر من 7.5 مليون شخص من الحكم القمعي للتنظيم. وتضيف أن فروع التنظيم خارج منطقة الشرق الأوسط تشكل تهديدًا كبيرًا للولايات المتحدة، حيث أشارت إلى انتشار التنظيم عالميًّا من خلال ثمانية فروع معلنة، وأكثر من عشرين شبكة تعمل بانتظام على تنفيذ عمليات إرهابية في أنحاء أفريقيا، وآسيا، وأوروبا، والشرق الأوسط.

ووفقًا للاستراتيجية، فإن تنظيم داعش لازال يمتلك وسائل اتصال وإعلام إلكترونية متطورة تسمح له بتجنيد أتباع جدد، وتمكنه من شن العشرات من الهجمات داخل البلدان المستهدفة، بما في ذلك الولايات المتحدة، رغم النكسات التي يتعرض لها. وتضيف أن زيادة الهجمات التي يشنها الأشخاص الذين تم تعبئتهم لتبني العنف تؤكد على قدرة تنظيم "داعش" على إلهام أتباعه بتنفيذ الهجمات الإرهابية في كافة أنحاء العالم.

واتفاقًا مع سياسة الإدارة الأمريكية التي تنظر إلى إيران على أنها أحد أسباب عدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، واستفادتها من الأموال التي تم الإفراج عنها بموجب الاتفاق النووي في دعم وكلائها المسلحين في المنطقة، فقد أسمت الاستراتيجية طهران كأحد الدول الرئيسة التي تدعم الإرهاب الذي يستهدف المصالح الأمريكية في المنطقة، وخارجها. وقد وصف مستشار الأمن القومي الأمريكي "جون بولتون" إيران، في المؤتمر الصحفي بالبيت الأبيض، الخاص بعرض الاستراتيجية، بأنها "البنك المركز العالمي للإرهاب الدولي منذ عام 1979" من خلال دعمها للجماعات المسلحة والإرهابية في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط.

وأشارت الاستراتيجية إلى أنه لاازالت هناك محفزات للإرهاب والتطرف، حددتها مثل: التطرف العنصري، والتطرف في حقوق الحيوان، والتطرف البيئي، وتطرف المواطنين في الدفاع عن حقوقهم، وتطرف الميلشيات. وقد لاحظت أن تلك الأشكال من التطرف داخل الولايات المتحدة في ارتفاع. ولهذا، دعت الاستراتيجية إلى إجراء تحقيقات ودمج للمعلومات حول الإرهابين المحليين الذي لا تحركهم الأيديولوجيات المتطرفة ونظرائهم في الخارج.

سبل المكافحة

لم تأتِ استراتيجية إدارة ترامب لمكافحة الإرهاب بجديد فيما يتعلق بآليات مواجهة التنظيمات الإرهابية والمتطرفة، حيث قامت خطة عملها، لمواجهة تلك التنظيمات التي تهدد الولايات المتحدة وحلفائها، على الدروس المستفادة من جهود الإدارات السابقة لمكافحة الإرهاب، فانطلقت من المبادئ التي اعتمدتها ونقحتها كل من إدارتي "جورج دبليو بوش" و"باراك أوباما".  

وقد لخصت الاستراتيجية محاور مواجهة التنظيمات الإرهابية في العناصر التالية:

1- ملاحقة الإرهابيين بدولهم الأصلية، من خلال استخدام القدرات العسكرية وغير العسكرية الأمريكية ضد التنظيمات الإرهابية التي تشكل تهديدًا لمواطني الولايات المتحدة، والإرهابيين، ومخططي العمليات الإرهابية، والأفراد الذين يقومون بنشر خبراتهم في مجالات مثل أسلحة الدمار الشامل، والمتفجرات، والعلميات السيبرانية، والدعاية.

2- عزل الإرهابيين عن مصادر دعمهم، من خلال توفير المعلومات عن حركة الإرهابيين وهوياتهم وتقاسمها مع القطاعين العام والخاص الأمريكيين، بهدف تحديد وتعطيل حركتهم، والعمل مع شركاء الولايات المتحدة لتعزيز إجراءات أمن السفر والحدود لمنع الإرهابيين من الفرار من مناطق الصراع، وتمكين تنفيذ الإجراءات القانونية ضدهم في دولهم الأصلية. وكذلك تبادل المعلومات والبيانات المالية للإرهابيين، وتفكيك شبكات تمويلهم، وتنفيذ التدابير الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب في كافة أنحاء العالم بفاعلية. وأخيرًا مواجهة الدول التي تقدم دعمًا ماليًا سريًا للتنظيمات الإرهابية من خلال العمل مع الحلفاء والشركاء لتحديدهم ومعاقبتهم.

3- تحديث أدوات القوة الأمريكية العسكرية وغير العسكرية لمكافحة الإرهاب، حيث تركز الاستراتيجية على العلميات العسكرية التقليدية لمواجهة التهديدات الإرهابية، مع العمل على زيادة التركيز على الأدوات غير العسكرية لمجابهة ليس مسلحي تنظيم "داعش" الإرهابي، ولكن هؤلاء الذين تدعمهم إيران، والتنظيمات الإرهابية الأخرى. وأشارت الاستراتيجية إلى أن كافة الوكالات الأمريكية لها أدوار مهمة في مكافحة الإرهاب، ومن بينهم ضباط إنفاذ القانون، والدبلوماسيون، ومسئولو وزارة الخزانة الأمريكية.

4- حماية الداخل الأمريكي، من خلال سياسة تتضمن أمن الحدود بشكل قوي، وحماية البنية التحية الأمريكية الحساسة، والترويج لثقافة الاستعداد لمواجهة التهديدات والتحديات الطارئة.

5- مكافحة التطرف الإرهابي وتجنيد الإرهابيين، من خلال اتخاذ إجراءات للحد من قدرة التنظيمات الإرهابية على التجنيد عبر الإنترنت، ونشر أفكارها المتطرفة، والتواصل مع أتباعهم. وكذلك مواجهة الأيديولوجيات المتطرفة والعنيفة التي تهدف إلى تبرير قتل الأبرياء.

6- تعزيز قدرات شركاء الولايات المتحدة الدوليين لمكافحة الإرهاب؛ فعلى الرغم من رفع الإدارة الأمريكية شعار "أمريكا أولًا"، وانتقاد حلفاء الولايات المتحدة التقليديين، والمؤسسات والتحالفات التي تأسست منذ سبعة عقود وتحافظ على الاستقرار والأمن الدوليين، فإن الاستراتيجية تشير إلى أن الشعار لا يعني "أمريكا منفردة"، حيث تتحدث عن أهمية دور الشركات الدولية في مواجهة التهديدات الإرهابية، وأخذها زمام المبادرة متي كان ذلك ممكنًا. وأكدت على ضرورة تقاسم الحلفاء والشركاء عبء مواجهة الإرهاب، وتعزيز قدراتهم على مكافحة الإرهاب، والعمل بشكل تعاوني معهم لإلحاق الهزيمة بالتنظيمات الإرهابية الحالية والمستقبلية، في استمرارية لاستراتيجيتي الرئيسين السابقين لمواجهة الإرهاب.

ثلاثة اختلافات

ذهب "بولتون" إلى أن الاستراتيجية الجديدة لإدارة "ترامب" لمكافحة الإرهاب تُعد خروجًا كبيرًا عن نهج إدارة الرئيس السابق "أوباما" في مكافحة الإرهاب. في هذا الإطار، يمكن تحديد أوجه اختلاف استراتيجية ترامب عن سابقتها في ثلاث نقاط رئيسية، هي:

1- الإعلان عن أن الولايات المتحدة تحارب "أيديولوجية إسلامية راديكالية متطرفة"، حيث تجنبت استراتيجية إدارة "أوباما" في توصيفها للتهديدات الإرهابية التي تواجهها الولايات المتحدة استخدام تعبير "الإسلام الراديكالي"، بينما عمدت استراتيجية ترامب إلى استخدام هذا التعبير في توصيف التهديدات الإرهابية. وشدد مستشار الأمن القومي الأمريكي على أن الإدارة الحالية لا تخجل من إدراك الخطر الذي تشكله "الأيديولوجية الإسلامية المتطرفة" و"المتطرفون الإسلاميون".

وأكد "بولتون" على أن الإدارة الحالية في صراع أيديولوجي مع التنظيمات الإرهابية، وبدون إدراك ذلك فإنه لن يمكنها مجابهة التهديد الإرهابي بشكل ملائم. وأضاف أن الاستراتيجية الجديدة تعد أول تحديث للإطار المفاهيمي لمكافحة التنظيمات الإرهابية منذ عام 2011، مؤكدًا أن التنظيمات الإرهابية "الإسلامية الراديكالية"، والحركات الإسلامية الراديكالية"، والأيديولوجية radicalIslamist terrorism”, “radical Islamist movements” لا تزال تمثل تهديدا رئيسا للولايات المتحدة، وأن على الأخيرة ضرورة مجابهة تلك الأيديولوجية المتطرفة.

2- رفض مقاربة أن تغير المناخ أحد الأسباب التي تدفع إلى الإرهاب، حيث قال الرئيس الأمريكي السابق "باراك أوباما" في خطاب له عام ٢٠١٦ عن استراتيجية إدارته لمكافحة التنظيمات المتطرفة العنيفة أن ظاهرة تغير المناخ تُعد أحد الأسباب التي تدفع الأفراد لتبني العنف والإرهاب. لكن "بولتون" قال "لا أعتقد أن تغير المناخ سببًا للإرهاب العالمي".

3- تبني سياسة متشددة تجاه إيران لدعمهما للإرهاب. لم تتبن استراتيجية الإدارة السابقة لمكافحة الإرهاب سياسة متشددة تجاه إيران لدورها المزعزع للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، ودعهما للميلشيات المسلحة بالمنطقة، كونها كانت أكثر تركيزا على برنامجها النووي. لكن إدارة ترامب تتبنى سياسة شاملة تجاه سياسات النظام الإيراني؛ فذكرت استراتيجيتها لمكافحة الإرهاب طهران عشرة مرات، وشددت على ضرورة احتواء النفوذ السياسي الإيراني، وأنشطتها العسكرية والاقتصادية للميلشيات المسلحة.

تناقض السياسات

في الوقت الذي تحذر فيه الاستراتيجية من أن الإرهابيين يسعون إلى تقويض أسلوب الحياة الأمريكي، فإنها تتجاهل الدور الذي تلعبه العديد من السياسات الأمريكية ذاتها، التي غالبا ما يتم تبريرها تحت شعار الحرب على الإرهاب، في تقويض هذا الأسلوب، خاصة السياسة الأمريكية المتشددة تجاه اللاجئين الفارين من نيران الحروب الأهلية، وإنكار حقوق المسلمين الأمريكيين بدلًا من الحديث عن مساهماتهم المهمة داخل الولايات المتحدة وخارجها في مكافحة الإرهاب.

من ناحية أخرى، وفي الوقت الذي تركز فيه هذه الاستراتيجية على محاربة الإرهاب والتنظيمات الإرهابية، وتأكيدها على استمرار الاعتماد على الأداة العسكرية -بجانب أدوات أخرى- نجد في الوقت ذاته أن "استراتيجية الدفاع الوطني" National Defense Strategy  للعام 2018،[2] حولت تركيز الجيش الأمريكي بعيدًا عن مكافحة الإرهاب، لصالح التركيز على مواجهة تهديدات خصوم الولايات المتحدة الاستراتيجيين، خاصة روسيا والصين.

خلاصة القول، إنه رغم تبني الاستراتيجية القومية لإدارة "ترامب" لمكافحة الإرهاب اللهجة القتالية التي تبنتها إدارة الرئيس "جورج دبليو بوش" في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، حيث تشير إلى أن الولايات المتحدة في "حالة حرب"، إلا أن الكثير من السياسات التي تضمنتها تتشابه مع تلك التي طرحتها استراتيجيات الإدارات السابقة كمجابهة الإرهاب من خلال عزل الإرهابين عن مصادر دعمهم، ومنع سيطرة الإرهابيين على الأسلحة، وضرورة مشاركة الحلفاء في تحمل عبء مكافحة الإرهاب. ولم تتضمن الاستراتيجية الجديدة عددًا من السياسات التي روج لها الرئيس "ترامب" منذ اليوم الأول له في البيت الأبيض لمواجهة التطرف والإرهاب داخل الولايات المتحدة، مثل: حظر دخول المسلمين وبناء جدار على الحدود مع المكسيك، لما تثيره من رفض بين عديد من مسئولي الإدارة الأمريكية.


[1] للاطلاع على نص الاستراتيجيةالأمريكية لمواجهة الإرهاب 2018، راجع الرابط التالي:

https://www.whitehouse.gov/wp-content/uploads/2018/10/NSCT.pdf

[2] للاطلاع على نص "استراتيجية الدفاع الوطني" National Defense Strategy 2018، راجع الرابط التالي:

https://dod.defense.gov/Portals/1/Documents/pubs/2018-National-Defense-Strategy-Summary.pdf

طباعة
عمرو عبد العاطي

باحث بمجلة السياسة الدولية - مؤسسة الأهرام