عروض

عرض العدد 49 من الملف المصري "إصلاح التعليم: الفرص والتحديات"

مصطفى كمال * 724 17-9-2018
طباعة

فى ظل تعدد وتداخل الإشكاليات التي تعانى منها المنظومة التعليمية في مصر، فإن إصلاحه أصبح ضرورة ملحة ومطلبًا حتميًا تقتضيه ضروريات تأهيل الأجيال المقبلة لمواجهة تحديات المستقبل، ومن أجل ذلك صار إصلاحه على رأس أولويات الحكومة الراهنة، والتي تجسدت في الخطة التعليمية الجديدة التي طرحها وزير التربية والتعليم طارق شوقي، والتي أصبحت محورًا للنقاش والجدال المجتمعي. وعلى الرغم من الفرص الجيدة التي تقدمها هذه الخطة، إلا أنها تواجه سيلًا من الانتقادات والعديد من التحديات. ومن أجل ذلك يحرص هذا العدد من الملف المصري على عدم الاقتصار على دراسة وتحليل ونقد تلك الخطة الجديدة، بل يحاول البحث في منظومة إصلاح التعليم في مصر معتمدًا على منهج تكاملي من خلال رصد أهم التحديات التى تواجهه سواء كان تعليما حكوميا أو خاصا أو تعليما عاليا أو فنيا، وصولًا إلى طرح العديد من الحلول والبدائل والمناهج الممكنة والملائمة للحالة المصرية، خاصة مع وجود علاقة تبادلية بين المجتمع والعملية التعليمية.  

ويستهل العدد الدكتور حسن شحاتة، الخبير التربوي وأستاذ المناهج فى كلية التربية بجامعة عين شمس، من خلال تقديم رؤية متكاملة حول إصلاح التعليم المصري، من أجل وضعه في إطار المنافسة العالمية، حيث يشير بداية إلى أساليب التعلم، والتي ترتبط بثقافة كل مجتمع ونظمه الاجتماعية، نظرًا لكونه نشاط ااجتماعيا يعكس قيم المجتمع ونظمه، وبالتالي تؤثر أساليب التعلم في المجتمع وتتأثر به في تبادل دائم ومرن ومستمر. وبالتالي، فإن العلاقة بين أساليب التعلم والمجتمع هي علاقة تبادلية، فلا يكون هناك إصلاح للتعلم والتعليم إلا بأن يُسمح له ويساعده ويدعمه تغيير في أهداف المجتمع وفلسفته. ويرى أنه من أجل وضع التعليم المصري في إطار المنافسة العالمية فإن الأمر يتطلب الانتقال بالتعليم من الجمود إلى المرونة، ومن التجانس إلى التنوع فيما يقدمه التعليم للطلاب من خبرات، والتحول من ثقافة الحد الأدنى إلى ثقافة الإتقان والجودة، ومن ثقافة التسليم إلى ثقافة التقويم، ومن الاعتماد على الآخر إلى الاعتماد على الذات. ومن التعليم محدود الأمد إلى التعلم مدى الحياة، والتحول من ثقافة القهر إلى ثقافة المشاركة. والانتقال بالتعليم من ثقافة التحصيل إلى ثقافة التفكير، والاهتمام بتنمية مهارات التفكير الناقد، وتدريسها كمهارات عامة يجب تعلمها في المؤسسات التعليمية، واعتبارها محور بناء البرامج التعليمية، وهو أمر تفرضه طبيعة الحياة المعاصرة التي تزدحم بالتغيرات السريعة والمعقدة، بالإضافة إلى مطالب الحياة الديمقراطية، بل والاجتماعية والاقتصادية على حد سواء.

إلا أن هذه التوصيات السابقة من أجل الوصول بالتعليم فى مصر إلى المنافسة العالمية ربما تواجهها تحديات ليست بالقليلة، بل وتعد معظمها مزمنة وبحاجة إلى حلول جوهرية. وقد ألقى الضوء عليها الدكتور كمال مغيث، الباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية، من خلال تقديمه رؤية نقدية لمنظومة تطوير التعليم، والتى يري أنها تواجه العديد من المشاكل المزمنة، وتأتى في مقدمتها الاعتماد على التلقين والتكرار والحفظ وتجاهل القدرات العقلية، بالإضافة إلى العديد من السلبيات الأخرى التي تشهدها العملية التعليمية من تفشى ظاهرة غياب التلاميذ عن المدارس وانتشار ظاهرة الدروس الخصوصية، و"السناتر"، وانتشار الغش بأنواعه المختلفة، واختفاء الأهداف الوطنية للتعليم. لذلك يرى د. مغيث أن معالجة تلك الإشكاليات تتطلب دعم وتعزيز الانتماء الوطني وتأهيل الخريجين للتفاعل مع مفردات الثقافة بمعناها الحديث والعصري، وتسليحهم بالمناهج والرؤية العلمية التي تؤهلهم لمعالجة المشكلات التي يعاني منها المجتمع والتغلب عليها. وفيما يخص منظومة التعليم الحديثة التي أعلن عنها وزير التربية والتعليم فقد أثير حولها الكثير من النقاش والجدال، بشأن بنودها وعدم وضوح فلسفتها وآلياتها.

وقد أوضح ذلك الجدال المجتمعي الذي أثير حولها أن نجاح وفاعلية أي مشروع وطني لتطوير التعليم يتطلب استيعاب مطالب ووجهات أطراف العملية التعليمية من أولياء أمور وطلبة ومعلمين، وعرض الخطة عليهم من خلال الشرح والتوضيح والتحليل، لضمان نجاح المشروع وتقبله جماهيريًا.

ونظًرا للأهمية الكبيرة التي يحظى بها التعليم العالي في أي مجتمع، باعتباره قاطرة التغيير والقوة الداعمة لتيار الإصلاح والحاضنة لقادة المستقبل والقاعدة الشرعية للإبداع، فقد قدم الدكتور حسام بدراوي، رئيس مجلس إدارة مؤسسة النيل بدراوي للتعليم والتنمية، عددا من السياسات الرئيسية والضرورية من أجل إصلاح التعليم العالي بمصر، للحد من الإشكاليات العديدة التي يعانى منها في مصر، والتي أدت إلى عدم تناسب مخرجاته مع المعايير الدولية. ويرى في هذا الإطار أن ما تمتلكه مصر من رصيدً متراكمً من المعرفة في مؤسسات التعليم العالي، يجعلها مؤهلة لذلك الإصلاح، وذلك يجب أخذه في الاعتبار لأنه يشكل القوة الدافعة للتغيير في التخطيط وتحقيق التقدم، سواء على مستوى سياسة الحكومة أو مؤسسات التعليم.

وتأتى في مقدمة السياسات المقترحة من أجل النهوض بالتعليم العالي وإصلاحه، ضرورة العمل على إعادة هيكلة المؤسسات التعليمية بهدف تحسين الجودة، مع ضرورة أن يتسم نظام التعليم العالي بالتعددية والمرونة، بحيث يتفق مع احتياجات التنمية. وقد رأى أنه نتيجة لصعوبة الفصل ما بين الجامعات ومؤسسات التعليم العالي والبيئة المحيطة بها، فإن  الخيار الأفضل للإصلاح يقتضى اتباع المعالجة التدريجية.

واستكمالًا للرؤية الشاملة والمنهج التكاملى لمنظومة التعليم في مصر، فقد حرص العدد على مناقشة إشكاليات ومنهج إصلاح التعليم الفني في مصر، من خلال المقال التحليلي الذي تقدمه الدكتورة هالة رمضان، أستاذ علم النفس بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، حيث تلقى فيه الضوء على أهمية التعليم الفني في مصر، الذي يُعد أحد دعائم خطط التنمية الاقتصادية والقومية، والمصدر المنوط به إعداد القوى البشرية اللازمة لتزويد قطاعات الإنتاج والخدمات المختلفة بالقوى العاملة الماهرة. إلا أنه على الرغم من أهميته فإنه يعانى من فجوة كبيرة بين الواقع والمأمول؛ نظًرا للمشكلات العديدة التي يعانى منها. وتأتى في مقدمتها انخفاض الكفاءات، وتدني مستوى المهارات وعدم ملاءمتها لاحتياجات سوق العمل. وعلى الرغم من الجهود الرسمية من قبل الدولة والمحاولات المتكررة والمتواصلة للقضاء عليها إلا أنها لم تحقق أهدافها في تطويره. ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى تداخل جميع العناصر المكونة للعملية التعليمية، واعتماد كل منهما على الآخر، وبالتالي فإن هذا النمط من التعليم لن يتم إصلاحه إلا بأسلوب تكاملي يعتمد على العمل في خطة متكاملة لإجراء ما يلزم من إصلاحات بشكل متواز دون إهمال أو إرجاء لتطوير عنصر ما. وذلك يتطلب تخطيط استراتيجي يهدف لإصلاح المنظومة بشكل متكامل. ويختتم العدد الأستاذ عبد الرحمن أيمن، باحث دكتوراه بجامعة الإسكندرية، من خلال رصد وتحليل أهم الإشكاليات التي تواجه إصلاح التعليم الخاص في مصر، حيث يري أنه بالرغم من الأهمية التي يحظى بها في مصر، إلا أنه يواجه عددا من التحديات، ويأتي في مقدمتها القصور في كل من: عملية الالتحاق بالتعليم، وإعداد هيئات التدريس، وفي إطار المحاسبة، وعملية إدارة الجودة، وعدم الفاعلية في الإبداع والتطوير.

ويرى أن هذه الجوانب المختلفة تتطلب أن يتم التعامل مع قطاع التعليم الخاص على أساس من الشراكة، واعتباره جزء من منظومة التعليم في مصر ومكون مهم من مكونات تطويرها، وبالتالي فإن استراتيجية الإصلاح يفترض أن تستند على تعزيز البيئة التنافسية بحيث تحفز مؤسسات التعليم الخاص على تطوير الخدمة بما يقابل احتياجات الطلاب، لا الاعتماد فقط على تعظيم الأرباح، مع وضع آلية للمحاسبة تعتمد على الشفافية ونظام لإدارة وتقييم الجودة بالمؤسسات التعليمية، والقضاء على المصالح المزدوجة، بحيث لا يجوز أن يمتلك أي مسئول في العملية التعليمية أو أقاربه أي حصة في مؤسسات التعليم الخاص، وأن ينص القانون أو القرارات الوزارية ذات الشأن على ذلك، كأحد أهم مبادئ الشفافية في إنفاذ القانون وآليات المحاسبة المختلفة.
 

طباعة
مصطفى كمال

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية