مقالات

غزة... سيناريوهات مفتوحة لمسار انتقالي

محمد جمعة * 1966 26-8-2018
طباعة

اتفاق التهدئة الجديد بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية في غزة، تم إنجازه من خلال وساطة مصرية بالأساس (وجهد أممي أيضًا).لكن وبالنظر إلى أن "المصالحة" لا تزال تراوح فى مكانها، فلربما فضلت القاهرة إرجاء الإعلان عن الإتفاق، لأنها لازالت لا تريد تهدئة أو هدنة من غير السلطة.

هذه "التهدئة الجديدة" ليست بالضبط هي صيغة "الهدوء مقابل الهدوء" كما يعتقد البعض خطأً، أي العودة بالأوضاع في قطاع غزة إلى ما قبل الثلاثين من مارس 2018. كما أنها أيضا ليست صيغة "اتفاق التهدئة" التي تم التوصل إليها بعد انتهاء عملية "الجرف الصامد" عام 2014، حتى وإن كانت تتشابه معها في بنودها. وهذا ما سنفصله لاحقا، لكن علينا أولا أن نشير إلى أننا قبل حوالي إسبوعين تقريبا من الآن، كانت المعطيات على الأرض، والديناميكيات المتصلة بالسياق الفلسطيني، تشير إلى أن القطاع أمام سيناريوهات متعددة، أبرزها السيناريوهات الأربع التالية:

1- الاستمرار لعدة أسابيع أخرى في إعادة إنتاج المشهد الراهن (ما قبل الاتفاق الأخير) أي المراوحة بين "التهدئة الهشة" و"التصعيد المنضبط". هذا السيناريو لم يكن ليصمد طويلا، خاصة أن جولتي التصعيد الأخيرتين (20 يوليو، 8 أغسطس، 2018) كانتا على درجة عالية من الخطورة، بحيث وصلت التطورات الميدانية معهما إلى ملامسة حافة الانزلاق نحو المواجهة المفتوحة.

2- العودة إلى معادلة "الهدوء مقابل الهدوء" التي كانت سائدة قبل تاريخ 30 مارس 2018، أى قبل بداية انطلاق "مسيرات العودة" .

3- الهدوء الذي يؤسس لــ"هدنة طويلة الأمد" يفترض أنه سيجري التوافق حول كافة بنودها، سواء مع وجود السلطة في غزة (في حال تحققت المصالحة) أو من دونها. ومن ثم فإن "التهدئة" هنا يُنظر إليها على أنها التطبيق العملي للمرحلة الأولى من صفقة الهدنة طويلة الأمد.

4- الفشل في تثبيت وقف إطلاق النار، ومن ثم الانزلاق نحو المواجهة العسكرية الواسعة والمفتوحة، على غير رغبة الطرفين( أي إسرائيل وحماس) ولكن بفعل تطور الديناميكيات على الأرض.

الآن، ونتيجة لعوامل متعددة، بعضها يتعلق بطرفي الصراع، وأخرى تتعلق بإرادة الوسطاء والأطراف الخارجية، فقد جرى التوصل إلى صيغة وسط بين السيناريوهين الثاني والثالث، أي بين صيغتي "الهدوء مقابل الهدوء" و"الهدنة طويلة الأمد". بمعنى أنها أكثر من صيغة "الهدوء مقابل الهدوء" كونها تتضمن تسهيلات جديدة على المعابر أمام حركة البضائع والأفراد، فضلا عن توسيع مساحة الصيد أمام الصيادين الفلسطينيين.وهى أيضا أدنى بكثير من " الهدنة طويلة الأمد". كما أنها تختلف كذلك عن صيغة تهدئة ما بعد عملية "الجرف الصامد" عام 2014، كونها تأتي في سياق سياسي مختلف تماما عن ذي قبل، وذلك بالنظر إلى المسعى الأمريكي الواضح لتمرير صيغة "غزة أولا".

بهذا المعنى يمكن القول إن قطاع غزة – وفقا لهذه الصيغة الوسط – سيعيش أجواء "مرحلة انتقالية" ربما حتى نهاية العام 2018، ستكون مفتوحة أمام سيناريوهات مختلفة، ستحاول خلالها كل الأطراف المعنية (وليست إسرائيل، وحماس، والسلطة الفلسطينية فقط) اختبار رهاناتها، واستكشاف ممكنات تحقيق أجنداتها. وفي ضوء ذلك ستتضح أو ستتبلور، في الحاصل الأخير، الوجهة النهائية التي سيتجه إليها قطاع غزة.

من ناحيتها، ستسعى مصر لاستكشاف ما تبقى من ممكنات تحقيق المصالحة، ومن ثم عودة السلطة الفلسطينية من جديد إلى قطاع غزة. وفي هذا السياق، يتعين لفت الانتباه إلى أن القاهرة في خضم هذا الحراك الراهن بشأن غزة، تنطلق وفق رؤية مفادها أن مصر لا تتحفظ على أية جهود دولية تستهدف معالجة الوضع الإنساني في غزة، بل هي جزء منها وتشارك في كل الترتيبات المتعلقة بها. لكن شريطة ألا يكون كل ذلك بديلا عن المسار السياسي الذي يتأسس على وحدة المصير السياسي بين الضفة الغربية والقطاع، لأن غزة ليست قضية إنسانية وإنما قضية سياسية بالدرجة الأولى. وإنفاذا لهذه الرؤية، تتحرك مصر على مسارات ثلاثة تتكامل فيما بينها، هى: تثبيت التهدئة، وعودة السلطة إلى غزة من خلال تحقيق المصالحة، والتعامل مع وضع إنساني هناك قابلا للانفجار، وأضحى غير قابل للاستمرار على النحو الراهن. بهذا المعنى، تبتعد مصر عن صيغة "غزة أولا" بالحسابات الإسرائيلية والأمريكية. ولهذا طالبت القاهرة إدارة ترامب بضرورة الضغط على إسرائيل من أجل تقديم كافة التسهيلات للسلطة الفلسطينية في المنطقة (ج) بالضفة الغربية، كدليل على حسن النوايا، وبما يسهم في طمأنة قيادة السلطة ويبدد مخاوفها إزاء الحراك الراهن بشأن غزة.

أيضا تجاوب المسئولون المصريون مع تحفظات حركة فتح وقيادة السلطة على ورقة المقترحات التي تقدمت بها القاهرة خلال شهر يوليو 2018، والتي وافقت عليها حركة حماس. وطرحوا ورقة جديدة وصفها عزام الأحمد، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، بأنها أقرب إلى وجهة نظر "فتح"، بما يعكس رغبة القاهرة في تذليل كافة العقبات التي تحول دون عودة السلطة إلى غزة.

باختصار، مصر لا تريد تهدئة أو هدنة طويلة على أرضية الإنقسام أو بدون السلطة، ومن ثم ينفصل القطاع عن الضفة. لأنها تريد أن يبقى الأفق مفتوحا أمام الدولة الفلسطينية. كما أنها لا تريد أن يُرمى القطاع فى "حضنها"، ولا أن يذهب بعيدا عنها ليكون بيئة لقوى إقليمية لطالما وظفت "الورقة الفلسطينية" لمصالحها هى وليست لصالح المشروع الوطنى الفلسطينى. كما أنها أيضا –أى مصر– لا تريد أن يبقى القطاع تهديدا لأمنها القومى، ولا أن يتزايد ذلك التهديد إذا شنت إسرائيل عدوانا جديدا على القطاع لا أحد يعلم ما يمكن أن يتمخض عنه، لأن البديل عن "حكم حماس" هى الفوضى، طالما لم تعد السلطة وفى ظل غياب الشراكة الوطنية.

 أما إسرائيل فتبدو حتى الآن (بالنظر إلى نتائج آخر اجتماعين للمجلس الوزاري الأمني المصغر "الكابينت") مترددة ما بين: إبرام "هدنة طويلة الأمد" مع حركة حماس، من دون اعتراف الأخيرة بها، ولا نزع سلاحها، ولا تسليم الجثث والأسرى، وبدون عودة السلطة إلى القطاع. أو إبرام هدنة مع عودة السلطة إلى القطاع. وهنا يمكن القول بأن إسرائيل ربما تفضل الخيار الثاني. بمعنى أن وجود السلطة وإن بدا ليس مهما في صيغة "الهدوء مقابل الهدوء"، إلا أنه يبدو مهما جدا في صيغة "الهدنة طويلة الأمد"، لأن " تل أبيب" تريد أن ينتقل مركز الثقل الفلسطينى إلى غزة.وبناء على سبق يمكن القول إن المرحلة الانتقالية ستمنح إسرائيل فترة كافية لمراقبة مسار "المصالحة" وما يمكن أن يترتب عليه من عودة السلطة إلى غزة، من ناحية. كما ستسمح، من ناحية أخرى، بمراقبة سلوك حماس واختبارها، ولاستكشاف ممكنات إبرام صفقة معها حول تبادل الأسرى (وهذه تحتل مكانة متقدمة لدى الائتلاف الحاكم في إسرائيل) قبل البدء بمباشرة عمليات إعادة الإعمار، أو السماح بفتح الممر البحري بين غزة وقبرص. ولهذا ستحافظ إسرائيل على استمرار "الهدوء" خلال هذه المرحلة الانتقالية، بالنظر إلى أهمية ذلك وفقا لحساباتها واختبار رهاناتها. والشاهد هنا أن "تهدئة 2014" تضمنت بنودا لم يجر تنفيذها على الإطلاق (مثل توسيع مساحة الصيد إلى مسافة 6 ميل بحري)، في حين أن "التهدئة الراهنة" جرى الإعلان عن تنفيذ بعض بنودها (مثل توسيع مساحة الصيد إلى مسافة 9 ميل بحري) حتى قبل الإعلان رسميا عن التوصل إلى اتفاق تهدئة. ما يشير إلى حجم قوة الدفع التي تقف وراء الاتفاق، والتي تعكس رغبة كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، في إعادة تأهيل قطاع غزة على "مقاس" صيغة "غزة أولا".

أما حماس، فهى تريد "مصالحة" تضمن لها رواتب موظفيها، وفي ذات الوقت لا تنهي حكمها للقطاع، وهذا ما رفضه –وما يزال- أبو مازن وحركة فتح حتى الآن. ما جعلها – أي حماس- تبدي استعدادا للهدنة طويلة الأمد. لكن تردد إسرائيل في الموافقة على الهدنة الطويلة لم يُبق لحماس إلا الموافقة على تجديد التهدئة المترافقة مع وقف الطائرات الورقية والبالونات الحارقة، وإبعاد "مسيرات العودة" عن "السياج الحدودى"، مقابل تخفيف الحصار. وهذه هي صيغة التهدئة الراهنة، وتحقيقها يعني أن تبقى الأمور مرشحة لكل الاحتمالات، بما فيها المواجهة، لكن ليس الآن بالتأكيد.

ولأن هناك ما يشير إلى أن حماس ما زالت تعطي الأولوية لاستمرار سيطرتها الانفرادية على قطاع غزة على أي خيار آخر، فستظل تفضل "الهدنة طويلة الأمد" مقابل رفع الحصار، على تسليم غزة بالكامل للسلطة الفلسطينية. كون الخيار الأول يضمن لها استمرار سلطتها من دون أن تضطر إلى الاعتراف بإسرائيل. وعليه ستظل حماس خلال هذه المرحلة الانتقالية – بعد إنجاز الاتفاق الأخير- تناور وتراقب على أمل أن توافق إسرائيل على هدنة طويلة الأمد، من دون اشتراط "عودة السلطة" إلى غزة. بيد أن رغبتها في ذلك ستُواجه بتكتيك إسرائيلي مضاد، يسعى إلى مساومتها على صفقة تبادل أسرى بشروط أفضل لإسرائيل، ومن دون البدء الفعلي في عمليات إعادة الإعمار، أو رفع الحصار بشكل كامل. وهذه الصيغة يصعب على بعض "صقور حماس" ابتلاعها، ولهذا سيظل المشهد مفتوحًا على احتمالات عدة، كما سبقت الإشارة.

وأخيرا، وفيما يتعلق بالسلطة الفلسطينية، يبدو أنها أرادت وضع حماس أمام سيناريوهات أحلاها مر، تشمل: إما بقاء الوضع على حاله، وهذا ينذر بالانهيار أو الانفجار الذي قد يكون ضمن احتمالاته ثورة أهل غزة ضد حماس. أو مواجهة عسكرية غير متكافئة مع الاحتلال الإسرائيلي في ظروف فلسطينية وعربية ودولية غير ملائمة. أو تسليم القطاع بالكامل للسلطة ودون الاحتفاظ بأية صلاحيات.

الآن، وبعد أن منحت الظروف حركة حماس صيغة التهدئة الراهنة، فقد يستوجب ذلك إجراء تعديلات على مواقف فتح ورئيس السلطة، خاصة بعد أن تقدمت القاهرة بورقة جديدة أقرب إلى وجهة نظر "فتح". وأيضا بعد أن أفضت عمليا سياسة فرض عقوبات من قبل رئيس السلطة على غزة إلى نتائج معاكسة، بدليل أن حماس استمرت لاعبًا رئيسا رغم مأزقها الشديد، وكادت أن تصل إلى "هدنة طويلة الأمد" مع إسرائيل. صحيح أنها لم تتحقق حتى الآن، ولكنها يمكن أن تتحقق في نهاية تلك المرحلة الانتقالية، وخصوصًا أنه لا بديل عن حكم حماس في القطاع سوى الفوضى (طالما أن فتح والسلطة ترفضان العودة إلى غزة). وهذا يعني في الحاصل الأخير أن عدم تجاوب رئيس السلطة الفلسطينية (رغم تقديم الورقة الجديدة) قد يتسبب في تكبيد حركته ثمنا باهظا، ليس أقل من تمدد نفوذ حماس أكثر فأكثر، وتأكيد مكانتها. وبالمقابل المزيد من التآكل في مكانة السلطة وفتح.

جملة القول إذن، إن غزة بعد اتفاق التهدئة الجديد أصبحت تعيش أجواء مرحلة انتقالية ستستمر لبعض الوقت، بعدها سنعرف على وجه اليقين هل تسير غزة نحو "هدوء" يتطور إلى "هدنة طويلة الأمد"، أو نحو مواجهة عسكرية جديدة، لن تكون نتائجها –مهما كانت- في صالح القضية الفلسطينية.

ولعل هذا هو السبب في استمرار تذكير القاهرة للنخب الفصائلية بأنالطريق لما يسمى "صفقة القرن" مدخلها استمرار الانقسام، ومن ثم السماح بانفصال غزة، أو تحويلها من "مخزون للوطنية الفلسطينية" إلى "خاصرة رخوة" تجري محاولات توظيفها لتمرير صيغ تصفوية للمشروع الوطني الفلسطيني. وعليه، فإن مسئولية القيادة الفلسطينية تتطلب القفز نحو غزة بكل ما يجب دفعه من ثمن لتحقيق المصالحة، بدلا من الإصرار على الانزواء بعيدا، ورفع سقف شروط العودة إلى غزة!!.

طباعة
محمد جمعة

باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية