متابعات تحليلية

أبعد من تأكيد الهوية اليهودية... خلفيات وتداعيات قانون القومية

سعيد عكاشة * 1782 26-7-2018
طباعة

بعد إقرار البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) للقانون المثير للجدل المعروف إعلاميا بقانون القومية، ثارت تساؤلات عديدة حول مغزى تمرير القانون في هذا التوقيت، والتداعيات المُحتملة؛ القريبة والبعيدة لصدوره في الداخل الإسرائيلي، وأيضا على الصعيدين الدولي والإقليمي. 

الشروط الإسرائيلية للقبول بحل الدولتين

بداية كان هناك جدل ممتد ومكثف منذ الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000 حول شروط السلام المقبولة لدى إسرائيل للقبول بدولة فلسطينية، وأهمها ضرورة اعتراف الفلسطينيين بإسرائيل كدولة يهودية، وكشرط مسبق للتفاوض حول الحل النهائي للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي. الكثير من المتابعين اعتبروا أن خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين ناتانياهو في جامعة بار ايلان في يونيو عام 2009 كان بمثابة تحول رئيسي في مسار الصراع التاريخي بين الجانبين، وذلك عندما أعلن ناتانياهو في خطابه المذكور استعداده للقبول بحل الدولتين، متجاوزا في ذلك المواقف المتشددة والثابتة لليمين القومي الإسرائيلي، والتي كانت ترفض أي حديث عن الاعتراف بحق الفلسطينيين في دولة خاصة بهم. ولكنه اشترط أن يقدم الفلسطينيون اعترافا بحق اليهود التاريخي في فلسطين. وأوضح ناتانياهو حينها أن اتفاقات التسوية الجزئية مع الفلسطينيين، على غرار اتفاق أوسلو وملحقاته خلال الفترة (1993- 2000)، لم تتحدث سوى عن اعتراف "سياسي" بدولتين، وهو اعتراف إجرائي في إطار منظومة العلاقات الدولية، ولكن مثل هذا الاعتراف لا يكون كافيا لتحقيق السلام في الحالة الخاصة والفريدة التي ميزت الصراع الفلسطيني- الاسرائيلي تاريخيا، وأن السلام الحقيقي يمكن التوصل إليه فقط عندما يقتنع الفلسطينيون ويعترفون بأن للشعب اليهودي حقاً "تاريخيا" في فلسطين وليس حقا سياسيا تقتضيه تسوية النزاعات بين طرفين خاضا صراعا ممتدا تتحدد فيه الحقوق السياسية بموجب موازين القوى العسكرية بينهما. 

على الجانب الفلسطيني، كان هناك إدراك لخطورة ما يطالب به ناتانياهو على أكثر من صعيد. فمن ناحية أولى، فإن القبول بطرح ناتانياهو يعني الدخول في صدام مباشر مع الثقافة الفلسطينية والعربية والإسلامية التي تبلورت حول مفهوم "الاغتصاب الصهيوني لفلسطين"، والتي صاغت عقل ووجدان أجيال متعاقبة على امتداد الدوائر الثلاثة المذكورة.  

من ناحية ثانية، هذا الطرح يعني إسقاط حق العودة للفلسطينيين والمقر به دوليا في القرار الأممي المعروف (القرار 194 لعام 1949)، وهو ما يشكل تنازلا لا يمكن لأي سلطة فلسطينية تقديمه دون موافقة ما يقرب من تسعة ملايين فلسطيني ولدوا وعاشوا في المنفي منذ حرب 1948 وحتى الآن. 

من ناحية ثالثة، سيترتب على القبول الفلسطيني بهذا الطرح الإضرار أيضا بمصالح فلسطينيي إسرائيل (فلسطينيو 48)، ذلك أن اعتراف أي سلطة فلسطينية بإسرائيل كدولة يهودية، سيعني حرمان هؤلاء من أي حقوق قومية لهم داخل إسرائيل، وإفراغ الجهد التاريخي الذي بذلوه إما للحصول علي حكم ذاتي لهم داخل إسرائيل باعتبارهم أقلية قومية، أو بالدفع في اتجاه تبني شعار "إسرائيل دولة كل مواطنيها" لمنع التمييز بين اليهود والفلسطينيين داخل الدولة العبرية.  

من ناحية رابعة، فإن القبول بالطرح الإسرائيلي سيعني أيضا إضاعة المكتسبات التي حققها الفلسطينيون عبر نجاح حركة "مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها" Boycott, Divestment, Sanctions (BDS) الواسعة الانتشار في العالم، والتي تهدف لعزل إسرائيل وإدانة سياستها العنصرية ضد الفلسطينيين.  

قانون القومية... لماذا الآن؟

إذا كان قانون القومية قد مر في الكنيست وبات تشريعا يجب أن تخضع أجهزة الدولة العبرية له، إلا أنه سبقته كما أوضحنا جدلا ممتدا منذ عام 2000، تبلور في النهاية في عام 2011 بتقديم النائب آفي دختر (رئيس جهاز الشاباك السابق) مشروع القانون، الذي بدا في جوهره ترجمة مباشرة لاشتراطات ناتانياهو الواردة في خطاب بار ايلان للقبول بحل الدولتين. كما بدا أيضا استباقا لإمكانية نجاح الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس أوباما في الضغط على إسرائيل للتوصل إلى سلام مع الفلسطينيين. بنفس الكيفية يبدو أن إسرائيل تخشى الضغوط الأمريكية المُحتملة من جانب إدارة الرئيس ترامب في الوقت الراهن لفرض ما يسمي بصفقة القرن على الفلسطينيين والإسرائيليين معا.

إذ يبدو ناتانياهو محاصرا بالخوف من فقدان التأييد الذي يحظى به من الرئيس الأمريكي، والذي يوصف بأنه الأقوى تاريخيا، في حالة رفضه هذه الصفقة. هذا من جانب، وعلى الجانب الآخر يخشى ناتانياهو أن تؤدي صفقة القرن في حالة تمريرها إلى ترك بعض الملفات العالقة مع الفلسطينيين للتفاوض لاحقا مثلما فعل الرئيس ترامب حين اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، في الوقت الذي أكد فيه على أن هذا الاعتراف لا يعني إقرارا بحدود المدينة وفقا للتصور الإسرائيلي أو الفلسطيني، تاركا الأمر لمفاوضات تجري مستقبلا بين الجانبين. وبمعنى أكثر وضوحا أراد الائتلاف الحاكم الذي يقوده ناتانياهو إخراج أي مطالب للفلسطينيين بحق العودة، أو جعل "إسرائيل دولة كل مواطنيها" (كما يريد فلسطينيو الداخل) خارج أية مفاوضات مستقبلية حول صفقة القرن في حالة قبول الطرفين بها. 

وقد أوضحت تصريحات وتحليلات إسرائيلية أن تمرير القانون استهدف مواجهة أوضاع محتملة حال إمكانية التوصل إلى تسوية للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي. على سبيل المثال، صرح آفي دختر (صاحب مقترح القانون) عقب تمرير القانون في الكنيست بقوله: "منذ أن بدأت بالدفع قُدما بهذا القانون، قيل لي إن صيغته مفهومة تلقائيا، ولكن ما كان بالإمكان تجاهل أقوال القائمة المشتركة" (يقصد قائمة مشكلة من نواب عرب داخل الكنيست)... "نحن سننتصر، لأننا كنا هنا قبلكم وسنكون بعدكم... إن هذا القانون هو الرد المناسب على كل من يفكر هكذا". في المقابل، عبر رئيس القائمة المشتركة (أيمن عودة) عن مخاوف فلسطينيي الداخل الإسرائيلي بقوله: إن القانون هو بمثابة تكريس للتفرقة والتمييز والتفوق العرقي والعنصرية. ووصف القانون بأنه "يهدف إلى زرع التفرقة والاستفزاز والإذلال، وهو استمرار لعروض التحريض الذي تقوم بها حكومة ناتانياهو". وأضاف عودة أن القانون يقصي 20 بالمئة من مواطني إسرائيل.  

التداعيات السلبية للقانون وإمكانية مواجهته

لم يكن تمرير قانون القومية بالأمر السهل على الكنيست، حيث رفض القرار 55 نائبا من أصل 120 نائبا، فيما امتنع نائبان عن التصويت وغاب نائب آخر عن الحضور، ليمر القانون في النهاية بأغلبية 62 صوتا. وقد صاحب عملية التمرير نقاشا حادا حول تأثير هذا القانون على صورة إسرائيل في الخارج في ظل اتهامات لها بالتحول إلى دولة "فاشية"، وأيضا على علاقة إسرائيل بيهود الخارج، خاصة في الولايات المتحدة التي تنشط فيها حركة J-street التي يسيطر عليها شباب اليهود ذوي التوجهات اليسارية المؤيدين لحل الدولتين والرافضين للسياسات العنصرية الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين. وأخيرا تسبب القانون ذاته في تصدع العلاقات الدرزية- اليهودية؛ فمن المعروف أن الطائفة الدرزية في إسرائيل هي أكثر طوائف فلسطينيي إسرائيل اندماجا في الدولة العبرية، ويخدم أبناؤهم في الجيش الإسرائيلي منذ عام 1953. وقد عبر أحد النواب الدروز الثلاث في الكنيست، وهو أكرم حسون من حزب "كولانو" عن صدمته في القانون الذي يتنكر لتضحيات الدروز من أجل دولة إسرائيل، ويقيم ضدهم تميزا صارخا قد يهدد العلاقات التاريخية بين اليهود وبينهم مستقبلا. والمثير للقلق أكثر بالنسبة لحكومة ناتانياهو أن النواب الثلاث قد هددوا برفع شكوى ضد القانون أمام المحكمة العليا الإسرائيلية، وهو ما يفتح الباب أمام تكتل فلسطينيو إسرائيل للذهاب في الاتجاه ذاته، وربما البحث في طريقة لإسقاط القانون لاحقا داخل الكنيست عبر آليات تعديل ما يسمي قوانين أساس الدولة (قوانين بديلة لعدم وجود دستور في إسرائيل).

في كل الأحوال لا يبدو أن أمام الفلسطينيين في السلطة أو غزة (التي تحكمها حركة حماس)، أي فرصة لمواجهة قانون القومية، حيث تبدو إدارة ترامب مقتنعة بضرورة اعتراف الفلسطينيين بإسرائيل كوطن للشعب اليهودي وكشرط لأية تسوية سياسية مستقبلا، سواء تمت عن طريق التفاوض أو عن طريق صفقة القرن التي يجهزها ترامب. ومن ثم، ليس أمام السلطة الفلسطينية تحديدا سوى الاستثمار في فلسطينيي الداخل الإسرائيلي ليقوموا بالدور الأكبر في معركة إلغاء هذا القانون، وذلك عبر الاستثمار في تحريض الدروز والكتل المناوئة لناتانياهو للذهاب إلى المحكمة العليا الإسرائيلية واستصدار حكم يقضي بضرورة تعديله على الأقل، وهو ما ينقل المعركة ضد القانون من ساحة المواجهة بين الفلسطينيين وإسرائيل دوليا إلى الداخل الإسرائيلي، بما تحمله هذه المواجهة من مخاطر على التماسك الاجتماعي والسياسي الداخلي، وأيضا على إمكانية استمرار اليمين المتطرف بقيادة ناتانياهو في الإمساك بدفة الحكم في إسرائيل مستقبلا.

طباعة
سعيد عكاشة

باحث مشارك - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية