متابعات تحليلية

وكالة تصنيف ائتماني محلية... هل تكفي لمعالجة أزمة الثقة في الاقتصاد التركي؟

كرم سعيد * 831 19-7-2018
طباعة

على الرغم من حسم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وحزبه العدالة والتنمية، الاستحقاقين الرئاسي والبرلماني الذي شهدته البلاد في 24 يونيو الماضي (2018)، ما يزال الوضع الاقتصادي يشوبه الكثير من المشكلات. فقد فقدت الليرة التركية ما يقرب من 20 في المئة من قيمتها أمام الدولار. ووصل العجز في الميزان التجاري بحسب تقرير المفوضية الأوروبية الصادر في يونيو 2018 إلى 8,8 في المئة بنهاية مايو 2018 مقارنة بنحو 5,6 في المئة في العام 2017.

وفي محاولة للتحايل على حالة الاستقطاب السياسي والتباطؤ الاقتصادي، روجت نخب الحكم في تركيا لفكرة وجود "مؤامرة" خارجية لضرب الاقتصاد التركي، والتأثير على قرار الناخب التركي. فقد وصف أردوغان في أحد خطاباته في شهر مايو 2018 انخفاض قيمة الليرة بأنه "أحدث مؤامرة للإطاحة به من السلطة".

وفي سياق هذا التوجه، اتخذت الحكومة التركية عددا من الإجراءات الأخرى عشية إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية والبرلمانية كان أبرزها رفع سعر الفائدة، وتحجيم فاتورة الاستيراد. لكن الإجراء الأهم تمثل في الاتجاه نحو إنشاء وكالة تصنيف ائتمانية محلية، على خلفية الشكوك التركية المستمرة في وكالات التصنيف الائتماني الدولية نتيجة قيام الأخيرة بتخفيض التصنيف الائتماني لتركيا ونشر مؤشرات سلبية حول الاقتصاد التركي. فقد خفضت مؤسسة "موديز" Moody’s في مارس 2018 التصنيف السيادي لتركيا من BA1 إلى BA2. كما خفضت تصنيفها لـ 17 بنكا تركيا، إضافة إلى الإعلان عشية إعلان نتائج الانتخابات التركية عن أنها ستراقب الموقف في البلاد. ومن جهتها أدرجت مؤسسة "فيتش" Fitch 25 بنكاً تركيا تحت المراقبة بعد تدهور سعر الليرة، مع الإشارة  إلى أخطار أخرى تهدد الأصول والسيولة لدى المؤسسات المصرفية.

هذه التصنيفات والتقييمات الائتمانية السلبية للاقتصاد التركي أثارت غضب الحكومة التركية التي اعتبرتها مسيسة وغير منصفة، ولا تعكس الحالة الحقيقية للاقتصاد. لكن سيظل السؤال: هل بإمكان الإجراءات التركية، خاصة إنشاء وكالة تصنيف ائتمانية محلية، القفز على حالة الانقسام السياسي ومعالجة مشكلة التباطؤ الاقتصادي؟ واقع الأمر، هناك عوامل عديدة قد تحول دون ذلك، نناقشها فيما يلي:

العامل الأول، يتعلق باستمرار تنامي الصراع بين الرئيس التركي والبنك المركزي، وإصرار أردوغان على التدخل في رسم السياسة النقدية بعد فوزه في الانتخابات. كشف عن ذلك إصدار مرسوم قانوني عشية فوز أردوغان بتخفيض مدة ولاية محافظ البنك المركزي إلى أربع سنوات بدلا من خمس سنوات،وصدور مرسوم قانوني آخر يؤكد على أحقية الرئيس في تعيين محافظ البنك المركزي ونوابه وأعضاء لجنة السياسة النقدية لفترة مدتها أربعة أعوام. وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس التركي قبيل العملية الانتخابية كان قد تعهد ببسط سيطرة أكبر على البنك المركزي، وهو ما أدى إلى انهيار في سعر صرف الليرة، وتوجه قطاع كبير من المستثمرين الأجانب إلى سحب أموالهم من الأسواق التركية.وبعد حسم انتخابات الرئاسة، أعاد أردوغان -الذي يصف نفسه بأنه "عدو أسعار الفائدة"- التأكيد على أنه يتطلع لسيطرة أكبر على السياسة النقدية في ظل النظام الجديدلمعالجة ارتفاع أسعار الفائدة والتضخم وعجز كبير في الحساب الجاري.

العامل الثاني، يتعلق بتوجه الرئيس التركي نحو تقليص دور المجموعة الاقتصادية، وقصرها على أهل الثقة بهدف تحقيق المزيد من السيطرة على مفاصل عملية صنع السياسة النقدية، وهو ما تحقق من خلال تقليص أعضاء الحكومة، وتولي صهر الرئيس بيرات البيراق مسئولية وزارة المالية والخزانة.

وقد كانت ردة فعل الأسواق على تعيين البيراق سلبية، إذ تراجعت قيمة الليرة التركية بحوالي 3 في المئة بعد يوم واحد فقط من توليه هذا المنصب. كما تراجعت مؤشرات البورصة، وارتفع سعر الفائدة على سندات الخزانة،إضافة إلى تصاعد قلق المستثمرين جراء غياب وجوه معروفة من مؤيدي اقتصاد السوق، في الصدارة منها نائب رئيس الوزراء السابق للشئون الاقتصادية محمد شيمشك. ناهيك عن مخاوف من موقف البيراق المماثل لتوجه أردوغان، فكلاهما يدعو إلى تخفيض معدلات الفائدة بشدة، ويعتقدان أنها السبب الأساسي وراء أزمات الاقتصاد التركي. بينما ترى المؤسسات المالية العالمية أن البنك المركزي التركي يجب أن يحتفظ باستقلاليته ويرفع سعر الفائدة للجم التضخم.

ولذلك، فقد شكل تعيين البيراق مفاجئة صادمة لقطاعات استثمارية واسعة، كانت تتوقع استمرار وزراء المجموعة الاقتصادية المؤيدة لاقتصاد السوق في الحكومة السابقة، وبخاصة وزير المالية ناجى أغبال، لاسيما أن أردوغان لم يدفع بهم على قوائم الحزب في الانتخابات البرلمانية الأخيرة. بالإضافة إلى ما سبق، ثمةضعف ملحوظ يعاني منه المركز الخارجي لتركيا ومتطلبات الاقتراض، ناهيك عن تركيز السلطات النقدية التركية على إجراءات قصيرة الأجل على حساب سياسة نقدية فعالة وإصلاح اقتصادي جوهري، وهو ما أدى إلى إخفاق الحكومة في علاج تفاقم معدل التضخم وتراجع قيمة الليرة.على صعيد آخر، ثمة تراجع ملحوظ في ثقة المؤسسات الدولية في الاقتصاد التركي، وبدا ذلك في تحذير صندوق النقد الدولي، في تقرير له حول تركيا في فبراير 2018، من مخاطر يواجهها الاقتصاد أبرزها ارتفاع معدل التضخم نتيجة عدم رفع سعر الفائدة.

وعلى ضوء اتساع فجوة الثقة بين تركيا والمؤسسات الدولية، اتجهت تركيا نحو تصعيد خطابها ضد هذه المؤسسات. في هذا السياق، انتقد أردوغان في خطابه عمل وتوجهات المؤسسات الاقتصادية الدولية، حيث قال، على هامش المؤتمر الإقليمي السادس لحزب العدالة والتنمية الذي عقد في 12 مارس 2018: "إن كان هناك من يدير تركيا فهو أنا وليس أنتم. خذوا نقودكم فقط ولا تعتبروا أنكم تديرون تركيا".

العامل الثالث، يتمثل في التوترات الإقليمية، وآليات تعاطي الحكومة التركية معها، باعتبارها أحد العوامل المؤثرة على استقرار الداخل التركي. فقد فقدت أنقرة جزءا معتبرا من أسواقها في المنطقة العربية بفعل سعيها إلى التدخل في الشئون الداخلية لعدد من دول المنطقة. كما اتسعت الهوة بين أردوغان والمعارضة التركية منذ انخراط تركيا عسكريا في الأزمة السورية، ناهيك عن تراجع علاقات أنقرة، التجارية والسياسية، مع بغداد وإقليم كردستان العراق بفعل تزايد التدخل التركي في شمال العراق تحت دعاوى محاربة حزب العمال الكردستاني، وكذلك معارضتها لاستفتاء الاستقلال الذي أُجري في الإقليم في سبتمبر 2017.

العامل الرابع، يرتبط باستمرار التصعيد التركي ضد الأكراد في جنوب شرق تركيا، وغياب المشروعات التنموية، الأمر الذي فاقم من مشكلات الفقر والبطالة، ووفر بيئة خصبة لتنامي العنف.

بمعنى آخر، وعلى الرغم من حسم الرئيس التركي وحزب العدالة والتنمية للاستحقاقات الانتخابية، والتوجه نحو إعادة هيكلة المنظومة السياسية والأمنية، بجانب اتخاذ إجراءات اقتصادية عديدة، في الصدارة منها تأسيس وكالة ائتمان محلي، إلا أن هذه الشروط لن تكون كافية للقفز على التباطؤ الاقتصادي، وسيعتمد الأمر على مجموعة من العواملالأخرى المهمة، أولها معالجة حالة الاحتقان السياسي، وتفعيل دور المؤسسة القضائية تجاه قضايا المعتقلين والمفصولين منذ محاولة الانقلاب في يوليو 2016، دون سند قانوني. وثانيها رفع رئيس الدولة الوصاية عن سياسات البنك المركزي، وعودة الوجوه التي تحظى بثقة المستثمرين الأجانب. وثالثها،مدى اتجاه الحكومة الجديدة نحو تطبيق سياسات اقتصادية يمكن أن تفرض تداعيات إيجابية وتوفر بيئة حاضنة للاستثمارات من جهة، وتمنح المؤسسات الاقتصادية في الداخل أريحية في اتخاذ إجراءات سليمة تعزز من الثقة الدولية في الاقتصاد التركي. وأخيرًا، وليس آخرًا، إعادة النظر في توجهات السياسة الخارجية، والابتعاد عن التدخل في شئون دول الجوار.

القصد إن توجه تركيا نحو إعادة هيكلة مؤسساتها النقدية، إضافة إلى بناء وكالة تصنيف محلية، قد لا يسعفها في التحايل على حقيقة الأوضاع الاقتصادية، خاصة أن وكالات التصنيف الائتماني الدولية تحظى بثقة دولية كبيرة لدى مجتمع الأعمال الدولي. كما أن إصرار تركيا على الانخراط في الأزمات الداخلية لعدد من دول المنطقة بشكل يعقد ويعمق من هذه الأزمات، إضافة إلى أن الدور التركي في "أدلجة" العديد من الصراعات الإقليمية يؤثر بلا شك على القدرات التنافسية للسوق التركية.

طباعة
كرم سعيد

باحث متخصص في الشأن التركي- مجلة الديمقراطية، مؤسسة الأهرام