عروض

عرض تقرير الاتجاهات الاقتصادية الاستراتيجية 2017

مجدى صبحى * 2359 7-6-2018
طباعة

يطرح التقرير هذا العام مجموعة من التطورات والقضايا الاقتصادية التي نراها حاكمة في مستقبل تطور الاقتصاد المصري والإقليمي والدولي.

وبينما يركز القسم المصري على السياسات الاقتصادية بعد عام من تطبيق برنامج "الإصلاح الاقتصادي" مع صندوق النقد الدولي، فإن هذا القسم يبدأ بدراسة عامة تطرح فيها د. شيرين الشواربي السؤال المحوري الذي يشغل أذهان الجمهور والمختصين، بل وصناع القرار. ففي دراستها "برامج الإصلاح الاقتصادي: هل حان وقت الانطلاق لمرحلة التحول الاقتصادي؟"، تتساءل عما افتقده الاقتصاد المصري في السياسات الاقتصادية المطبقة طوال العقود الماضية لتحقيق "التحول الاقتصادي"؟ والهدف الرئيسي هو تحديد القضايا ذات الأولوية التي يجدر الاهتمام بها والبت فيها واتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجتها لضمان نتائج أوسع تأثيرًا، وأطول عمرًا، وأعلى فائدة لمجموعة الإصلاحات الاقتصادية والمشروعات العديدة الراهنة مما عهدناه في تجاربنا السابقة.

تشير د. شيرين إلى ارتباط اشتداد الاختلالات الاقتصادية في أغلبه باتفاقات مع صندوق النقد الدولي وأحيانًا البنك الدولي. وكان التركيز دائمًا على الاختلالات الاقتصادية الكلية- والتي تتمثل في عجز الموازنة العامة وعجز ميزان المدفوعات وما ينتج عنهما من ارتفاع في معدلات التضخم، وربما أيضًا الانخفاض في قيمة العملة الوطنية، وفي الاحتياطيات الدولية من الصرف الأجنبي. وللأسف لم تحظ الاختلالات الهيكلية؛ والتي تتعلق بالهيكل القطاعي للناتج المحلي، والسياسة الصناعية، وانخفاض الإنتاجية، وجمود سوق العمل، وعلاقة الدولة بقطاع الأعمال، وتنافسية التجارة مع العالم الخارجي، وضعف المؤسسات، وصعوبة الحصول على التمويل، إلخ؛ بالاهتمام الواجب في أي من هذه المحاولات المتكررة لإصلاح الاقتصاد المصري. كما تم التراجع عن العديد من الإصلاحات في مرحلة لاحقة، سواء تحت ضغوط أو تخوفًا من سخط عام، أو من أجل شراء رضا الناس لأسباب سياسية، أو تحت ضغوط المتضررين من أصحاب الامتيازات، أو الاكتفاء بنتائج المدى القصير وتخطي الأزمة.

وقد عرضت الدراسة بعد ذلك  لمسيرة مصر مع الإصلاح منذ الستينيات والتي لم ينتج عنها استمرار معدلات عالية للنمو إلا لسنوات محدودة، فاتسعت الفجوة بين الاقتصاد المصري ومجموعة الاقتصادات التي انضمت إلى نادي التجارب الناجحة. فبعد أن تشير إلى الوضع الاقتصادي لمصر مقارنة ببعض دول ما يسمى بدول "المعجزة الآسيوية" مثل الصين وتايلاند وإندونيسيا وكوريا الجنوبية منذ الستينيات تؤكد على أن العديد من الدراسات تبين أن القصص المبهرة لنجاح بعض الاقتصادات في تحقيق معدلات نمو مرتفعة مستدامة ليست "معجزات اقتصادية"، لأنه يمكن تفسير النمو المطرد الذي تحقق فيها بمجموعة من العناصر المشتركة التي تجمع بين تجارب هذه الدول؛ وبالتالي يمكن للدول التي لاتزال تسعى لتحقيق التقدم والتنمية تكرار هذه القصص المبهرة للنمو والتنمية لو أحسن صانعو القرار فيها فهم هذه العناصر، ووضعوها في إطارها الصحيح وقاموا بتنفيذها بفعالية.

وتعرض الباحثة فيما بعد لأهم عناصر السياسات التي ترى أنها أسهمت في تحقيق معدلات نمو عالية ومستدامة لمجموعة من الدول تشابهت ظروفها معنا في وقت من الأوقات.وبناء على ما استخلصته من دراسات موثوق في عمقها وجديتها أمكنها التمييز بين مجموعتين من عناصر النجاح في تحقيق معدلات عالية من النمو المستدام. المجموعة الأولى تتعلق بالإطار العام الذي يتم فيه صنع السياسات، وتشمل الانفتاح على الخارج، والاعتماد على آليات السوق في تخصيص الموارد مع السماح بتدخلات من الحكومة لعلاج فشل ما في أداء الأسواق وبصفة مؤقتة، والالتزام المستمر بالسياسات الإصلاحية في ظل وجود قيادة واعية وحكومة موثوق بها، ودور فعال لمؤسسات قوية، وحوار مجتمعي موضوعي وبناء. ثم عرضت لوجهة نظرها في القيود الأساسية التي كبحت تقدم الاقتصاد المصري خلال العقود الماضية، وهو ما يجدر بالتالي الاهتمام بها والتركيز عليها حتى نطلق العنان لإمكانات الاقتصاد المصري ليلحق بمن سبقه في مضمار النمو والتنمية.

وتقدم د. سلوى العنتري دراسة بعنوان "السياسة النقدية.. عام على اتفاقية قرض الصندوق".وتشير بداية إلى أن تعهدات البنك المركزي في برنامج القرض تمثل الشق المتعلق بدور السياسة النقدية في تنفيذ حزمة السياسات المشار إليها. ومن أهم هذه التعهدات تحرير سعر الصرف، وإحداث تراكم في احتياطيات النقد الأجنبي وإيداعها بالكامل لدى البنوك الدولية في الخارج. وتم التعهد بإتباع سياسة نقدية انكماشية تستهدف التخفيض التدريجي لمعدلات التضخم في الأجل المتوسط لتصل إلى أقل من 10%. وتوضح تلك التعهدات أنه فيما يتعلق بارتفاعات الأسعار الناجمة عن التأثير المباشر لقرارات تعويم سعر الصرف، ورفع أسعار المنتجات البترولية وتطبيق ضريبة القيمة المضافة، فإن دور البنك المركزي سيقتصر على "استيعاب" accommodateتلك الآثار، والتركيز على مواجهة آثار الموجة الثانية لتك القرارات ومنع ضغوط الطلب الكلي من خلال الحد من التوسع الائتماني وتعقيم السيولة الناتجة عن عمليات التراكم في الاحتياطيات الدولية.وتتمثل عناصر السياسة النقدية الانكماشية التي تعهد البنك المركزي باستخدامها في: رفع أسعار الفائدة، وطرح مزادات الودائع لامتصاص وتعقيم فائض السيولة المتاح لدى البنوك، فضلًا عن رفع نسبة الاحتياطي القانوني على الودائع. كما تم التعهد بتقييد حجم التمويل الممنوح من البنك المركزي للحكومة والهيئات العامة الاقتصادية والبنوك. وتم التعهد أيضًا بتعديل قانون البنك المركزي بما يؤدي إلى تقليص دوره في تحقيق التنمية ورفع معدلات التشغيل أو مساندة الحكومة والبنوك المتعثرة. وتخلص العنتري إلى أن تلك التعهدات، التي يتم النص عليها تحت شعار تعزيز حوكمة واستقلالية البنك المركزي، تشير إلى سعي واضح لاستبعاد أي دور للسياسة النقدية في رفع معدلات النمو والتشغيل، واستبعاد أي دور للبنك المركزي في مساندة الحكومة أو البنوك العامة عند التعرض لأزمة من الأزمات. 

وتنطلق الباحثة إلى تقييم أداء السياسة النقدية بعد عام من تطبيق الاتفاق، فتخلص إلى أن أداء السياسة النقدية خلال عام 2017 مثل تنفيذًا "مخلصًا" للتعهدات الواردة في برنامج قرض صندوق النقد الدولي. وأسفر ذلك الأداء عن اختفاء السوق السوداء للنقد الأجنبي، وتحقيق زيادة كبيرة في الاحتياطيات الدولية، والتخفيض النسبي لنصيب الحكومة من إجمالي الائتمان المحلي لصالح كافة القطاعات الأخرى، ولاسيما قطاع الأعمال الخاص. وتمثلت تكلفة تلك النتائج في انخفاض قيمة الجنيه المصري بأكثر من 50%، وارتفاع معدلات التضخم وفقًا للرقم القياسي لأسعار المستهلكين، شملت كل بنود الإنفاق على الحاجات الأساسية للأسرة المصرية، والإطاحة بجزء معتبر من القيمة الحقيقية لمدخرات القطاع العائلي في البنوك، وارتفاع تكلفة الدين العام في الموازنة العامة للدولة.

إلا أن أخطر ما أسفرت عنه السياسة النقدية حتى الآن -كما ترى الدراسة- ربما يتمثل في توفير البنية الأساسية للتوسع في الديون الخارجية، لتكون هي المصدر الرئيسي لزيادة الاحتياطيات الدولية، التي يتم إيداعها بالكامل في البنوك العالمية. وليصبح الدور الرئيسي لتلك الاحتياطيات هو سداد مدفوعات خدمة الدين الخارجي، وتوفير الضمان اللازم لمزيد من التوسع في الاقتراض من أسواق المال الدولية. وللتأكد من دقة تنفيذ كل ذلك يتولى مكتب محاسبة (ذو شراكة أجنبية) القيام بمراجعة القوائم المالية للبنك المركزي المصري.

وفي دراسة بعنوان "السياسة المالية المصرية في ظل الاتفاق مع الصندوق" يشير الأستاذ محمد نور الدين إلى أن الأداء الفعلي للسياسة المالية قد أسفر عن انخفاض رقم  العجز الأولي في الموازنة العامة في السنة المالية 2016/2017 أي بنحو الثلث تقريبًا مقارنة بالسنة المالية السابقة لتقتصر نسبة هذا العجز إلى الناتج المحلي الإجمالي على نحو 1.8% بما يمثل تقريبًا نصف ما كانت عليه في العام السابق. ويعكس تراجع نسبة العجز الأولي حدوث زيادة كبيرة في الإيرادات بنسبة 34.1%، على حين اقتصرت الزيادة في المصروفات على 26.2%. إلا أنه نتيجة لارتفاع الفوائد التي تستحق على الديون الحكومية بمعدل كبير بلغ 29.9% في 2016/2017، فقد بلغ عجز الموازنة الكلي نسبة 10.9% من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بمستهدف 9.7%. واستهدفت موازنة 2017/2018 استمرار الإيرادات العامة في الزيادة بمعدل كبير عما تحقق في العام السابق بما يقدر بنحو 24.6%، وأن يقتصر معدل الزيادة في المصروفات على 23.8%، الأمر الذي يمكن معه للمرة الأولى اختفاء العجز الأولي للموازنة العامة وتحقيق فائض بنسبة 0.2% من الناتج المحلي الإجمالي.

وتعرض الدراسة تفصيلا لبنود الإنفاق الفعلي في الموازنة العامة للدولة كبند الأجور، والفوائد على الدين العام، والدعم سواء كان الدعم المقدم للمواد البترولية أو دعم السلع التموينية، والمزايا الاجتماعية. وأخيرًا تعرض الدراسة لبند الاستثمارات العامة وتطوره في العام الأول من تنفيذ البرنامج مع الصندوق.

ثم تتطرق الدراسة إلى جانب الإيرادات العامة فتبين التطور الذي لحق بالإيرادات الضريبية، حيث أسهمت بنحو 70.1% من إجمالي الإيرادات العامة في 2016/2017، رغم أنها لم تصل إلى النسبة المستهدفة وفقا للتعهدات المتفق عليها مع الصندوق. وتعرض الدراسة للتطورات التي لحقت بأشكال الضريبة المختلفة، ويخلص الباحث إلى أنه بإضافة الضرائب الجمركية إلى الضريبة على السلع والخدمات، نجد أن نسبة الضرائب غير المباشرة تتجاوز 68.2% من الحصيلة الضريبية وهي نسبة مرتفعه للغاية تعكس طبيعة النظام الضريبي المصري. فالضرائب غير المباشرة تلقي بنفس العبء الضريبي على كل من يقوم بشراء السلعة أو الخدمة.

وتتساءل الدراسة عما إذا كان توصيف صندوق النقد الدولي لمشكلة الاقتصاد المصري هو التوصيف الدقيق الحقيقي؟ هل المشكلة فعلًا هي مجرد خلل في التوازنات المالية والنقدية أدى إلى بطء النمو وعجز ميزان المدفوعات والموازنة العامة؟ أم أن هناك خللًا في الهيكل الإنتاجي المصري هو المتسبب في ضعف النمو وهو الأولى بالعلاج؟ وانطلاقًا من توصيف الصندوق للمشكلة كان التركيز في الحل المقترح والموصى به والذي التزمت به الحكومة هو اتخاذ مجموعة من الإجراءات الانكماشية في السياستين المالية والنقدية، بمعنى أن المطلوب هو أن يتم إعادة التوازن للاقتصاد المصري ولكن "عند مستوى أدنى".

كما تخلص الدراسة إلى أن أداء السياسة المالية خلال العام المالي 2016 / 2017 قد أوضح صعوبة تحقيق الأرقام المستهدفة لكل من العجز الأولي والعجز الكلي للموازنة العامة للدولة، رغم كل الإجراءات التقشفية التي تم إتباعها. ومن هنا تركز توصيات صندوق النقد الدولي على أن يتم التوجه خلال الفترة القادمة إلى أمرين أساسيين أحدهما هو زيادة الإيرادات الضريبية، والثاني خصخصة المشروعات العامة.

ويشير الأستاذ حسين سليمان في دراسته "الإصلاح الاقتصادي وشبكة الحماية الاجتماعية" إلى أنه كان من بين أهداف برنامج الإصلاح الاقتصادي، المتفق عليه مع الصندوق، تدعيم شبكة الأمان الاجتماعي لحماية الفقراء والشرائح الهشة في المجتمع. فأشارت خطة البرنامج صراحة إلى كون الحماية الاجتماعية هي حجر زاوية لبرنامج الإصلاح، خاصة في الأجل القصير خلال فترة التحولات وضبط الأسواق المختلفة. وذلك بهدف توفير الحماية للجميع أثناء الفترة الانتقالية الصعبة بتكلفتها المرتفعة، وضمان أن يقع أقل جزء ممكن من أعباء هذه التكلفة على كاهل الشرائح الأقل قدرة على تحملها.

وقد ركزت الدراسة على الآثار الاجتماعية لإجراءات الإصلاح الاقتصادي من خلال انعكاس ما تم تطبيقه منها على مستويات الأسعار بالأساس، وذلك بسبب التأثر الفوري والحاد لمستويات الأسعار العامة بإجراءات برنامج الإصلاح، وكذلك بسبب النتائج الاقتصادية/ الاجتماعية المُثبتة لارتفاع مستوى الأسعار، نظرًا لتباين تأثيره على الشرائح المختلفة في المجتمع. واستهدفت الدراسة بعد رصد التحولات في مستوى الأسعار في أعقاب إطلاق البرنامج، تقدير تبعات هذه التحولات على نسب الفقر المحلية، بالإضافة إلى التأثير المحتمل على اتجاه مقاييس المساواة في الدخل.

وقد خلصت الدراسة إلى أن إجراءات الحماية الاجتماعية المصاحبة للبرنامج قد صُممت قبيل إطلاق البرنامج ولم تخضع للمراجعة بعد البدء في تطبيقه تماشيًا مع التغيرات الكلية، خاصة في مستوى الأسعار. وكانت النتيجة عدم كفاية إجراءات الحماية، بالإضافة إلى إسهام الإجراءات المالية التنازلية، من خلال التوسع في الاعتماد على الضرائب غير المباشرة لزيادة الإيرادات العامة وتخفيض المعدل الضريبي على شرائح الدخل العليا في الزيادة المتوقعة لعدم المساواة بشكل عام، والناتجة عن الإجراءات النقدية، وذلك عوضًا عن أن تسعى لمعادلة تأثيرها.

ومع استمرار برنامج الإصلاح في عامي 2018 و2019، ستضيف إجراءاته المزيد من الزيادات في مستوى الأسعار نتيجة رفع الدعم الشامل عن سلع وخدمات إضافية، على رأسها الوقود مجددًا، ما يتطلب إجراءات إضافية وإعادة تقييم برنامج الحماية الاجتماعية وما يقدمه من خلاله للشرائح الفقيرة والهشة، وكذلك الإجراءات التصاعدية لتقليل عدم المساواة بين شرائح الدخل المختلفة.

وبشكل مبدئي، ولزيادة فعالية شبكة الحماية الحالية، من دون تقويض أهداف البرنامج في إعادة هيكلة الدور الاقتصادي  للدولة في مصر، فعلى الحكومة أن تربط التحويلات النقدية، على الأقل الموجهة لمن يفتقدون لمصادر دخل أخرى، بمعدلات التضخم بشكل تلقائي، لضمان كفاية التحويلات لحصول الشرائح المستحقة على السلع والخدمات الأساسية. كما يجب على الدولة كذلك معالجة مشكلات تطبيق برامج التحويلات النقدية، والتي لم تنجح سوى في صرف نصف ما خططت له منها فقط، وأن تدرس زيادة أعداد المستفيدين تماشيًا مع زيادة نسب من يعيشون تحت خطي الفقر، والفقر المدقع بعد البدء في برنامج الإصلاح. وبالإضافة إلى ذلك، ينبغي أيضًا اتخاذ المزيد من الإجراءات بهدف اتساع الفجوة بين مختلف شرائح الدخل والثروة في مصر.

وفي الدراسة الأخيرة في القسم المصري والمعنونة "السياسات الصحية في مصر: قراءة في قانون التأمين الصحي الجديد" عنيت د. إيمان مرعي برصد الواقع الراهن لسياسات الرعاية الصحية في مصر بالتعرف على القوانين المنظمة لها والمنتفعين بها، وتمويلها وإلقاء الضوء على أهم التحديات التي تواجه هذا القطاع بهدف تقديم رؤية حول مستقبل وآليات تطوير نظم الرعاية الصحية التأمينية في مصر.

وقد أشارت الدراسة إلى أن المصادر الثلاثة الرئيسة للإنفاق الصحي في مصر تتمثل في؛ إنفاق القطاع العائلي (إنفاق خاص)، والإنفاق الحكومي (كل من وزارة الصحة ووزارة التعليم)، وهيئة التأمين الصحي (إنفاق عام). ويشكلون معًا أكثر من 95%من مجموع إنفاق الصحة. وعلى الرغم من حقيقة أن الحكومة هي الجهة الرئيسة التي توفر الخدمات في مصر فقد بلغ حجم الإنفاق العام على الصحة - طبقًا للبيان المالي من مشروع الموازنة التقديرية للدولة للسنة المالية 2017/2018- نحو 54.922 مليار جنيه أي ما يعادل 1.5 % من إجمالي الإنفاق. بيد أن المصدر الأكبر للإنفاق الصحي هو إنفاق القطاع العائلي والذي بلغ نحو 72% من إجمالي الإنفاق على الصحة.

وبينت الباحثة في دراستها أن إنفاق وزارة الصحة يتركز على الخدمات العلاجية. حيث تستهلك المستشفيات الثلثين تقريبًا من ميزانية وزارة الصحة، بينما تمثل الرعاية الصحية الأساسية حوالي25% من الميزانية. وتستهلك الخدمات الوقائية حوالي 12% من الميزانية المتبقية. بالإضافة إلى ذلك يستحوذ الحضر على النصيب الأكبر من ميزانية وزارة الصحة، بينما تستقبل المستشفيات الريفية 3% فقط من إجمالي ميزانية وزارة الصحة مقابل 58 %للمستشفيات الحضرية. وهناك تباينات واضحة في توزيع الخدمات الصحية والوقائية والعلاجية بين الأفراد كذلك نسبة الأطباء إلى الممرضات. وقد أدى نقص التمويل للمراكز الصحية الريفية والحضرية إلى نقص في الإمدادات والأدوية، ونقص الاحتياطي من المستلزمات الأساسية، خاصة أن معظم الموارد الحكومية للصحة في مصر موجهة للرعاية العلاجية في المستشفيات والمناطق الحضرية.

وبعد أن أوضحت الدراسة الهيكل التنظيمي الجديد تبعًا لقانون التأمين الصحي ومصادر التمويل المقترحة له، عرجت على بعض المواد التي أثارت جدلًا في القانون الجديد. وكمثال على هذه المواد تعرضت الدراسة لدور المستشفيات الحكومية، وعملية تسعير الخدمة الطبية، وعملية تعريف غير القادرين ماليًا التي ستتولى دفع الاشتراكات نيابة عنهم، وعملية دفع اشتراكات المساهمين وإمكانية استدامة التمويل.

واحتوى القسم الثاني الخاص بالاقتصاد العربي والإقليمي ثلاث دراسات عرضت لما يراه التقرير قضايا حاكمة لمسيرة الاقتصادات النفطية العربية، وكذا آثارها المحتملة على الاقتصادات العربية الأخرى، إلى جانب قضية الاحتجاجات الاقتصادية العنيفة التي شهدتها إيران في ديسمبر2017.

ويتناول الأستاذ أحمد تغيان في الدراسة الأولى لـ"أثر تراجع أسعار النفط على السياسات المالية للدول العربية المصدرة"، فيرى أن الانهيار الذي حدث في أسعار النفط منذ منتصف عام 2014 كان بمثابة ناقوس إنذار للدول المصدرة للنفط لإعادة النظر في كافة خططها وسياساتها المالية والنقدية والتجارية، في سبيل استكمال إعادة هيكلة اقتصاداتها وتوسيع نطاق القواعد الإنتاجية على النحو الذي يؤدي إلى الحد من الاعتماد شبه المطلق على الإيرادات النفطية. وكانت الدول المصدرة للنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا MENA، وفي صدارتها الدول العربية، خاصة دول مجلس التعاون الخليجيGCC، على قناعة بهذا التوجه الاستراتيجي منذ عقود، إلا أن الأزمة التي حلت منذ عام 2014 كان لها وقع خاص وأثر ملموس في تحريك المياه الراكدة والعمل على تسارع عجلة التغيير والتحول. وتعرض الدراسة بصورة مفصلة للأوضاع الاقتصادية وللخطط التي وضعتها الدول النفطية العربية (دول الخليج العربية بالإضافة للجزائر) لمحاولة إنجاز عملية التحول بعيدًا عن الاعتماد على النفط والغاز وحده في نموها الاقتصادي.

وقد خلصت الدراسة إلى عرض بعض التوقعات الدولية بارتفاع متوسط معدل التضخم من 1.1% في عام 2017 إلى 3.6% في عام 2018، نظرًا لتطبيق الضريبة المضافة بمعدل 5% في كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في عام 2018، والزيادة الحادة في أسعار الوقود في المملكة العربية السعودية. كما أشارت الدراسة إلى أن هناك حاجة ماسة لتحقيق نمو مرتفع وواسع النطاق لخفض معدل البطالة المرتفع، والذي بلغ نحو 12% في عام 2017 في كل من الجزائر والمملكة العربية السعودية. ولتحقيق هذا الهدف، يقتضي الأمر إجراء إصلاحات هيكلية أكثر عمقًا في المجالات التالية: إصلاح قانون سوق العمل، وإصلاح نظام التعليم لضمان كفاية بناء المهارات لتلبية متطلبات التوظيف في القطاع الخاص، وتحسين مناخ الأعمال والحوكمة، وتسهيل الحصول على التمويل، خاصة بالنسبة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة بهدف مساعدة وتحفيز رواد الأعمال والاستثمارات الخاصة.

وأشارت الدراسة إلى أنه من الممكن تقلص العجز المالي الموحد لدول مجلس التعاون الخليجي تدريجيًا من 6.2% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2017 إلى 1.4% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020، كما يمكن للدين العام بلوغ ذروته عند 45% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2019 قبل الوصول لاستقرار على نطاق واسع. وهناك معيار أكثر أهمية لقياس الوضع المالي، وهو ميزانية قطاع غير الهيدروكربونات، والذي يقيس المدى الذي يمكن أن يبلغه هذا القطاع في دعم الإنفاق الحكومي الإجمالي، والذي تراجع في عام 2017. وسوف تعتمد عمليات ضبط المالية العامة خلال السنوات القادمة بصفة أساسية على تعبئة إيرادات إضافية غير نفطية، حيث تقوم السلطات بزيادة الرسوم وفرض الضرائب.

وتنتهي الدراسة إلى أنه في سبيل تحقيق النجاح المأمول، ينبغي على الدول المصدرة للنفط التركيز على مواجهة مجموعة من التحديات الأساسية. وتتضمن هذه التحديات تحول التركيز عن الهدف المتمثل في تنويع هيكل النشاط الاقتصادي، وتحديات مواجهة الطاقة الجديدة والمتجددة إلى جانب عدد آخر من التحديات.

الدراسة الثانية في هذا القسم أعدها الأستاذ محمد يحيى كرداسي حول "العلاقات التجارية العربية واتجاهات الاستثمار في ظــل تراجــــع أسعار النفـــــط العالميـــة". وتشير الدراسة في مستهلها إلى تسبب انخفاض أسعار النفط في إضعاف أرصدة الحسابات الخارجية والمالية العامة في البلدان المصدرة للنفط، لتبدأ هذه البلدان في رسم خريطة جديدة للتكيف مع المرحلة الراهنة عبر وضع وتنفيذ استراتيجيات طموحة لتنويع النشاط الاقتصادي، وخطط مدروسة لخفض العجز المالي حتى تحافظ على استمرارية ماليتها العامة.

ومن هذا المنطلق فرضت المتغيرات الاقتصادية، بوجه عام، مع تراجع أسعار النفط واقعًا جديدًا على مصفوفة علاقات الاستثمار والتجارة وأسواق العمل العربية، والتي قد تشهد تطورات ملموسة خلال المرحلة المقبلة سواء على الصعيد الوطني، أو على صعيد العلاقات البينية العربية وسواء كانت دول مصدرة للنفط أو مستوردة له.

فعلى صعيد التجارة العربية البينية يوضح نمط هياكل التجارة ومؤشرات التوافق توافر فرص كبيرة لزيادة حجم التبادل التجاري العربي في السلع غير البترولية، لاسيما وأن التجارة البينية العربية في وضعها الراهن تعد متواضعة. وعلى صعيد الاستثمارات العربية البينية تتيح رغبة الدول العربية المصدرة للنفط في تنويع اقتصاداتها، وتقليل الاعتماد على النفط تدريجيًا فرصًا غير محدودة لتدفق الاستثمارات العربية داخل حدود الدول العربية نفسها، خاصة تلك التي تتمتع بتطور واضح للمناخ الاستثماري خلال السنوات الأخيرة. وعلى الرغم من التأثير الإيجابي الملموس لتعزيز الاستثمارات العربية البينية على التشغيل وتقليل معدلات البطالة، إلا أنه لا يمكن إغفال الآثار السلبية المتوقعة على الدول المصدرة للعمالة إلى منطقة الخليج، في ظل تزايد أهمية الاعتماد على العمالة المحلية داخل تلك الدول بديلًا عن العمالة الأجنبية، أملًا في خفض معدلات البطالة التي تأثرت سلبًا بتراجع أسعار النفط خلال السنوات الأخيرة.

وبعد تعرض الدراسة تفصيلا إلى تطور كل من التجارة العربية إجمالًا والتجارة البينية وكذا للاستثمار الإجمالي والبيني، خلصت بشكل عام إلى بلوغ متوسط معدل نمو التجارة العربية البينية إبان فترة استقرار أسعار النفط عند معدلات مرتفعة (2010-2013) نحو 11.3% في حين أنها حققت معدلًا سالبًا في فترة التراجع (2014-2016) بلغ نحو4.4%.

ومن الواضح أن معدلات نمو التجارة السلعية العربية البينية تأثرت سلبًا بتراجع أسعار النفط، كما أنه بتحليل الهيكل السلعي للصادرات السلعية العربية البينية لعام 2014 الذي شهد بداية موجة التراجع في أسعار النفط نجد زيادة حصة كل من السلع الزراعية لتبلغ نحو 22.1% مقابل 20.9% في العام السابق، والسلع المصنعة لتبلغ نحو 51% قابل نحو 46% في العام السابق وذلك من إجمالي الصادرات البينية، في حين تراجعت الأهمية النسبية لمجموعة الوقود والمعادن في الصادرات البينية من نحو 26.2% لتقتصر على 21.5% فقط.

أما في مجال الاستثمارات البينية فقد خلصت الدراسة إلى أن هذه الاستثمارات تضاف إلى الطاقات الإنتاجية، تعتبر بمثابة محرك لعملية التنمية العربية، إذا ما أحسن التوزيع القطاعي لتلك الاستثمارات البينية عبر الأقطار العربية، لذا يجب التركيز على دور الاستثمارات العربية البينية في خلق هياكل إنتاجية واقتصادية تكاملية، بغض النظر عن طبيعة النظام الاقتصادي والسياسي في كل قطر عربي على حدة، وإذا نظرنا إلى مدى فاعلية تدفقات الاستثمارات العربية البينية من منظور إنمائي تكاملي. ومن الملاحظ من خلال ما عرضته الدراسة أن الاستثمارات العربية البينية رغم تطورها إلا أنها ما زالت تمثل نسبة ضئيلة من الاستثمارات العالمية، كما أنها تتسم بالتركز الشديد، سواء على مستوى الدول أو على مستوى القطاعات لاسيما القطاعات الخدمية.

وتعرضت الدراسة الأخيرة في هذا القسم والتي أعدها الأستاذ مجدي صبحي لموجة الاحتجاجات الاقتصادية التي تفجرت في إيران في نهاية عام 2017، وذلك تحت عنوان "الاحتجاجات الإيرانية وإدارة الاقتصاد: العقوبات والسياسات والمصالح". وتنطلق الدراسة من أن الاحتجاجات الجماهيرية التي شهدتها إيران في نهاية عام 2017 بسبب تدهور مستويات معيشة المواطنين تدفع إلى المقدمة بالتساؤل، كيف أن بلدًا يحتوي على قاعدة غنية جدًا ومتنوعة من الموارد، وقاعدة سكانية معقولة، لم تستطع قياداته من رجال الدين الذين سيطروا على حكم البلاد من تحقيق تحسين في مستويات المعيشة وتوفير العدالة الاجتماعية التي تصدرت شعارات الثورة قبل نحو أربعين عامًا. فالأوضاع الاقتصادية لم تشهد تحسنًا ملموسًا، ومعدل البطالة يزيد على 12%، ويزيد معدلها بين الشباب خريجي الجامعات ليبلغ نحو 40%. وكما أوضحت هذه الدراسة، فقد أسهمت كل من العقوبات الدولية والسياسات الاقتصادية الإيرانية، إلى جانب المصالح المكتسبة لبعض الجهات المدعومة من قبل المرشد الأعلى في زيادة حدة المشكلات بدلًا من العمل على حلها كما كانت تتوقع جموع الشعب الإيراني. وكانت الاحتجاجات الجماهيرية في نهاية عام 2017 هي احتجاج على هذا التخبط والعجز الحكومي في بلد يمكن لموارده أن توفر مستويات معيشة محترمة إذا ما أُحسن إدارتها، وإذا ما كانت هناك سياسات تراعي العدالة الاجتماعية في هذا البلد.

وقد بينت الدراسة بشكل مفصل نسبيًا كيف أن تفاعل العديد من التطورات دفعت إلى أداء اقتصادي أقل من الطاقات الكامنة. فعلى الرغم من وجود قاعدة واسعة من الموارد والإمكانيات، إلا أن الاقتصاد ظل محكومًا في التحليل الأخير بالتطورات التي شهدها قطاع النفط والغاز. وبينما أسهمت الحرب العراقية- الإيرانية ثم العقوبات التي فرضت على إيران منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي إلى الحد من القدرة على النمو، فقد ضاعف من أثر مثل هذه التطورات السياسات التي اتبعتها إيران تجاه الاستثمار الأجنبي في قطاع مثل النفط والغاز، وهو قطاع يعد بطبيعته قطاعًا كثيف رأس المال وكثيف التكنولوجيا. وبينما حاولت بعض الإدارات حقن بعض المرونة في سياسات استغلال ثروات القطاع، مثل إدارة الرئيس خاتمي (1997-2005)، إلا أنها فشلت في نهاية المطاف. وازداد الوضع تعقيدًا باستغلال بعض الجهات ما يمكن اعتباره عقدة تاريخية من الاستثمار الأجنبي للعمل على تدعيم مصالحها، ونشير هنا إلى المؤسسات التي تعمل تحت ولاية المرشد الأعلى كمؤسسة المستضعفين، وبعض الجهات النافذة مثل الحرس الثوري لاسيما خلال العقدين الأخيرين.

وقد عمل الموقف المتردد والمعرقل لتدفق الاستثمارات الأجنبية، بسبب المصالح المكتسبة لبعض الأفراد والمؤسسات، إلى جانب تصادف انخفاض أسعار النفط بدءا من النصف الثاني لعام 2014 على تقليص قدرة حكومة الرئيس روحاني في تلبية مطالب فئات عريضة من الشعب تم ربط تطلعها في التمتع بمستوى معيشة أفضل برفع العقوبات. ومع التوصل لاتفاق حول برنامج إيران النووي عام 2015 ورفع العقوبات بالفعل في بداية عام 2016 فوجئت الجماهير بعدم ورود تحسن ملموس على مستوى معيشتها، بل وفوجئت بالعكس تمامًا مع إعلان الميزانية الإيرانية الجديدة بالمزيد من السياسات التي تعمل على المزيد من التدهور في مستويات معيشتها.

أما في قسم الاقتصاد الدولي فيعالج د. سمير أمين "مستقبل المشروعين الروسي والأوروبي.. وآثارهما على النظام  الرأسمالي  الدولي"، فيرى أنه بينما تضرب الأزمة الهيكلية  لرأسمالية الاحتكارات الشيخوخة في العالم بأسره، فإن الدول الضعيفة (ومنها في أوروبا: اليونان وإسبانيا والبرتغال، إلى جانب دول شرق أوروبا)، تعاني من قسوة ضرباتها أكثر من غيرها. من هنا يرى د. أمين سبب صعود الحركات الشعبية الواسعة (مثل سيريزا في اليونان وبوديموس في إسبانيا) التي ترفض وصْفة التقشف الأقصى المفروض عليها من قبل سلطة الأوليجاركيات المطلقة. بيد أن هذه الحركات ستظل عاجزة عن إنجاز التحوّل المطلوب طالما بقي الرأي العام في البلدين المذكورين (اليونان وإسبانيا) أسير أوهام المشروع الأوروبي. إذ في هذه الحالة يظل التوجه في سبيل التقدم مسدودًا طالما لا يتخذ اليسار في فرنسا وألمانيا مبادرات موازية. وفي غياب ذلك سيظل مشروع سيادة الولايات المتحدة يفعل فعله في أوروبا من خلال مساندته ألمانيا بصفتها الحليف المفضل. علمًا بأن البريكسيت (خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي) لا يمثل تهديدًا لمشروع واشنطن، وكذلك فإن اندماج أوروبا الشرقية في فلك برلين يمنح لألمانيا هامشًا يتيح لها مواصلة سياستها المدمّرة. 

ويرى د. أمين أن الخروج من المأزق مشروط بحدوث مبادرة جسورة من قبل فرنسا. والمحتمل أنها سوف تَخلق جوًا مناسبًا لانقلاب الرأي في ألمانيا. ويرى أن التلاقي بين كل من فرنسا وروسيا والصين هو الوحيد القادر على إخراج أوروبا من تبعيتها للولايات المتحدة الأمريكية. كأن أوروبا صارت عاجزة عن استغلال قواها الاقتصادية البارزة لتكريس حضورها في المجال السياسي العالمي والتأثير في هيكلة مستقبل النظام العالمي. وفي غياب مبادرة فرنسية- تجر بدورها ألمانيا- فإن المعارك الحاسمة الراهنة والقادمة سوف تنحصر في المواجهة بين واشنطن من جانب ودول الجنوب من الجانب الآخر.

أما في الشأن الروسي فهو يذهب إلى أن المنظومة الإنتاجية الروسية تميل إلى أن تنحصر في قطاعات إنتاج المواد الخام للتصدير-ومنها النفط والغاز بصفة رئيسية- فلم تقم الحكومة بإصلاح القطاعات الصناعية والزراعية وهي قطاعات لا يهتم بها رأس المال الدولي ولا البورجوازية الكومبرادورية الجديدة المحتكرة للسلطة العليا.

وتعاني هذه القطاعات من شح الاستثمار المخصص لها. بالإضافة إلى أن الحكومة سمحت بتدمير التعليم والقدرات الإبداعية التي كان النظام السوفيتي يحافظ عليها. حيث كان نمط التعليم يُعتبر من أرقى ما أُنجز عالميًا.

ويرى أن حل أزمة روسيا ومستقبلها يكمن في الخطوات التالية:

- الخروج من سيادة انفراد نمط الملكية الخاصة في إدارة الاقتصاد وإحلال سيادة "رأسمالية دولة مستقلة" محله. يقتضي ذلك العودة إلى تأميم أهم قطاعات الإنتاج الروسي التي يملكها حاليًا أعضاء الأوليجاركية بصفتهم أصحاب ملكية خاصة. وتشمل هذه القطاعات النفط والغاز بصفة خاصة، وأيضًا قطاعات صناعية مهمة مختلفة. وذلك دون إلغاء مبدأ الملكية الخاصة.

- الخروج من سيادة تحكم السوق في إدارة المنشآت تحكمًا مطلقًا، وتعويضه بالعمل بمبدأ التفاوض بين ثلاثة أطراف: أصحاب القرار (سواء كانوا موظفين يديرون القطاع العام أم أصحاب رؤوس الأموال الخاصة)، والعمال المستخدمون في القطاع المعني، والدولة (أو السلطات المحلية).

- التخلي عن مبدأ انسحاب الدولة من مجالات الخدمات العامة ونقل مسئولية إدارتها إلى رأس المال الخاص، وتكريس مسئولية الدولة عن القيام بإدارة الخدمات المذكورة (التعليم، الصحة، الإسكان، الضمان الاجتماعي... إلخ). ولاسيما العودة إلى النظم التي أعطت للاتحاد السوفيتي سبقًا وتفوقًا على صعيد عالمي (خاصة في مجالات التعليم).

- اتخاذ إجراءات تدفع الديمقراطية إلى الأمام، ولا يتعلق الأمر بإجراء انتخابات صحيحة فقط، بل يتوجب قبل ذلك خلق مناخ ديمقراطي في المجتمع. الأمر الذي يفترض سن قوانين تتيح حرية تنظيم الأحزاب والنقابات والمؤسسات الأهلية، بل تشجيع ازدهارها بتوفير دعم لها إن لزم الأمر.

وتختتم الدراسة بالقول إن دول "الجنوب" ولاسيما الدول الصاعدة التي تسعى هي الأخرى إلى إقامة نظم رأسمالية دولة مستقلة، تمثل بديلًا بعد تبخر الأوهام حول أوروبا. وسوف يقوى تكريس تحالفها في السياسة الدولية وفي مواجهة عسكرة العولمة موقف روسيا في الساحة. وتتواجد أيضًا مجالات للتعاون الاقتصادي يمكن استغلال فرصه. وهناك إشارات تدل على صعود الوعي بهذه الإمكانيات ظهرت في سياسة روسيا والصين بالأخص.

وفي الدراسة الثانية في هذا القسم يطرح الأستاذ ضياء حسني في دراسته "احتضار العمل: أثر التطور التكنولوجي على التوظيف والعمالة" هذه القضية التي باتت محل جدل كبير في الغرب. ويشير في مستهل دراسته إلى أن العلاقة بين التطور التكنولوجي ومستويات التشغيل تعد من أقدم العلاقات التي أثارت جدلًا في تاريخ الاقتصاد منذ ظهور النظام الرأسمالي، فكل موجة من التطوير والتحديث التكنولوجي صاحبها موجات من البطالة وخفض مستويات التوظيف. وقد عرفت القوة العاملة الكثير من التغيير والتحول بين القطاعات مع كل تطور تكنولوجي خلال القرون الماضية، ولكن مع ذلك لم تشهد مستويات التوظيف تراجعًا، بل على العكس شهدت تطورًا ونموًا. والسؤال هنا هو لماذا يزداد القلق اليوم فيما يخص التطور التكنولوجي الحادث في مجالات عمليات الإنتاج المختلفة (في كافة القطاعات)، وخاصة فيما يتعلق بأثره على مستوىات التوظيف والبطالة؟ ولماذا يرى البعض أنه من الصعب استيعاب هذا التطور كما حدث في الماضي؟

يشير إلى أنه اليوم ومع انتشار الروبوتات، وبالأخص تلك العاملة بالبرمجة الرقمية عالية القدرات، نواجه خطر من نوع جديد، يطلق عليه الاقتصادي الفرنسي "فيليب أشكنازي" خطر (الاستعمال الموسع للتكنولوجيا)، والذي يشبهه بظهور الكهرباء في عصرها. ويؤثر هذا الاستخدام الموسع للتكنولوجيا على العملية الإنتاجية؛ في المعروض من البضائع والمنتجات، ومعدلات الإنتاجية بشكل عام. كما أنه مع تقدم العمليات الحسابية في الحواسب، وعلوم معالجة قواعد المعلومات الضخمة، (big data)، وتقدم ودقة برمجيات (تعلم الآلات- machine learning)، إلى آخر هذه الابتكارات العلمية، فإن الخطر الذي يهدد الوظائف والطلب على التوظيف، سيكون كبيرًا، حيث سنشهد أكبر حجم للتخلي عن الأيدي العاملة، لم يشهده العالم من قبل، وبالذات أن أثر التقدم التكنولوجي لن يمس فقط العمل اليدوي، بل سيمتد للكثير من المهن في قطاع الخدمات التي تعتمد على ملكات عقلية وذهنية.

والسؤال الأكثر أهمية هنا يتعلق بتقدير حجم الوظائف التي سيتم التخلي عنها نتيجة التطبيق الموسع للتكنولوجيا،والإجابة حتى الآن تقديرية وشديدة الصعوبة، وذلك لتعقد الظاهرة، وتداخل الوظائف. وتحاول بعض الدراسات حساب الوظائف التي سيتم التخلي عنها، منها مكتب مستشاري الخبرة "رولان بيرجيه" في فرنسا، والذي قدر من خلال تقرير نشر في 2014، أن حجم الوظائف التي سيتم التخلي عنها في فرنسا حتى عام 2025 ستصل إلى ثلاثة مليون.وتوصلت دراسة أخرى عن الوظائف الأمريكية، إلى أن الوظائف في المجتمع الأمريكي التي ستكون موضع تهديد بالفقدان تقدر بحوالي 47% من حجم الوظائف الكلي. ويحدد التقرير الوظائف الأكثر تهديدًا، معلنًا أنها ستكون في مجال النقل والمواصلات، والمعلوماتية، والصناعات التحويلية، ولكن هذا الخطر سيمتد أيضًا خارج نطاق المهن الصناعية واليدوية ليشمل الوظائف المتعلقة بالبنوك، وبالمحاسبة، والتأمينات، والبيع، بل حتى بالخدمات القانونية. وبالنسبة للاتحاد الأوروبي فهناك من يرى أن  نصف الوظائف في أوروبا سيكون مهددًا مع التطبيق الموسع للتكنولوجيا.

ويطرح الباحث في النهاية مجموعة من الأسئلة التي تواجه البشرية ربما من أهمها لصالح أي طبقة أو فئة ستكون عملية "الأتمتة"الشاملة للمجتمع؟ وهل يمكن للمجتمع الاقتصادي الدولي أن يستمر في تبني أيديولوجيات الليبرالية الجديدة وآلياتها بعد هذا التحول للمجتمع الذي يتم فيه إحلال الآلة محل البشر؟ وهل سيزداد الشمال ثراءً ويسود الفقر في دول الجنوب؟ وكيف ستنعكس معدلات البطالة التي ينتظر تفاقمها على توزيع الدخل ومن ثم على الطلب الكلي الفعال في المجتمع؟

طباعة
مجدى صبحى

خبير اقتصادي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية