متابعات تحليلية

لبنان ما بعد الانتخابات: حسابات التسوية تطغى على حسابات المكسب والخسارة

طباعة

وفر الخطاب الشعبوي الذي انتشر بالتزامن مع عقد الانتخابات اللبنانية في السادس من مايو 2018 تربة خصبة لإعادة إحياء العداء السياسي والطائفي بين الفرقاء السياسيين في لبنان. ورغم التحليلات التي انتشرت عقب الانتخابات مباشرة حول رصد نتائج الانتخابات وتفسرها على قاعدة الغالب والمغلوب، يبدو أن توازنات المرحلة الحالية في لبنان تبقى محكومة بتداعيات التسوية السياسية التي مهدت لقدوم ميشال عون للقصر الرئاسي أكثر من كونها محكومة بحسابات المكسب والخسارة التي أتت بالبرلمان الجديد. فما لبث أن انقشع الخطاب الانتخابي حتى عادت مقولات الحفاظ على البلد والإسراع في تشكيل حكومة وحدة وطنية، والتمهيد لتشجيع الانتعاش الاقتصادي، وتنفيذ المشاريع التنموية، والنفور من حالة التعطيل السياسي التي كانت سائدة طوال سنوات مضت.

القوى السياسية في ميزان القانون النسبي

خاض الفرقاء اللبنانيون الانتخابات البرلمانية الأخيرة على قاعدة قانون انتخابي جديد حاول أن يجمع بين مزايا القائمة النسبية والنظام الفردي، فأدى إلى تفتيت التحالفات الكبرى وانصراف القوى السياسية إلى عقد تحالفات محلية ضيقة بحسب ما يتوفر لمرشحيها من فرص للفوز. وبالتالي، شهدنا كسر التحالفات الكبرى التي كانت قائمة فيما سبق على أساس التضامن بين قوى 14 آذار وقوى 8 آذار، عندما تحالف تيار المستقبلوهو تيار الحريري، مع التيار الوطني الحر وهو تيار رئيس الجمهورية ميشال عون، بشكل عابر للاستقطاب التقليدي على أرضية 8 و14 آذار. ومن ثم، فإن القوى التي خاضت الانتخابات على أساس كسر الاستقطاب التقليدي ذاك لا يمكن إعادة تصنيفها داخل البرلمان على أرضية هذا الاستقطاب مرة أخرى. ولذا كان من غير الدقيق وصف البرلمان الجديد أنه برلمان يطغى على تشكيله قوى 8 آذار – خاصة حزب الله-  أو أنه برلمان فقدت فيه قوى 14 آذار الأكثرية العددية التي كانت تتمتع بها في برلمان 2009. ولكن الأدق هو وصف تشكيلة البرلمان الجديد وفق السياق السياسي الذي اُنتخب فيه وليس وفق معطيات السياق السياسي الذي كان سائدا في صيف 2009.

بداية، من أهم مزايا القانون الانتخابي الحالي رغم علاته الكثيرة أنه سمح للقوى السياسية باختبار قدراتها وأوزانها النسبية على الأرض بعد فترة غياب للانتخابات النيابية. ولكن مشكلة هذا القانون أنه وبسبب مسألة الصوت التفضيلي قد خلق حالة من التنافسية الشديدة ليس فقط بين القوائم وإنما داخل نفس القائمة، وفي حالة غياب التنسيق القوي داخل أعضاء كل قائمة، كان الانتماء الطائفي هو الفيصل في اختيار الصوت التفضيلي. من ناحية ثانية، سمح تقسيم الدوائر ضمن هذا القانون بتمثيل أفضل لأغلب الكتل الطائفية، ليس على صعيد عدد النواب من كل طائفة داخل المجلس، لأن هذا لم يتغير، وإنما أصبحت كل طائفة تنتخب فعلا نوابها، بعد ما كان - في بعض المناطق من بيروت والشمال وأيضا الجنوب مثلا - يتم انتخاب النواب المسيحيين بصوت الناخبين المسلمين، وهو الأمر الذي أدى إلى تمثييل أفضل للطوائف وخاصة المسيحية. من ناحية ثالثة، اختبر هذا القانون بقوة مدى تماسك القواعد الشعبية خلف القيادات السياسية.ولعل الرابح الأكبر من هذا الاختبار كان بالفعل حزب الله. وقد انعكس ذلك بداية من قلة عدد القوائم المنافسة لقوائم حزب الله في معاقله الأساسية مقارنة بعدد القوائم التي نافست مثلا تيار المستقبل في معاقله الأساسية. ثم انعكس ذلك ثانية بارتفاع نسبة المشاركة في الدوائر التي يشتد فيها نفوذ حزب الله في مقابل الدوائر الأخرى، وهو ما يعني قدرة تنظيمية أعلى على حشد واستنفار الناخبين. وبالتالي، انعكس ذلك في المحصلة على رفع عتبة الحاصل الانتخابي وبالتالي صعّب على منافسي حزب الله الدخول إلى المجلس من دوائر نفوذه التقليدية، باستثناء بعلبك الهرمل وبعبدا التي حدث فيها خرق لافت.

تغير توازنات الكتل النيابية

إذا لجأنا إلى لغة الأرقام فإن نجاح حزب الله لا يعود إلى كونه قد أضاف إلى رصيد نوابه الحزبيين نائبا إضافيا، ولا يعود أيضا إلى الأكثرية العددية التي قد يكون قد حصل عليها مع حلفائه داخل المجلس، لأن الأكثرية البسيطة لا يُعول عليها في حسم الملفات المهمة في السياسة اللبنانية إذ يجب أن تتوفر أغلبية الثلثين. بل ربما الانتصار الحقيقي الذي حققه حزب الله أنه حصد مع حليفته حركة أمل احتكار كامل المقاعد الشيعية داخل البرلمان- باستثناء المقعد الشيعي عن جبيل- بينما لم يحقق أي تيار سياسي آخر احتكار تمثيل أي طائفة أخرى. فقد حاز تيار الحريري على 19 مقعدا منهم 17 مقعدا من المقاعد الـ27 المخصصة للطائفة السُنية، وبالتالي فالحريري لا يحتكر التمثيل السُني كما يفعل حزب الله وحركة أمل مع التمثيل الشيعي، كما أنه قد فقد حوالي ثلث كتلته السابقة في برلمان 2009 التي كانت تصل إلى 33 مقعدا. كما نجحت بعض الزعامات السُنية المحلية في الوصول إلى البرلمان مثل عبد الرحيم مراد، وأسامة سعد، ونجيب ميقاتي، وفيصل كرامي، ولكن يبقى الحريري بكل تأكيد الزعيم السُني الأهم، وقد تأكد ذلك بشكل خاص بعد فشل أشرف ريفي في الدخول للمجلس- وهو الذي كان يحاول أن ينازع الحريري زعامته بواسطة تبني خطاب أكثر تشددا وأكثر ممالأة للنفوذ السعودي.

وبنفس المنطق يتضح لنا مدى النجاح الذي حققه حزب القوات اللبنانية – وهو الأعلى صوتا في معارضة حزب الله- إذ ضاعف تمثيله من 8 مقاعد في مجلس 2009 إلى 16 مقعدا في هذا المجلس، منها 10 مقاعد مارونية، وهو الأمر الذي يفرض تحديا بدوره لفكرة أن التيار الوطني الحر هو صاحب التمثيل المسيحي الأوسع. رغم أن الأخير قد حاز مع حلفائه على نحو 29 مقعدا، الأمر الذي أضاف إلى رصيده السابق الذي كان 20 مقعدا فقط في مجلس 2009. فيما تراجعت كتلة حزب الكتائب من 5 إلى 3 نواب فقط. بينما حافظ اللقاء الديمقراطي بزعامة وليد جنبلاط على وزنه النسبي بخسارة طفيفة، حيث تراجعت كتلته من 11 نائبا في 2009 إلى 9 نواب في المجلس الحالي.

تحالفات عابرة للاستقطاب

وبالتالي، ووفقا لخريطة الأرقام تلك، يتبين لنا أنه من الصعب تحديد الخاسر والرابح من هذه الانتخابات، لأن التحالفات أصبحت أكثر سيولة وأقل استقطابا ومرشحة لإعادة التشكيل بحسب القضية المطروحة للنقاش داخل المجلس. كما أن تقييم نجاح كل حزب أو تيار ليس فقط بحجم النواب الذين زادوا أو نقصوا من كتلته بل بحسب مدى نجاحه في فرض هيمنته داخل الدوائر الطائفية التي يدعّي تمثيلها ومدى قدرته أيضا على نسج تحالفات من خارج طائفته تؤمن له التأييد اللازم عند الضرورة.

ولكن بعيدا عن حسابات المكسب والخسارة الانتخابية، يبدو أن المكسب السياسي الأهم حاليا هو وجود كتلة وازنة تحبذ استمرار التسوية السياسية والمضي قدما في تدوير عجلة الإنجاز الحكومي. فالرئيس ميشال عون ورغم أنه ابتعد بمسافة معتبرة عن التراشق الانتخابي الخاص بالتيار الوطني الحر، وبدا أنه راعي للمشهد الانتخابي أكثر من كونه مشاركا فيه، إلا أنه لا يزال حليفا استراتيجيا لكل من حزب الله وتيار المستقبل. مما يجعله بشكل ملفت بمثابة صمام أمان ضد أي تصعيد بينهما في ملف التنافس الإيراني-السعودي في المنطقة أو حتى في ملف الانغماس في الحرب السورية. من جهة ثانية، نجد أن حزب الله متحالف استراتيجيا وبشكل متوازن مع كل من حركة أمل من جهة والتيار الوطني الحر من جهة ثانية، الأمر الذي يجعله يلعب دور صمام الأمان أيضا ضد أي تصعيد بين الفريقين على أرضية ملفات الفساد الحكومي والاستئثار بالمواقع الحكومية. وهو أمر ينطبق أيضا على تيار الحريري الذي يتمتع بعلاقة متميزة مع كلا الفريقين. وبالتالي، فإن خلط التحالفات وكسر الاستقطابات وإن كان يصعب من عملية فرز الفائزين في هذه الانتخابات، إلا أنه أمر إيجابي للغاية لأنه يُصعب من عملية التصعيد التي كانت تترافق عادة في السياسة اللبنانية مع التعطيل وشل العمل الحكومي. 

ومن هذا المنطلق، نجد أن مناخ التسوية السياسية التي انطلقت منذ صفقة الحريري –عون في أكتوبر 2016 والتي حملت عون إلى قصر الرئاسي والحريري إلى السرايا الحكومي، لا تزال سارية حتى بعد الانتخابات وانعقاد مجلس نيابي جديد. وكانت هذه التسوية قد صمدت بوجه الاستقالة الوجيزة التي أطلقها الحريري من الرياض قبل أن يتراجع عنها في بيروت في نوفمبر 2017، كما أنها قد صمدت مرة أخرى عقب انسحاب ترامب من الاتفاق النووي مع إيران بعد ساعات قليلة من عقد الانتخابات اللبنانية وعقب الاتهامات التي وجهتها أطراف إسرائيلية للبرلمان اللبناني الجديد باعتباره برلمان حزب الله. الأمر الذي عمّق من حاجة الأطراف اللبنانية إلى التمسك بالتسوية المحلية في ظل التصعيد الإقليمي المحيط بلبنان وخوفا من العودة إلى رقعة التعطيل والجمود السياسي مرة أخرى. وقد أتت هذه التسوية ثمارها سريعا بإعادة انتخاب نبيه بري رئيسا للمجلس النيابي – للمرة السادسة- بأغلبية 98 صوتا من أصل 128. كما تم إعادة تسمية سعد الحريري رئيسا للحكومة بواقع 111 صوتا من أصل 128، حيث رفض نواب حزب الله وعدد قليل من حلفائه تسمية الحريري.ورغم ذلك فقد تم تكليفه بتشكيل الحكومة الجديدة. ولعل المعضلة الأساسية تكمن في تشكيل هذه الحكومة المرتقبة وتوزيع الحقائب بحسب الأوزان الجديدة بالمجلس النيابي.

فعلى الأغلب سيحتفظ رئيس الجمهورية بحصة توزير 5 وزراء – على أن يكون منهم وزير سني وآخر درزي-  إلى جانب الوزراء الست الذين من المتوقع أن يحصل عليهم التيار الوطني الحر. فيما يبقي للثنائي الشيعي تقاسم حصة ست وزارات، مع ميل حزب الله إلى تجنب التصدي للوزارات السيادية وترك الأمر لحلفائه من حركة أمل. أما الأمر الخلافي فقد ينشأ من مسألة تمسك وليد جنبلاط بتسمية كامل حصة الوزراء الدروز، وهو ما قد يتصادم مع حصة رئيس الجمهورية. كما قد ينشأ الخلاف أيضا من تمسك حزب القوات اللبنانية بزيادة حصتهم الوزارية تماشيا مع زيادة كتلتهم النيابية، وهو ما قد يختصم من النصيب الوزاري للتيار الوطني الحر أو يطيح بحزب الكتائب من الحكومة. ومن المتوقع أيضا أن يتمثل تحالف المردة وكرامي بوزير، فيما يبدو من غير المتوقع مشاركة نجيب ميقاتي في هذه الحكومة. وبصفة عامة، ورغم الخلاف حول تفاصيل الحكومة المرتقبة، إلا أن المناخ العام يدفع إلى تشكيلها سريعا في مدة لا تزيد عن مدة تشكيل الحكومة السابقة – حوالي شهر ونصف- مما قد يُنبئ بإعلان الحكومة الجديدة قريبا ودخول لبنان مرحلة جديدة من استقرار المؤسسات السياسية تكتمل أركانها بعهد رئاسي مستقر وبرلمان جديد وحكومة جديدة.

طباعة
رابحة سيف علام

باحثة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية