مقالات

نتائج الانتخابات العراقية: هل بات بناء حكومة عابرة للطائفية أمرا ممكنا؟

طباعة

كشفت نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية التي أُجريت في 12 مايو الجاري (2018) عن العديد من الدلالات المهمة حول طبيعة تفاعلات القوى السياسية والحزبية مع قائمة القضايا الداخلية والخارجية، ومدى إنعكاس هذه التفاعلات على توجهات الناخبين التي جاءت بنتيجة مفاجئة للعديد من المهتمين بالشأن العراقي. فبعد أن كانت معظم التوقعات تشير إلى حظوظ وافرة لتحالف "النصر" بقيادة رئيس الوزراء حيدر العبادي نتيجة لما أبداه من نجاحات بشأن تحرير المدن العراقية من سيطرة تنظيم الدولة (داعش)، ونجاحه كذلك في إجهاض مشروع انفصال إقليم كردستان العراق، جاءت نتيجة الانتخابات لتضع تحالف العبادي في المرتبة الثالثة. بينما حل تحالف "سائرون"، الذي يضم تيار الصدر والحزب الشيوعي وبعض أحزاب التكنوقراط، ويتزعمه القيادي الشيعي مقتدى الصدر، في المرتبة الأولى بإجمالي 54 مقعدا. وجاء تحالف "الفتح"، الذي يضم قيادات الحشد الشعبي الشيعية، بإجمالي 47 مقعدا، بينما حصل تحالف العبادي على 42 مقعدا. وحصل تحالف "دولة القانون" بقيادة نوري المالكي على 26 مقعدا، وحصل الحزب الديمقراطي الكردستاني على 25 مقعدا، بينما حصل ائتلاف "الوطنية" لإياد علاوي على 21 مقعدا. بمعنى آخر، لم تُنتج الانتخابات فائزا حاسما، الأمر الذي خلط أوراق المشهد السياسي العراقي، وزاد من تعقيد طبيعة التحالفات البرلمانية التي ستجريها القوى الفائزة في الانتخابات لتشكيل الحكومة المقبلة، وتعقيد رهانات هذه القوى فيما يتعلق بارتباطات بعضها الخارجية، سواء مع القوى الدولية (الولايات المتحدة) أو مع القوى الإقليمية (إيران والدول العربية).  

في هذا الإطار، يمكن القول إن هذه الانتخابات، وما أسفرت عنه من نتائج مهمة، سيكون لها تأثيرها المهم على المشهد السياسي في العراق، وعلى طبيعة ارتباطات القوى السياسية بالخارج. ونشير فيما يلي إلى أهم هذه الملاحظات.

الملاحظة الأولى، هي تراجع نسبة التصويت في الانتخابات، بالمقارنة بالانتخابات السابقة، بدءا من انتخابات عام 2005 ومرورا بانتخابات عام 2010، وانتهاء بانتخابات عام 2014. فقد بلغت نسبة المشاركة في انتخابات 2018 حوالي 44٪ وفقا للإحصاءات الصادرة عن الهيئة العليا للانتخابات، بينما بلغت هذه النسبة 76% في انتخابات 2005، 60٪ في انتخابات 2014. وهذا يعني أن ثمة تراجع في إقبال المواطنين على عملية الاقتراع نتيجة لعدة أسباب من بينها قناعة المواطنين بعدم نجاح الحكومات العراقية المتتالية في علاج عدد من المشكلات الأساسية، خاصة التدهور في الأوضاع الاقتصادية ومحاربة الفساد والإصلاح الإداري، فضلا عن استمرار تدهور البنية التحتية. هذا بخلاف عدم قدرة الحكومة القائمة على محاربة الفساد المالي والسياسي والإداري لارتباطه بشخصيات سياسية نافذة ولها وزنها السياسي. هذا الأداء المتواضع في هذه الملفات خلق حالة من انعدام الثقة بين الحكومة والجمهور. أضف إلى ذلك استمرار أزمة النازحين من المناطق المدمرة جراء الحرب على تنظيم الدولة وصعوبة عودة المواطنين إلى تلك المناطق حتى الآن، ما شكل سببا مباشرا في تدني نسب المشاركة لاسيما في المدن السنية صاحبة النصيب الأكبر من التدمير في الحرب ضد الإرهاب.   

الملاحظة الثانية، هي عدم فوز أي من التحالفات الانتخابية بأغلبية المقاعد، بما سينعكس حتما على الاستشارات والمفاوضات التي ستجري بين القوى السياسية بشأن تشكيل الكتلة الأكبر في البرلمان. وستنعكس كذلك على تسمية المناصب الكبرى الثلاثة، رئاسة البرلمان، ورئاسة الجمهورية، ورئاسة الحكومة، خاصة أن تشكيل الكتلة الأكبر في البرلمان التي ستكون صاحبة الأغلبية المطلقة تحتاج إلى تحالف يُقدر عدد مقاعده بحوالي 165 مقعدا من إجمالي 328 مقعدا. وهو ما يعني أن تحالف المقدمة، وهو تحالف "سائرون" الحاصل على 54 مقعدا يحتاج إلى بناء ائتلاف مع أربعة كتل على الأقل للحصول على باقي عدد المقاعد التي تمكنه من اختيار رئيس البرلمان، ثم اختيار رئيس الجمهورية الذي سيخول لمرشح الكتلة البرلمانية الأكبر مهام منصب رئاسة الحكومة.

الملاحظة الثالثة، هي اتجاه تحالف سائرون الحاصل على أكبر عدد من المقاعد البرلمانية إلى تشكيل تحالف برلماني حاكم عابر للطائفية، تعبيرا عن قناعات زعيمه مقتدى الصدر الذي طالما طالب بإنهاء العمل بنظام المحاصصة الطائفية، واعتبره السبب في كل ما تواجهه العراق من مشاكل. وضغط في اتجاه تحقيق ذلك على مدى السنوات الثلاث الماضية عبر تحريك قاعدته الشعبية الصلبة في سلسلة احتجاجات على تردي الأوضاع السياسة والاقتصادية للدولة. فضلا عن تحالفه غير المتوقع كرجل دين مع الحزب الشيوعي الذي له منطلقات أيديولوجية وفكرية مختلفة تماما عن أيدلوجية التيار الصدري، لكنهما اتفقا على فكرة العبور بالعراق فوق الطائفية الدينية والحزبية، وكانوا شركاء في ساحات الاحتجاجات الشعبية طوال السنوات الثلاث الماضية.

بمعنى آخر، يمكن القول إن نتائج هذه الانتخابات عكست تراجع المد الطائفي والمذهبي كمعيار يتم على أساسه التصويت الانتخابي، ولو بنسب محدودة، لصالح تصاعد الحاجة إلى وجود هوية وطنية عراقية جامعة وواحدة. وتؤشر سلسلة الاجتماعات والاتصالات التي أجراها مقتدى الصدر مع الكتل السياسية أن تحالف سائرون (54 مقعدا) بصدد تشكيل كتلة برلمانية "قد" تضم  قائمة النصر للعبادي (42 مقعدا)، والحزب الديمقراطي الكردستاني (25 مقعدا)، وقائمة الوطنية لإياد علاوي (21 مقعدا)، والقرار العراقي (14 مقعدا) لأسامه النجيفي. بالإضافة لبعض القوائم الحزبية الصغيرة بما يكفل له تشكيل كتلة برلمانية تمكنه من توزيع المناصب الكبرى الثلاثة على الائتلاف نفسه، وتمكنه كذلك من تشكيل الحكومة.

الملاحظة الرابعة، هي احتمال نجاح المعسكر المضاد المحسوب على إيران الذي يتزعمه نوري المالكي رئيس الوزراء السابق- والمدافع عن فكرة المحاصصة الطائفية - في تشكيل الكتلة الأكبر برلمانيا، وذلك عبر تحالف يضم ائتلاف الفتح، ودولة القانون، وحزب الاتحاد الكردستاني، بالإضافة للقوائم الحزبية الصغيرة. لكن هذا المعسكر حتى لو تمكن من تشكيل الكتلة الأكبر في البرلمان سيواجه بمشكلة علاقته بإيران وتداعياتها، لاسيما في أعقاب المشاكل التي تواجهها إيران إقليميا في ضوء انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي. الأمر الذي قد يدفع إلى أحد احتمالين: إما أن تغير إيران من تعاطياتها في الداخل العراقي؛ أي تغيير سياستها المضادة والحادة في التعامل مع السياسات الأمريكية في العراق مستقبلا، وهذا احتمال مستبعد. أو استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني في العراق الناتجة عن استمرار التعاطي الإيراني بالقواعد نفسها حال ارتهان الحكومة المستقبلية لعلاقة التبعية القديمة. وهذا يعني أن عملية تشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر من هذا المعسكر أو ذاك، وما يتبعها من تشكيل الحكومة لن تكون عملية سهلة أو يسيرة، بل معقدة وطويلة.

الملاحظة الخامسة، تتعلق بالبعد الخارجي الذي سيكون حاضرا على جدول اجتماعات الكتل السياسية لتشكيل التحالفات البرلمانية، وتحديدا العلاقة مع إيران في ضوء تفاعلاتها الأخيرة مع الولايات المتحدة. فكلا الطرفين لهما تحفظاتهما على التعامل مع مقتدى الصدر زعيم تحالف سائرون؛ فالولايات المتحدة لاتزال تنظر إليه باعتباره زعيم جيش المهدي الذي أقر الجهاد ضد التواجد العسكري الأمريكي في العراق بعد الغزو في 2003. أما طهران فتنظر إلى الصدر باعتباره رجل الدين الشيعي الذي يرفض التوجهات الإيرانية في العراق التي يتهمها بتكريس نظام المحاصصة الطائفية، فضلا عن رغبته في مجابهة النفوذ الإيراني بالعمل على عودة العراق لعمقه العربي عبر اتصالاته مع قوى عربية مناوئة في إشارة إلى الزيارة التي قام بها للرياض وأبو ظبي خلال العام 2017. في هذا السياق، زار قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني العراق بعد نتائج الانتخابات، والتقى بعدد من الكتل الشيعية المحسوبة على إيران، ووضع خطوطا حمراء للتحالف مع "سائرون" ومقتدى الصدر، وتيار الحكمة الوطني لعمار الحكيم، وقائمة القرار العراقي لأسامه النجيفي والحزب الديموقراطي الكردستاني.

الملاحظة السادسة، تتعلق بكون تحالف النصر للعبادي. فعلى الرغم من تراجع حظوظه الانتخابية إلى المرتبة الثالثة، وبالتالي تراجع حظوظ العبادي نفسه في ولاية ثانية، إلا أنه لازال يمثل الرقم الصعب والأهم في التحالفات البرلمانية الهادفة لتشكيل الكتلة الأكبر برلمانيا. لأنه ببساطة مازال قادرا على ترجيح كفة إحدى التحالفات في مواجهة الأخرى. ففي حالة تفضيله التحالف مع قائمة سائرون لمقتدى الصدر وائتلاف الوطنية لإياد علاوي، والقرار العراقي لأسامه النجيفي، والحزب الديمقراطي الكردستاني سيكون للتيار العابر للطائفية المتمتع بقدر من الاستقلالية عن إيران الكتلة البرلمانية الأكبر التي ستتولي تسمية المناصب الثلاثة العليا في الدولة وتشكيل الحكومة. بينما لو رضخ لضغوط إيران واتجه للتحالف مع قائمة دولة القانون لنوري المالكي وتحالف الفتح لهادي العمري سيكون للكتلة الشيعية المحسوبة على إيران اليد العليا في تشكيل الحكومة لأنها ستكون صاحبة الكتلة البرلمانية الأكبر. وسيتم الدفع بالصدر وتحالفاته إلى صفوف المعارضة، لإعاقة مشروعه الإصلاحي. وبالتالي تصبح اختيارات العبادي للانضمام إلى أيا من تلك التحالفات هي أساس التشكيلة البرلمانية والحكومية القادمة. 

لكن السؤال المهم هنا هل باستطاعة تيار سائرون بزعامة مقتدى الصدر تشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر، بما يفرضه ذلك من التخلص ولو نسبيا من النفوذ الإيراني على المشهد السياسي في العراق، ومن التأثير الأمريكي أيضا ؟ يلاحظ هنا أن قناعة الصدر بدور وطني يتجاوز الطائفية في العراق لا يعني أن الصدر عدو أو حتى خصم لإيران؛ فهو من المنظومة الشيعية نفسها، لكنها المنظومة الأكثر اعتدالا بالمقارنة بالأحزاب الشيعية الحاكمة، والتي تختلف في مشروعاتها السياسية وأدواتها. أما الولايات المتحدة فتحبذ بقاء العبادي كرئيس للوزراء في إطار التحالف مع ائتلاف سائرون لمقتدى الصدر ومع عدد من القوى الحزبية التي تبتعد إلى حد ما عن تأثير إيران، وذلك رغم أن كتلة سائرون لا تزال تنظر إلى العبادي باعتباره فشل في تحقيق الإصلاحات السياسية ومحاربة الفساد.

جميع ما سبق يشير إلى أن عملية تشكيل التحالفات البرلمانية التي سيتمخض عنها تشكيل الحكومة باتت معقدة للغاية، وستستغرق وقتا ربما يتجاوز الفترة المحددة دستوريا لتشكيل الحكومة وتسمية المناصب العليا الثلاثة. وأن البعد الخارجي، وتحديدا العلاقات مع إيران في ضوء تفاعلاتها مع الولايات المتحدة، ستكون لها حساباتها في هذا التشكيل.

طباعة
صافيناز محمد أحمد

باحثة متخصصة فى الشئون السياسية العربية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية