أخبار وأنشطة

مناهج البحث في إدارة الصراعات وموقع التسويات المرحلية فيها: حالتي ليبيا وسوريا

طباعة

عقد مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية سميناره العلمي السادس، الذي قدمته وحدة الدراسات العربية والإقليمية في السادس عشر من مايو 2018، تحت عنوان "مناهج البحث في إدارة الصراعات وموقع التسويات المرحلية فيها". وقد قدم د. حسن أبو طالب، مستشار المركز، مدخلا نظريا، وقدم د. زياد عقل، الخبير بوحدة الدراسات المصرية، تطبيقا على حالة ليبيا، والأستاذة صافيناز محمد أحمد، الباحثة بوحدة الدراسات العربية والإقليمية، تطبيقا على حالة سوريا. وأدار السمينار د. وحيد عبد المجيد، مدير المركز.

أولا: المداخل النظرية

تناول د. حسن أبو طالب "موقع التسويات المرحلية في عملية إدارة الصراعات"، وأشار إلى أنها تضم عدة استراتيجيات ترسم كيفية التعامل مع الصراعات الدولية.

1- إدارة الصراع

ظهر مفهوم إدارة الصراع في علم إدارة المؤسسات، حيث يُنظر للصراعات داخل المؤسسات على أنها جزء من حقائق الحياة اليومية، فالصراع يعكس حالة من حالات التنافس الإيجابي بين الأفراد داخل المؤسسة، والذي يمكن الاستفادة منه وفقا لطريقة إدارته. وفكرة إدارة الصراع تعني كيفية منع صراع ما من الانفجار، أي منع تحوله من صراع قابل للسيطرة إلى صراع متفجر يتحول إلى حرب كبرى. وأثناء الحرب الباردة، كانت فكرة إدارة الصراع حاضرة بهدف منع تحول الصراع إلى حرب دولية، بين القوتين العظمتين، وذلك في إطار ما طُرح في السياسة الخارجية الأمريكية من "احتواء الاتحاد السوفييتى". وأثناء هذه الفترة ظهرت استراتيجية "الردع النووي"، والتي تعني اتفاق جميع الأطراف النووية، على قيام أي منهما بتوجيه الضربة النووية الأولى.

بدأت هذه النظرية في التطور تدريجيا، وتضمنت تحديد أطراف الصراع، بالإضافة إلى "الطرف الثالث" أو "الوسيط"، وهو الطرف الخارجي غير المتورط في الصراع، ويمتلك القدرة على التدخل وإقناع الطرفين إما بقبول تسوية نهائية مرضية لكافة الأطراف، أو بدء عملية تُدار خلالها حلول جزئية لبعض أبعاد الصراع مع تأجيل أبعاد أخرى إلى مراحل لاحقة.

ولكن لتحقيق تلك العملية بشكل سليم ينبغي أن يكون هناك ارتباط ما بين كل مرحلة والمرحلة التالية لها، مع التزام الطرفين الحرص على الانتقال للمرحلة التالية. أما في حالة تقاعس أحد الطرفين، فإن التسوية لا تكون "مرحلية متدرجة"، وإنما تصبح "تسوية متعثرة".

وقد كانت مفاوضات أوسلو مثالا على ذلك لسببين: الأول، هو تحول الوسيط -الولايات المتحدة الأمريكية- من لعب دور محايد، إلى الانحياز بصورة كبيرة إلى أحد أطراف الصراع وهو إسرائيل. السبب الثاني، هو عدم التزام إسرائيل بتنفيذ الاتفاقيات الجزئية، وبالتالي لم يتم الانتقال إلى التسوية النهائية.

من ناحية أخرى، تؤثر طبيعة "قضايا الصراع" في مسار التسوية، وإمكانية الوصول إلى تسوية نهائية، إذ إن هناك نوعين من القضايا (مادي، وأيديولوجي)، ويخلق الدمج بينهما نوعا ثالثا من قضايا الصراع. فالنوع الأول هو صراع مادي، بمعنى أن تتصارع دولتين على أرض أو موارد. في حالة هذا النمط من الصراعات من الممكن حدوث تسوية مرضية للطرفين، مثال على ذلك تسوية الصراع على الحدود بين الكويت والسعودية.

وعندما يصبح الصراع متعلق بجزء مادي بالإضافة إلى قناعات "دينية أو قومية" يتحول الصراع إلى المستوى الثاني. وعندما يتطور تصبح الحلول المتعلقة بالتسويات غير قادرة على الصمود، مما ينقلنا إلى النوع الثالث، وهو الوصول إلى مرحلة قناعات يُنظر إليها دائمًا باعتبارها جزء من التكوين الفكري والأيديولوجي والقيمي لأحد أطراف الصراع. هنا تصبح عملية حل الصراع "معقدة للغاية".

2- تحويل الصراع

أشار د. حسن أبوطالب إلى أحد المفاهيم الحديثة في إدارة الصراع والمتمثل في "تحويل الصراع"، والذي ظهر في عام 2009، والذي يشير إلى عملية "متعددة الأبعاد" Multi-Dimensional Task، أو مجموعة من الجهود التي تستهدف الوصول إلى تسويات بعيدة المدى من خلال سلسلة من العمليات التفاعلية، والتي تؤدي مع عبر فترة زمنية إلى نوع من التوافق بشأن مصادر وأسباب الصراع، الأصل فيها إعادة تعريف المصلحة محل النزاع.

وتنطلق نظرية "تحويل الصراع" من أن هذا "التحويل" سيؤدي إلى تسوية كاملة في النهاية. لكن بالنظر إلى الآليات التي تقوم عليها هذه النظرية، يتضح أنها لا تختلف كثيرا عن التسويات الجزئية، وتحمل نفس مشكلاتها، خاصة قابلية الصراع للانفجار في أي مرحلة، ذلك أن عملية تحويل الصراع لا تعالج جذور هذا الصراع، بقدر ما تعالج بعض أبعاده. المشكلة الرئيسية في مسألة التعامل مع الصراعات تتمثل في كون الظاهرة الصراعية ظاهرة ليست ثابتة ولكنها متغيرة بشكل مستمر، وفقا لتطور وتغير الأحداث. ففي غزة، على سبيل المثال، يُعد استخدام القوة المفرطة من قبل إسرائيل ضد المتظاهرين السلميين، والذي حدث مؤخرا سببا متجددا لتأجيج الصراع. يصدق ذلك بشكل خاص على نوعية الصراعات التي تكون أقرب إلى "المباريات الصفرية" zero sum games، حيث تصبح تغيير المدركات في هذه النوعية من الصراعات عملية نتائجها ليست إيجابية بالضرورة، خاصة فيما يسمى بالصراعات المستعصية، أو الصراعات طويلة الأمد. وهنا تبرز مشكلة إعادة امتداد الصراع لعدة سنوات بعد أن كان من الممكن احتوائه على المدى القريب. كما أن استدعاء أطراف ثالثة في عملية "تحويل الصراع" تلك قد يؤدي إلى تطور مصالح معينة لهذه الأطراف، الأمر الذي قد ينتهي إلى تغير في طبيعة الصراع بالمقارنة بالحالة التي بدأ عليها الصراع. 

دخول الأطراف الأخرى قد يكون في إطار "الوساطة"، أو "المساعي الحميدة". وتعد الوساطة أقوى من المساعي الحميدة، لأنها تتم عبر جانب لديه أفكار، ويصبح جزء من عملية المفاوضات. أيضا يكون لديه قدرة على تقديم الضمانات، وبالتالي لابد أن تكون لديه حالة من حالات النفوذ السياسي، والنفوذ العسكري أيضا، على أطراف الصراع.

ومن ثم، فإن النقد الأساسي الذي يُوجه إلى نظرية "تحويل الصراع" أنها تدعى أنها تريد التوصل إلى حل جذري، لكن قراءة دقيقة لآليات عمل النظرية تشير إلى أن ما تقوم به في الحقيقة هو نوع من أنواع إدارة الصراع. من ناحية أخرى، فإن عملية تحويل الصراع هي عملية طويلة المدى، تتطلب فترة زمنية كبيرة. من ناحية ثالثة، فإن النظرية تراهن على شيئين في الوقت ذاته، هما تغيير القناعات لدى الأجيال الجديدة، بالتزامن مع اختفاء الأجيال القديمة، الأمر الذي يعني اعتماد النظرية بشكل كبير على متغير الزمن، والزمن في حالة الصراعات الممتدة أو المستعصية قد يتحول إلى عامل لتأجيج الصراع وليس عامل لتفكيك عناصره الأساسية.

ويؤكد د. حسن هنا أن هناك عناصر أساسية ينبغي أن تُؤخذ في الاعتبار أثناء عملية إدارة الصراع، هي:

- إلى أي مدى نستطيع أن نغير في سلوك طرفي الصراع؟

- إلى أي مدى نستطيع تقديم تسوية مقبولة مرضية لطرفي الصراع؟ 

- هل نتعامل مع تسوية مؤقتة أم تسوية نهائية؟

- إلى أي مدى يستطيع طرف آخر ثالث أن يكون لديه قدرة على فرض حل نهائي؟

وأضاف د. وحيد عبد المجيد هنا أن هناك تسويات يتم التوصل إليها دون تدخل طرف وسيط، أي تحدث بين الطرفين مباشرة، وربما نشهد إحداها إذا نجحت المفاوضات الأمريكية– الكورية الشمالية. ففي مثل تلك الصراعات يصل الطرفان إلى لحظة اقتناع بأن الصراع بينهما لم يعد هناك جدوى من استمراره، ما يشير إلى أن هناك مقومات لتسوية حقيقية، حيث لم يتوسط أحد للضغط على أي من الطرفين، أو استخدام نفوذه على أحدهما أو على الاثنين، وإنما حدث عن اقتناع بينهما.

وأشار د. معتز سلامة، رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية بالمركز، إلى أن هناك على ما يبدو ارتباط بين نظرية "تحويل الصراع" وما عرف بـ"ثقافة السلام". لكن يتضح من خلال بعض الكتابات بصحف عربية مهمة، حيث تُجري مفاضلة حول إذا قامت حرب بين إسرائيل وإيران، مع أيًّ منهما سيقف العرب؟ وأرجحت الوقوف مع إسرائيل، الأمر الذي يشير إلى نجاح هذا مفهوم "تحويل الصراع" وثقافة السلام بشكل كبير في تحقيق أهدافه فيما يتعلق بالصراع العربي- الإسرائيلي، في اتجاه إحداث تغيير في قناعات ومدركات أطراف الصراع.

كما أشار د. محمد فايز فرحات، الخبير بوحدة الدراسات الدولية، إلى نموذج آخر للصراعات يؤكد ضعف نظرية "تحويل الصراع"، وهو الصراع الممتد ما بين الهند وباكستان "حول كشمير، والذي حدث تحول كبير به بعد أحداث 11 سبتمبر، وبعد ما بدأت عملية التطبيع بين طرفي الصراع، والتي استقرت لفترة طويلة بين الدولتين. وقام الرئيس الباكستاني السابق، برفيز مشرف، والذي كان قد قام بعملية "كارجيل" في عام 1999 التي هددت بنشوب حرب كبيرة بين الجانبين، بإصدار تصريحات مهمة حول استعداد بلاده التنازل عن تطبيق قرارات الأمم المتحدة القضاية بالتسوية من خلال إجراء استفتاء في المناطق المتناع عليها، والقبول بإجراء تسوية سياسية، وهو تحول لم يكن متوقعا في الموقف الباكستاني. وعلى الجانب الهندي، فإن جزء من عملية التطبيع بين البلدين جرت لفترة طويلة في ظل حكومة حزب بهاراتيا جاناتا، ذي التوجهات الدينية بالمقارنة بحزب المؤتمر.

وقد اضطر طرفي الصراع في الدخول في عملية تطبيع تحت تأثير عوامل عديدة، منها توصلهما لقناعة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، مفادها عدم جدوى المراهنة على الولايات المتحدة لفرض تسوية للصراع، فمن ناحية تطورت قناعة لدى باكستان بأن دورها في الحرب على الإرهاب في أفغانستان لم يكن كافيا لوقوف الولايات المتحدة بجانبها في الصراع مع الهند، وأن الولايات المتحدة لازالت منحازة إلى جانب الهند. وعلى الجانب الآخر، حاولت الهند سحب مفهوم الدول الراعية للإرهاب على الحالة الباكستانية، الأمر الذي يؤسس لإمكانية شمولها ضمن أهداف الحرب على الإرهاب، لكن موازين القوى لم تسمح بذلك.

واقترن بعملية التطبيع ظهور كتابات كثيرة تدعو إلى إعادة النظر في الصراع، والتأكيد على أنه صراع سياسي أكثر منه صراعا دينيا، وأن المسئول عن إعطاء أبعاد دينية واستمرار هذا الصراع هي الأحزاب والقوى الدينية. وأُجري استطلاع مهم في الهند داخل الطبقة الوسطى، أشارت نتائجه إلى إيمان النسبة الأكبر بأنه صراع سياسي بالأساس وليس صراعا دينيا. النخبة نفسها أيضا بدأت تعلن ذلك بشكل صريح، وأن هذا الصراع أصبح مكلفا للغاية، خاصة النخبة الباكستانية التي عقدت مقارنات بين الوضع الهندي والوضع الباكستاني، خاصة على المستوى الاقتصادي.

في هذا الإطار، طُرحت أفكار عملية لتسوية الصراع، كان من بينها تحويل خط السيطرة إلى خط حدود دولية، وقُدمت مقترحات تفصيلية مهمة في هذا الإطار. لكن في النهاية تم إجهاض هذه العملية. ويرى د. فايز أنه على الرغم من إمكانية وصف عملية التطبيع تلك، وما ارتبط به من تحول في تكييف وإدراك قطاع من النخبة والطبقة الوسطى لطبيعة الصراع، على أنه نوع من حدوث تحويل في الصراع، لكن هذه العملية أُجهضت في النهاية. ويرى د. فايز أن الذي قام بإجهاض هذه العملية هو قطاع من النخبة العسكرية، والتنظيمات الدينية المتشددة التي لم تصل إليها عملية تحول الصراع تلك. وذلك نظرًا لعدم وجود مصالح لديهم في تسوية هذا الصراع. فأسباب ومن ثم، فإن فشل عملية تحويل الصراع لا يرجع بالضرورة إلى عدم قدرة النخبة على تغيير مدركات الجماهير لطبيعة الصراع، ولكن لأن النخبة نفسها، أو قطاع منها، قد لا يكون لديها هذه المصلحة.

وطرح د. معتز سلامة سؤالا حول "نوايا" أطراف الصراع، ومن ثم هل يمكن الربط بين التسويات الجزئية والتسويات النهائية للصراع؟ وهل عندما قامت إسرائيل بالدخول في تسوية مع العرب هل كانت تستهدف بالفعل تسوية كاملة نهائية أم كان هدفها فرملة هذه التسوية؟ بينما دخل العرب بنوايا وحسابات مختلفة.

ثانيا: الحالة الليبية

بدأ د. زياد عقل، مداخلته بالتأكيد على أن هناك مسارين رئيسيين يحكمان المشهد الحالي في ليبيا.

المسار الأول، هو مسار التسوية السياسية، والذي يقوده غسان سلامة والأمم المتحدة بدعم إقليمي ودولي غير مسبوق لأي مبعوث أممي جاء قبل ذلك إلى ليبيا. يشهد هذا المسار اختلافا كبيرا للدور الذي تقوم به الأمم المتحدة في ليبيا في المرحلة الحالية، حيث تعمل وفقًا لخريطة طريق يسعى غسان سلامة إلى تحقيقها، وذلك على خلاف المبعوث السابق، مرتن كوبلر، الذي اقتصر دوره على الجلوس مع النخب الليبية ومساعدتها على الوصول إلى توافق فيما بينها.

كذلك، هذه هي المرة الأولى التي تحمل فيها الأمم المتحدة تفويضًا من كافة القوى الدولية المعنية بالملف الليبي، للرؤية الأممية التي تقوم على فكرة إنشاء عملية سياسية داخل ليبيا عبر إجراء استفتاء على الدستور، وإجراء انتخابات نيابية، تنتهي بانتخابات رئاسية. وبالتوازي مع ذلك هناك ملف المصالحة الوطنية، سواء بين القبائل أو بين النخب السياسية، وإعادة دمج جميع العناصر المكونة للمجتمع الليبي.

ويشير د. ويادهنا إلى أن خريطة التحالفات الليبية تمر بتحولات عميقة، سواء التحالفات السياسية أو العسكرية أو القبلية، بمعنى أن صراعات النخب القائمة حاليًا لا تسمح بتطبيق أي اتفاق سياسي، ولكن ما يمكن توقعه في تلك المرحلة هو أن يتم ترسيخ عدد من المبادئ في هذا الصراع. فهذا الصراع يضم حاليا ثلاثة فاعلين رئيسيين، هم: مجلس النواب بطبرق، والمجلس الأعلى للدولة "المؤتمر الوطني العام" سابقًا، والمجلس الرئاسي، وأي إطار للتسوية يجب أن يتضمن هذه الأطراف الثلاثة.

وأصبح الحديث عن دور الدول الإقليمية في عملية التسوية السياسية بليبيا مهم جدا في هذه المرحلة، بالرغم من حدوث تراجع نسبي في دور بعض الدول، مثل الجزائر لما تواجهه من مشاكل داخلية، وهو الأمر الذي أتاح لدولة المغرب فرصة مهمة للعب دور أكبر داخل ليبيا. كما حدث نوع من التقارب بين المغرب والإخوان المسلمين في غرب ليبيا. لكن يظل الفاعل الرئيسي إقليميا في ليبيا هو مصر، لقدرتها على التواصل مع كافة الأطراف في ليبيا، سواء في الداخل أو الأطراف المتفاعلة إقليميًا. أيضًا إيطاليا وفرنسا يشكلان حليفين مهمين، فهناك تحول في رؤية هذه القوى الخارجية فيما يتعلق بدور خليفة حفتر الذي يعد حليفا مهما لمصر داخل ليبيا، وهو الأكثر حفاظًا وتوافقا مع المصالح المصرية، خاصة في شرق ليبيا. وبالتالي، نحن في مرحلة تريد خلالها تلك الدول التوافق على مسار يتعلق بالربط بين القوى العسكرية والقوى السياسية في ليبيا؛ فمصر تدفع بقوة في اتجاه إعادة توحيد الجيش الليبي وخلق نوع من أنواع المؤسسية داخل هذا الكيان. وتحاول في هذا الإطار استمالة القيادات العسكرية الليبية السابقة في مرحلة القذافي بالاندماج في الجيش الوطني الليبي.

المسار الثاني، هو مسار الحسم العسكري؛ فأحد المشكلات التي تعمق الأزمة الليبية هو عدم وجود قوة عسكرية قادرة على فرض نفسها على القوى الأخرى. فعلى الرغم من أن الجيش الوطني الليبي هو أكثر كيان عسكري متماسك داخل ليبيا، والأكثر سيطرة على الأرض، إلا أنه غير قادر على السيطرة بشكل كامل على شرق ليبيا ولا على الوجود في الجنوب. وبالإضافة إلى القوى العسكرية الرئيسية التي كانت توجد في غرب ليبيا (ميليشيات فجر ليبيا، وقوات البنيان المنصوب)، فغرب ليبيا لم يعرف في تاريخه كيان عسكري مؤسسي، بقدر ما عرف التحالفات بين الميليشيات، وهو الأمر الذي يتم إعادة صياغته في المرحلة الحالية. ويتم ذلك من خلال محاولة يقوم بها فايز السراج من خلال استمالة عدد كبير من ميلشيات غرب ليبيا وإدخالها تحت لواء الدولة.

لقد ثبت خلال السنوات الأربع السابقة أن أكثر آلية فاعلة في إدارة التسوية في الصراع الليبي هي آلية دول الجوار، والتي تعد أكثر فاعلية حتى بالمقارنة بأدوار الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة وروسيا؛ وذلك كون دول الجوار تمتلك تواصلا فعليا مع كافة الأطراف في الداخل الليبي ومع الأطراف الإقليمية والدولية المؤثرة على الساحة السياسية الليبية، وبالتالي هي الأكثر قدرة على حلحلة الصراع في ليبيا. لكن لابد أيضا من توظيف أدوار بعض القوى الدولية مثل فرنسا وإيطاليا، بجانب الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. وقد حاول أحمد أبو الغيط، أمين عام جامعة الدول العربية، عمل ذلك بالفعل من خلال اقتراح تأسيس اللجنة الرباعية ممثلة في الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. لكن لابد من الاعتراف أن دور جامعة الدول العربية في تراجع، كما أن الاتحاد الأفريقي يعاني من عدم مصداقية داخل ليبيا.

الملف المهم الذي يجب طرحه في سياق الأزمة الليبية لارتباطه بمسألة التسوية، هو خلافة خليفة حفتر، حيث فتح مرضه الأخير الباب حول التساؤل عن ماذا سوف يحدث في حالة وفاته. خلافة حفتر تثير العديد من الخلافات، لأن الجيش الوطني الليبي مكون من عناصر مختلفة كثيرة، ويمتلك حفتر قدرة على التنسيق بين هذه العناصر المختلفة، وبالتالي نحن نحتاج لتكوين رؤية حول من يخلف خليفة حفتر.

كما أكد أن أي محاولة للتسوية في ليبيا تتأثر بشدة بعدم قدرة الدولة على السيطرة على العنف، الأمر الذي يهدد أي تسوية محتملة، نظرًا لإمكانية هدمها من قبل الميليشيات بسهولة كبيرة. ولذلك على القوى الإقليمية الفاعلة المهتمة بالملف الليبي أن تطور رؤية واضحة لمسألة مأسسة الميليشيات في ليبيا ونزع سلاحها.

ورأى الدكتور عمرو الشبكي، مستشار الوحدة المصرية بالمركز، أن سبب تعمق الأزمة الليبية يرجع إلى الفصل الدائم بين المسارين السياسي والعسكري، ولذا ينبغي الدمج بينهما، لأن الخيار العسكري يستند على فكرة رئيسية وهي إعادة الدولة الوطنية الغائبة داخل ليبيا. ولكن ينبغي أن يتم ذلك في إطار وجود رؤية سياسية، ولا يجوز أن يكون هناك رؤية سياسية غير معنية بالدولة ولا أن يكون هناك جيش يتحرك في الفراغ المُطلق.

وأكد الدكتور وحيد عبد المجيد على أن الأزمة الليبية سوف تمتد لفترة طويلة لأنها تفتقد لما يسمى "العقلانية". بمعنى أن يمتلك أطراف الصراع درجة من العقلانية تؤهلهم للتوصل إلى قناعة بأن هذا الصراع لابد أن ينتهي، وأنه غير مُجدٍ وليس بالضرورة أن ينتهي بهزيمة كاملة أو انتصار كامل لأي من الطرفين.

ثالثا: الحالة السورية

في بداية حديثها أكدت الأستاذة صافيناز محمد أحمد أن التسوية السياسية في سوريا تُعد حتى هذه اللحظة تسوية مرحلية ويرجع ذلك إلى سببين: الأول، أن تعاطيات الأطراف الدولية المعنية بالصراع لاتزال قابعة في مرحلة "التأطير للأزمة"، نتيجة لعدم توصل هذه القوى لقناعة تدفعهم إلى حل الصراع. الثاني، أن هذه الأطر لاتزال رهينة تفاعلات القوى الدولية والإقليمية المنخرطة في الصراع والباحثة عن إطار للتسوية؛ فهناك ثلاثة مسارات، هي: جنيف، والآستانا، وسوتشي، تعبر عن مرجعيات مختلفة، ولها مخرجات مختلفة.

1- مسارات التسوية... مسارات مرحلية متعثرة 

أشارت الأستاذة صافيناز إلى آلية الوساطة عبر المبعوث الدولي، وآلية المفاوضات. ورأت أن مهام المبعوث الدولي في الأزمة السورية بدءا من كوفي عنان، مرورا بالأخضر الإبراهيمي، وصولا إلى دي ميستورا، جميعها مهام وصلت إلى طريق مسدود، نتيجة لجمود وتناقض مواقف المجتمع الدولي من الأزمة، وكون مهمة المبعوث الدولي أصبحت مقيدة إلى حد كبير بفعل تفاعلات القوى الدولية والإقليمية.

مسار جنيف: عُقدت العديد من جولات التفاوض الخاصة بمؤتمر جنيف؛ بدءا من جنيف-1 في يونيو 2012 وحتى الجولة التاسعة في فيينا يناير 2018، وهى مسارات تعنى بالتفاوض السياسي غير المباشر بين المعارضة والنظام في وجود ممثلي الدول المعنية بالصراع، وبرعاية أممية. وتوصلت هذه الجولات إلى عدد من النتائج، حصرتها أ. صافيناز فيما يلي:

- تحديد ما يُسمى "مبادئ مرحلة انتقالية"، في جنيف-1، وهنا برز الاختلاف على تفسير المقصود بهذه المبادئ؛ كونها لم تشر بوضوح لوضع الرئيس بشار الأسد من هذه المرحلة الانتقالية.

- صدور القرار الأممي رقم 2118 في 27 سبتمبر 2013، والذي نص على وضع إجراءات خاصة للإسراع بتفكيك برنامج الأسلحة الكيماوية السورية، والتأكيد على أن الحل الوحيد للأزمة الراهنة في الجمهورية العربية السورية سيكون من خلال عملية سياسية شاملة على أساس بيان جنيف-1 بإنشاء هيئة حكم انتقالية تمارس كامل الصلاحيات التنفيذية، وتُشكل على أساس التوافق.

- بعد التدخل الروسي في سبتمبر 2015 عُقد مؤتمر فيينا في نوفمبر 2015. وترجع أهمية هذا المؤتمر إلى أنه قدم مرجعية مختلفة إلى حد ما عن مرجعية جنيف-1، حيث أقر بيانه "بجمع الأطراف السورية المتصارعة في عملية سياسية، تفضى إلى تشكيل حكومة ذات مصداقية وشاملة وغير طائفية". هذا النص تجاوز فكرة تشكيل هيئة حكم انتقالية واختزلها في تشكيل الحكومة الشاملة. وتأسيسا على بيان فيينا تبنى مجلس الأمن وبالإجماع القرار رقم 2254 في 18 ديسمبر 2015، وهو القرار الذي حدد "خارطة طريق" للتسوية في سوريا تقوم على وقف إطلاق النار بالتزامن مع بدء المفاوضات بين النظام والمعارضة بحلول يناير 2016، مع تشكيل حكومة انتقالية خلال ستة أشهر، وتنظيم انتخابات خلال ثمانية عشر شهرا.

- ومع تحول ميزان القوى العسكرية لصالح النظام وداعميه (روسيا وإيران)، ومع التحول في الاصطفافات الإقليمية بانتقال تركيا بعد سقوط حلب إلى التقارب مع روسيا، ومع التدخل الأمريكي العسكري، عُقدت كافة الجلسات، من الرابعة في مارس 2017 وحتى الثامنة في نوفمبر 2017 والتي تناولت النقاط الرئيسية التي أقرها قرار مجلس الأمن رقم 2254 الصادر في ديسمبر 2015، أو ما عُرف ببرنامج "السلال الأربع" وهو البرنامج الذى طرحته وثيقة دي ميستورا ويشتمل على: "تأسيس شكل جديد من أشكال الحكم غير الطائفي، وصياغة دستور جديد، وإجراء انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة، ومكافحة الإرهاب عبر وضع استراتيجية أمنية لهذا الغرض". وقد اختلفت رؤى المعارضة مع رؤى دي ميستورا الداعمة لمناقشة السلال الأربعة؛ حيث قدمت المعارضة في هذه الجولة وثيقة تتضمن رؤيتها لما أسمته "بالإجراءات الدستورية الناظمة للمرحلة الانتقالية"، والتى تقوم على أن جوهر العملية السياسية المأمولة في سوريا يتطلب تشكيل هيئة الحكم الانتقالى باعتبارها الخطوة الرئيسة في عملية الانتقال السياسي بموجب قراري مجلس الأمن 2118 و2254.

وعُقدت الجولة التاسعة من المفاوضات في العاصمة النمساوية فيينا يومي 25 و26 يناير2018، وشهدت تقديم كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والأردن والسعودية ورقة غير رسمية للمبعوث الأممي تضمنت رؤية هذه الدول لكيفية إعادة إحياء العملية السياسية بشأن سوريا استنادا للقرار 2254. وأشارت الورقة إلى "التركيز بشكل مباشر وفوري على مناقشة إصلاح دستوري وإجراء انتخابات حرة ونزيهة "، كما أشارت إلى اعتماد صيغة نظام حكم لامركزية.

مسار الآستانا: جاء عقد مؤتمر الآستانا بدعوة من روسيا، واهتم بسياق التفاعل والصراع بين النظام والمعارضة؛ أي أنه سعى بالأساس إلى ترجمة واقع الصراع الميداني إلى مسارات تسوية للأوضاع العسكرية داخليا بين طرفي الصراع. وقد عُقدت تسعة جولات في الآستانا التي بدأت في 23 يناير 2017 بوقائع الجلسة الأولى ووصولا إلى وقائع الجلسة التاسعة في 14 مايو 2018. وكانت جلسات التفاوض تتم بصورة غير مباشرة بين وفدى النظام والمعارضة المسلحة، وبضمانة كل من روسيا وإيران وتركيا. وقد أقرت تلك الجولات عمليات وقف إطلاق النار بين النظام والمعارضة، وإنشاء مناطق خفض الصراع والتوتر.

كما وضعت تلك المسارات آلية لتبادل المعتقلين بين النظام والمعارضة المسلحة، وحددت خرائط المناطق التي لم تدخل ضمن خفض التصعيد باعتبارها مناطق نفوذ لغيرها من القوى المنخرطة في سوريا؛ كشرق سوريا حيث الوجود العسكري الأمريكي، ومناطق الشمال حيث الإدارة الذاتية الكردية والتدخل العسكري التركي.

ويعبر مسار الآستانا عن استراتيجية روسية تهدف إلى ترجمة التوازنات السياسية الجديدة الناتجة عن تدخلها العسكرى في سوريا منذ ثلاثة سنوات ماضية. والفكرة الحاكمة لمسارات الآستانا بشأن خفض التصعيد بين النظام والمعارضة تقوم على تحويل دور المعارضة من محاربة النظام إلى محاربة الإرهاب (تنظيم الدولة وهيئة تحرير الشام "النصرة سابقا").

مسار سوتشى: رأت روسيا أن انتصارها في سوريا بنهاية عام 2017 يجب ترجمته في مسار جديد يحمل رؤياها الخاصة لمشروع التسوية والحل السياسي. وفى أواخر يناير 2018 تم عقد مؤتمر للحوار الوطني السوري، ضم حوالى 1500 شخصا يمثلون كافة أطياف الشعب السوري في الداخل والخارج وبعض الفصائل المسلحة. وكانت الرؤية الروسية للمؤتمر تقوم على الضغط على المعارضة السورية، وتحديدا هيئة التفاوض التي تم تشكيلها في مؤتمر الرياض-2، لدفعها إلى تقديم تنازلات بشأن المرحلة الانتقالية مستقبلا، وإلا فإن روسيا ستصنع معارضة قادرة على المضي قدما في تسوية روسية خالصة. لكن رفض هيئة التفاوض السورية حضور المؤتمر، ورفض الولايات المتحدة والدول الأوروبية لسياق مسار ستوشي، أثرا سلبا على مخرجات هذا المسار. ووقفت حدوده عند مناقشة قضايا إصلاح الدستور عبر تشكيل لجنة لهذا الغرض.

وأشارت أ. صافيناز إلى أن هذه المسارات لم تساهم حتى الآن في خلق إطار تفاوضى تُبنى عليه تسوية سلمية فعالة، وربما يعود ذلك إلى أن هذه المسارات جاءت تلبية لرغبة وإرادة القوى الدولية والإقليمية المنخرطة بالصراع، وارتباطا بمصالحها وبتوازنات القوى المتغيرة بينهما. وفي الوقت الذي تحرص فيه المعارضة على التفاوض عبر جنيف، يحرص النظام على التفاوض عبر الآستانا وسوتشى، لأنه يخشى الالتزام بحلول سياسية مع الأمم المتحدة. كما أن الضمانة الثلاثية الروسية التركية الإيرانية لخطط تطبيق المناطق منخفضة التصعيد بين النظام والمعارضة، توفر له اعترافا رسميا إقليميا ودوليا بضرورة بقائه على قمة السلطة في سوريا.

أضف إلى ذلك أن مخرجات جنيف تم تجاوزها بخلق مسارات جديدة تتلاشى البحث في إقامة هيئة حكم انتقالية بكافة الصلاحيات التنفيذية. وهذا يعني أن التسوية ستدور في إطار "إعادة هيكلة النظام" عبر عملية إصلاحية دستورية، وانتخابات، ونظام حكم لامركزي يضمن بقاء بشار الأسد ولكنه يقلل ويحجم من صلاحياته.

2- أسباب تعثر التسوية

أشارت أ. صافيناز إلى أن هناك مجموعة من العوامل أدت إلى تأجيج الصراع. بعضها أسباب داخلية، مثل قناعة كل طرف من أطراف الصراع الداخلي بجملة من التصورات حول ماهية المخرجات التي يجب أن تُبنى عليها المفاوضات، بالإضافة إلى غياب الرغبة في تقديم تنازلات، وغياب وجود تصورات وشروط موضوعية تُبنى عليها مفاوضات جادة، فضلا عن ارتهان النظام والمعارضة لسياسات الدول الداعمة لكليهما. وخارجيا، أشارت أ. صافيناز إلى أن الفشل في التوصل لأطر تسوية سلمية للصراع ارتبط إلى حد كبير بطبيعة التفاعل بين القوى الدولية والإقليمية المعنية بالأزمة السورية؛ خاصة الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا وبدرجة ما إسرائيل.

فى هذا السياق، يأتي عدم توصل روسيا والولايات المتحدة حتى الآن إلى حالة توافق بشأن شكل التسوية ومضمونها واستمرار حالة التناقض في الرؤى، لاسيما تلك المتعلقة بإيران خاصة بعد إعلان أهداف الولايات المتحدة الأمريكية الخمسة في سوريا والتي من ضمنها مواجهة المشروع الإيراني عبر سوريا، وبعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي. وهنا يأتي المتغير الإسرائيلي في سياق التفاعل وحالة التصعيد المستمرة ضد أهداف إيرانية عسكرية في حماة وجنوب دمشق والجنوب السوري حيث القنيطرة والسويداء ودرعا. كما ستظل تحركات كل من تركيا وإيران قائمة ليس فقط على إدارة مصالحهما الخاصة، ولكن أيضا إدارة تلك المصالح في إطار تفاعلات القوى الدولية، روسيا والولايات المتحدة.

وأصبح التفرد الروسي بصياغة حل سياسي للأزمة غير مقبول من جانب الولايات المتحدة والدول الأوروبية، وهو ما انعكس بوضوح في الضربة الثلاثية الأمريكية البريطانية الفرنسية التي تشير إلى أن ثمة فاعلين دوليين لم يعد يقبلون الانفراد الروسي في سوريا. أما الولايات المتحدة بالرغم من انسحاب استراتيجيتها في سوريا نحو تحقيق هدف مواجهة إيران ومحاربة الإرهاب، إلا أنها لاتزال تمتلك هي الأخرى قدرا يُعتد به من المناورة، التي تمكنها من فرض مزيد من التعقيد أمام إدارة روسيا للصراع السوري في مرحلة ما بعد القضاء على الإرهاب.

في النهاية طرحت أ. صافيناز تساؤلا بشأن أيا من المسارات الثلاثة (جنيف، الآستانا، سوتشي) يمكن أن يُرسم فيها الحل المأمول؟ وأشارت إلى أن ثمة طرح دولي لجمع المسارات الثلاثة في إطار واحد جامع يمكن أن يكون أساسا تُبنى عليه تسوية ما، لاسيما أن هناك العديد من القضايا المشتركة التي تم طرحها في هذه المسارات، منها على سبيل المثال قضايا وقف إطلاق النار (طُرحت في جنيف ونُفذت في الاستانا) وقضايا الإصلاح الدستوري (طُرحت في جنيف وفي سوتشي ومؤخرا في الآستانا).

وتعليقا على العرض أشار د. عمرو الشبكي، إلى إن مصر هي البلد العربي الوحيد الذي يستطيع لعب دور الوسيط الثالث داخل سوريا. ويرجع ذلك إلى عدة أسباب منها عدم تورطها بشكل مباشر في دعم أي ميليشيات على الأرض السورية، بجانب أنها تستطيع لعب دور يلقى قبولا لدى فصائل المعارضة والمجتمع الدولي والنظام القائم. وقد تم طرح العديد من الأفكار خلال الفترة الأخيرة من بينها مُقترح إرسال قوات عربية إلى سوريا، لكن في حال إرسال قوات عربية يجب أن نراعي أن لا تكون طرف من أطراف الصراع ولكن كقوات حفظ سلام، في إطار مشروع سياسي متكامل لحل الأزمة والتسوية في سوريا.

وأشارت د. أميرة عبد الحليم، إلى الحالة الأفريقية، حيث شهدت أفريقيا حالة صراع مصطحبة بتجاهل دولي في مرحلة من تاريخها. خلال تلك الفترة تكون لديها ما يطلق عليه "إطار مؤسسي" لحل الصراعات بالاعتماد على الأفارقة ذاتهم. وبالتالي تظهر أهمية آليات دور دول الجوار، في الأزمة الليبية والسورية، نظرًا لكون هذه الدول هي الوحيدة القادرة على تحقيق مصالح الشعوب، والتأثير على الأطراف الفاعلة في الداخل، وهو بخلاف الأطراف الخارجية التي تعد بعيدة نسبيا عن أطراف الصراع.

ورأى السفير الدكتور محمد بدر الدين، أن هناك فرق في الصراعات الأفريقية والصراعات العربية؛ فحالة الصراعات الأفريقية ما بعد الحرب الباردة هي حالة صراعات داخلية يتم التدخل فيها سواء من المنظمة الإقليمية أو المنظمة الدولية، على خلاف حالة الصراعات التي نتحدث عنها اليوم والتي هي صراعات دولية لها وكلاء وأطراف تقوم بتنفيذها، وبالتالي فإن تطبيق الآليات التي تمت في حالة النزاعات الأفريقية في هذه النزاعات أمر صعب لأن النظام الدولي بأكمله يكاد يكون طرفًا في الصراع في سوريا. وبالتالي فإن الطرف الوحيد الذي يملك القدرة على أن يكون وسيطا هو مصر، فعندما نتحدث عن قوات عربية في الطرح الأمريكي فهي قوات مقاتلة ضد النظام، لكن عندما نتحدث عن قوات مصرية تشارك فإننا نتحدث عن مشاركة في قوات حفظ سلام استنادا إلى قرار من الأمم المتحدة واستنادا إلى الفصل السابع وليس لفرض تسوية معينة.

طباعة
شروق صابر

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية