مقالات

الدولة والجماعات الرأسية: الوجود من خلال النفي

طباعة

من طبيعة تكوين جميع المجتمعات أنها تنقسم مكوناتها على أسس رأسية وأفقية؛ سواء بصورة طبيعية تحدث بدون اختيار الأفراد؛ مثل الانتماء إلى عرق أو لغة أو دين، أو الانتماء إلى طبقة اقتصادية، أو حرفة معينة، أو تحدث بصورة اختيارية مثل الانتماء إلى حزب سياسي، أو جماعة أيديولوجية، أو جماعة نفع عام، أو نقابة...الخ. في كل تلك الحالات يكون للانقسام الاجتماعي تأثير مباشر على تماسك المجتمع، وشرعية الدولة، وفعاليتها، فلا يوجد تقسيم لأفراد المجتمع على أي أساس من الأسس السابقة إلا وله تأثير؛ سواء أكان إيجابيا، أو سلبيا، وسواء أقبلنا به أو رفضناه.

ويُقصد بالتقسيم الرأسي للمجتع وجود جماعات ذات طبيعة عرقية، أو دينية، أو لغوية، أو مذهبية يؤمن أفرادها أنهم مختلفون، ومتمايزون عن المجتمع، وأن هذا الاختلاف يشمل معظم، إن لم يكن كل، جوانب حياتهم، وبذلك يختلفون عن المجتمع في معظم أو كل معايير التمايز بين الأفراد، أي أن يكون لهم نظام اجتماعي خاص، وتنظيم سياسي خاص، ومؤسسات اقتصادية خاصة، وفعاليات فكرية وثقافية خاصة، وفكر ديني خاص...الخ.

أما التقسيم الأفقي فهو وجود جماعات تتمايز في واحد أو اثنين فقط من معايير التمايز الموجودة في التقسيم الرأسي، كأن يكون لهم فكر سياسي خاص، أونظام اقتصادي خاص، ولكنهم يتشاركون مع باقي المجتمع في باقي مناحي الحياة، ويشاركونه باقي معاييره وممارساته.

والحقيقة أن التقسيمات الأفقية لا تمثل مشكلة من أي نوع للدول، فهي تقسيمات وظيفية؛ تتغير وتتحول مع الزمن، وليست قطعية أو حدية، لأن الفرد يكون عضوا في العديد منها في نفس الوقت. أما التقسيمات الرأسية فهي مكمن الخطر كله، لأنها تشكل مجتمعا موازيا للمجتع؛ وغالبا ما تسعى لإيجاد دولة بديل عن الدولة، فهي بحكم طبيعتها تشكك في شرعية المجتمع، وتنازع في شرعية الدولة، لذلك درج علم السياسة على تطوير مفاهيم خاصة للتقليل من مخاطر مثل هذه التقسيمات الرأسية مثل: مفهوم التعديدية، ومفهوم الأقليات، ومفاهيم التعايش والتسامح...الخ؛ لكي يتم استيعاب تلك التقسيمات الرأسية في إطار قواعد العيش المشترك على مستوى المجتمع، والتدافع السياسي على مستوى الدولة.

والحقيقة التاريخية تعلمنا كذلك أن الدول تنشأ في مجتمعات منقسمة رأسيا، وتتكيف مع هذا الوضع؛ طالما أنه وضع طبيعي ليس باختيار الإنسان، وطالما أن هذا الانقسام لا يتصادم مع شرعية الدولة ووجودها، وطالما أن هذا الانقسام الرأسي لا يمثل تهديدا لوحدة المجتمع وتماسكه واستقراره، ولا يعتبر مقدمة للتنازع والتصادم مع باقي المكونات.

والحقيقة الاجتماعية والسياسية تقول لنا إنه لا يوجد مجتمع أو دولة تقبل بتأسيس جماعات تقوم على تقسيم رأسي للمجتمع بعد اكتمال وجوده، فلا يوجد مجتمع يسمح بالتقسيم الرأسي على أساس ديني جديد لم يكن موجودا فيه من قبل، ولا توجد دولة تسمح بإنشاء جماعة رأسية موازية للدولة، لأن ذلك يتعارض بالكلية مع مفهوم الدولة؛ التي هي السلطة الوحيدة المخولة بإدارة شئون المواطنين في كل نواحي حياتهم، ولا توجد سلطة أخرى تملك هذا الحق، وهذا ما يتضمنه مفهوم السيادة في أبعادة الداخلية، وباقي المؤسسات أو الجماعات، أو الطبقات تدير بعضا من شئون المواطنين، وليس كلها، وقد تتحكم في جانب من حياتهم، وليس كل حياتهم.

وبالنظر إلى حالة جماعة الإخوان في مصر نجد أن فكرها منذ تأسيسها يقوم على أنها جماعة رأسية؛ تقدم نفسها كمجتمع مثالي جديد؛ يسعى لإيجاد مدينة فاضلة طبقا لفهم قيادتها للمثالية والفضيلة، وأنها جماعة رأسية شمولية تغطي جميع مناحي الحياة. فعلى حد تعبير مؤسسها حسن البنا - الذي وضع فكر هذه الجماعة دون أن يبلغ سن الرشد الذي يسمح له بالترشح لأي منصب على مستوى مجلس محلي قرية منقرى مصر– الذي يقول في رسالة المؤتمر الخامس إن دعوة الإخوان المسلمين "دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية"، إذن فهي مجتمع موازي للمجتمع، ودولة بديل عن الدولة، وفرقة دينية جديدة تعتنق  نسخة جديدة من الدين.

ولأن التحليل السياسي يهتم بالواقع والممارسات الفعلية؛ أكثر من الاهتمام بالأفكار والتصريحات والرؤى المثالية، فإن تجربة الإخوان في حكم مصر (2013-2012)، تثبت لنا أن ما قاله المؤسس هو حقيقة حافظت عليها الجماعة بعده لما يقارب الثلاثة أرباع قرن من الزمان، فبعد تولى محمد مرسي رئاسة مصر تعاملت جماعة الإخوان مع الدولة المصرية كغنيمة للجماعة، أو أنها أرض مفتوحة بعد غزوة الصناديق، وتم تطبيق نظرية الغزو والفتح على الدولة المصرية، فبدلا من أن يكون الرئيس المصري الجديد القادم من جماعة الإخوان رئيسا لمصر، تحولت مصر إلى غنيمة للإخوان جميعا، فتم وبصورة مستعجلة القيام بعملية إحلال واستبدال في جميع المواقع؛ من خلال التخلص من القيادات السابقة واستبدال عناصر الإخوان غير المؤهلين، والذين لم يسبق لهم أن قاموا بهذه الأعمال مكانهم. ولم يبق مكان أو موقع طالته أيديهم، أو طمح في الوصول إليه واحد منهم إلا وسيطروا عليه، بما في ذلك الوظائف الفنية من ديوان الرئاسة إلى الإدارة المحلية في أقصى الصعيد، فيأتون مثلا بمدرس ابتدائي من التنظيم ليتولى رئاسة مجلس مدينة معينة، ويأتون برئيس نقابة العاملين في شركة أدوية ليتولى ملف إعادة هيكلة الدولة المصرية في ديوان الرئاسة...الخ.

وعلى المستوى المؤسسي سعى الإخوان لإنشاء مؤسسات موازية لكل مؤسسة حتى للجيش، فكان الدعم القوي للجماعات المتطرفة والعنيفة والإرهابية في سيناء تمهيدا لإنشاء حرس ثوري على نفس النموذج الإيراني، وتم الشيء نفسه في الإعلام وفي غيره، ولو قُدر لهم الاستمرار لتم استبدال جميع مؤسسات الدولة؛ إما بمؤسسات جديدة، أو بقيادات إخوانية جديدة غير مؤهلة، ولا تملك من القدرات، والكفاءات إلا الانتماء للجماعة الشمولية الرأسية.

هذا الوضع مثل تهديدا للمجتمع والدولة والدين ذاته، لأنه يعارض، بل يناقض ما جاء به الإسلام من قيم وغايات في مسألة إدارة المجتمعات، لأن جماعة الإخوان في حقيقتها تنظيم حداثي غربي؛ يتخذ من الحزب الشيوعي مثالا يقتدي به في الهيكلية التنظيمية، ومن الجماعات النازية قدوة في التفرد والعلو والنقاء البشري والمثالية الربانية في الفكر والثقافة والسلوك، ويتخذ كذلك من الجماعات الماسونية نموذجا يحتذى به في السرية، وتقديس التنظيم، والانغلاق عن باقي المجتمع. هذا التنظيم أعاد تعريف  الإسلام بعد ذلك ليستخدم النسخة الجديدة من الدين وسيلة لتحقيق الغايات التي يؤمن بها قياداته.

هنا ينبغي التأكيد على أن النموذج الإسلامي للحكم يقوم في جوهره على أولوية المجتمع على الدولة، أو أنه يعتمد في تأسيس مؤسساته على المجتمع، ومن خلال المجتمع، وليس على الدولة أو من خلالها، وهذا الذي حفظ له وجوده عبر التاريخ، وأسهم في تطوره في كثير الأحيان، وحال دون انهياره انهيارا كاملا في أحيان أخرى. فالفكرة الجوهرية هنا هي أسبقية المجتمع على الدولة، وعلى اعتبار أن المجتمع هو الأساس، ومن ثم فإن بناءه وترسيخ قواعده يعد أولوية أولى ثم تأتي بعد ذلك الدولة، أو النظام السياسي كنتاج طبيعي لهذه الحالة المجتمعية.

أما النموذج الذي تبنته جماعة الإخوان فهو العكس من هذا تماما، حيث أولوية السلطة والتحكم، والسيطرة على المجتمع والدولة؛ حتى وإن أدى ذلك إلى تفكيك المجتمع، وانهيار الدولة، إذ الغاية العليا عندهم هي السلطة بكل ما تعنيه من مفاهيم القوة والسيطرة والتحكم. وعندما تتبنى هذا التوجه جماعة رأسية شمولية تتحكم في أعضائها بصورة غير مسبوقة، بحيث تحولهم إلى أدوات غير عاقلة تتحرك في الاتجاه الذي تأمر به القيادة الربانية التي لا تنطق عن الهوى، في هذه الحالة نحن أمام نموذج خطير، ومدمر. أثبتت التجربة التاريخية أثناء حكم محمد مرسي، وما قامت به الجماعة من تحركات خارج سلطة الدولة ومؤسساتها، بل ضد الدولة ومؤسساتها تنفيذا لأوامر مكتب الإرشاد؛ الذي كان يدير رئيس الجمهورية كعضو فيه، بحيث كان الرئيس مرؤسا من مكتب الإرشاد. ويكفي أن نضرب مثالا بمحاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل أعضاء الجماعة، وفشل قوات إنفاذ القانون في فك الحصار، وانحياز الرئيس حينذاك للجماعة ضد مؤسسات الدولة، ثم محاصرة مدينة الإنتاج الإعلامي، ثم تولى الجماعة حماية قصر الرئاسة بدلا من الحرس الجمهوري بعد الإعلان الدستوري الاستبدادي، الذي جعل مرسي مصدرا لجميع السلطات، وفوق جميع السلطات.

وبعد سقوط الإخوان ظهرت حقيقة الجماعة أنها لا تؤمن بدولة أو بمجتمع، فهي فوق الدولة، وبديل عن المجتمع، ثم بعد ذلك تحولت إلى كيان معادي للدولة وللمجتمع من خلال الأعمال الإرهابية التي استهدفت المرافق العامة، وأفراد المجتمع عقابا لهم على عدم مساندة الجماعة في سعيها للاحتفاظ بالسلطة.

بعد هذه التجربة التاريخية التي تم فيها اختبار جماعة الإخوان في أرض الواقع، وليس محاكمتهم بنصوص وأفكار قياداتهم، فقد أثبتت الممارسة الواقعية لهم أن الجماعة الرأسية الشمولية من المستحيل أن تتعايش مع الدولة الحديثة، أو المجتمع الحديث، وأنه لا يستطيع أي مجتمع من المجتمعات أن يتسامح مع وجود هذا النوع من الجماعات أيا كانت مرجعيتها، وأيا كان دينها، وأيا كانت صفتها، فهذا النوع من الجماعات يطور تدريجيا أفكارا وممارسات وتقاليد ومؤسسات تصنع مجتمع بجانب المجتمع، موازٍ له، وأحيانا معادٍ له، وتسعى لأن تحل محل الدولة، لتؤسس لدولة على مقاس مجتمعها، وضد باقي المجتمع، بل قد تتحول إلى مستعمر أو محتل أو متسعبد لهذا المجتمع، تحوله إلى موضوع لحكمها، وليس مصدرا لسلطاتها.

والحال هكذا ينبغي ألا يُسمح بظهور هذه الجماعات ابتداءً، وأن يكون تأسيس أي منها مخالفا للقانون، مهددا للسلام الاجتماعي، والاستقرار المجتمعي، وأن يعتبر سلوكا ضد الدولة، أي أن يصدر من القوانين ما يجرم إنشاء مثل هذه الجماعات، وأن يتم تفكيك ما هو قائم منها أيا كان مسماه، أو انتماؤه الديني.

وفي المقابل، ينبغي أن يكون تأسيس الجماعات الأفقية مفتوحا بدون قيود، أو تضييقات قانونية أو أمنية، فمن حق جميع المواطنين إنشاء جماعات لتعليم الدين دون التعدي على الأديان الأخرى، ومن حق الجميع إنشاء جماعات للعمل الخيري، أو الثقافي، أو أي نشاط من أي نوع؛ بحيث يكون من حق أي جماعة القيام بنشاط واحد أو عدد محد من الأنشطة؛ لتظل جماعة أفقية تغطي بعض احتياجات المواطنين، وليست جماعة رأسية شمولية تغطيها جميعا.

والحال هكذا، فإن وجود جماعة الإخوان بهذه الصيغة التي تعمل بها يعتبر خطرا على المجتمع والدولة، وكذلك خطرا أشد على الدين ذاته. وإذا أراد المنتمون إليها أن يمارسوا حقوقهم كمواطنين، لهم كامل حقوق المواطنة، فعليهم أن ينشئوا أو ينخزطوا في جماعات أفقية تقدم خدمات محددة للمجتمع، أو ينشئوا حزبا سياسيا لا يقوم على أسس دينية، ولا يوظف الدين لتحقيق أهدافه، ولا يستخدم الخطاب الديني أو الشعارات الدينية في المنافسة الحزبية، مثل الأحزاب المشابهة في العديد من الدول الأوربية أو في المغرب، وبعد ذلك يترك للمجتمع أن يتعامل معهم على أسس سياسية بحته تتعلق بالبرامج والممارسات، أما أن تكون هناك محاولات لإعادة لهذا التنظيم الفاشل الذي أفسد الحياة السياسة في مصر على مر عقود طوال، وكان مبررا لكل مستبد أن يتخذه ذريعة للقمع والقهر ومصادرة الحريات، وفي النهاية أثبتت الجماعة أنها كيان فارغ من المضمون، خاوٍ من الكفاءات، مليء بالانتهازيين والفاسدين؛ الذين تحولوا إلى أدوات في يد دول إقليمية معادية لوطنهم،.

وأخيرا، واستنادا إلى ما سبق، يمكن القول إن دعوة المصالحة هذه دعوة فاسدة تهدف إلى إدخال مصر في مرحلة جديدة من التوترات والصراعات؛ التي ترهق الدولة وتفكك المجتمع ؛خصوصا بعد أن صار لهم مع المجتمع ثأرا ممتدا بعد تحويل أحداث رابعة العدوية إلى كربلاء الإخوان التي لن تنتهي بعد ألف عام.

الخلاصة أنه يستحيل وجود الجماعات الرأسية الشمولية مع وجود الدولة، لأن ذلك يتضمن فرضية الوجود من خلال النفي، فوجود إحداهما يعني نفي الآخر.

طباعة
د. نصر محمد عارف

أستاذ العلوم السياسية