دراسات

الإخوانية الجهادية... الأبعاد الفكرية والعملياتية

محمد جمعة * 3259 2-5-2018
طباعة

لحظات التغيير الكبرى التي شهدتها مصر منذ 25 يناير2011 وحتى وقت قريب، أفضت إلى تقارب بين استراتيجيات العمل التي تتبناها التيارات السلفية الجهادية بشكل خاص، وقطاعات من جماعة الإخوان المسلمين، من أجل الوصول إلى أهدافهم. هذا التقارب – والتداخل أحيانا – أصبح يشكل تحديا كبيرا لدراسة، ودارسي الإسلام السياسي، ويحث الأكاديميين على إعادة النظر في التصنيفات والمفاهيم التحليلية الشائع استخدامها في هذا الحقل، حيث لازال هناك تيار في أدبيات الحركات الإسلامية يشدد على التمييز بين "الإخوان المسلمين" بوصفهم نمطا مغايرا ضمن التيار الإسلامي، والحركة السلفية من حيث الأيديولوجية واستراتيجية العمل.

في مصر ما قبل عام 2011، بدا التمايز بين الإخوان والحركة السلفية واضحا. وبالتالي أمكن من الناحية التحليلية تصنيف هذه الحركات والتمييز فيما بينها. لكن معطيات ما بعد يناير2011 أفضت إلى تلاشي الحدود التحليلية الفاصلة بين هذين التيارين الكبيرين، نتيجة تشظي مهم حدث في المواقف داخل معسكريهما. ومن ثم، تشكلت هويات جديدة على حدود وتخوم وهوامش هذه الحركات، بشكل سهل كثيرا من التعاون والتنسيق بين قطاعات داخل الإخوان المسلمين، وقطاعات أخرى داخل مختلف التيارات السلفية، سواء تلك التي ما تزال تحظى بشرعية العمل كحزب وتيار سياسي، أو تنظيمات "السلفية الجهادية" التي تمارس العنف والإرهاب المسلح.

لقد حدث تحولان رئيسيان داخل تيارات الإسلام السياسي:  

الأول، يتمثل في التشكيل المفاجئ -عقب الإطاحة بمبارك– لأربعة، على الأقل، من الأحزاب السياسية السلفية جردت الإخوان المسلمين من احتكارهم دور "الفاعل الإسلامي" الوحيد على الساحة السياسية الرسمية. وقد أحدث هذا الحراك قدرا كبيرا من التطور والتنوع الأيديولوجي داخل التيار السلفي، حيث اختلفت هذه الأحزاب الأربعة، وتفاوتت فيما بينها في مدى تلاقيها أو افتراقها عن الإخوان المسلمين. وأضحت هذه التباينات أوضح بين حزبي "النور" و"الراية" من جهة، وحزبي "الوطن" و"الفضيلة" من جهاة أخرى. وبغض النظر عن التفاصيل المتعلقة بهذا الأمر، تكفينا هنا الإشارة فقط إلى أن حزب الفضيلة كان الأقرب على المستوى الفكري إلى الإخوان المسلمين. ويبدو أن هذا التقارب الفكري كان مقدمة للتقارب -الذي حدث لاحقا- على الصعيد العملي على الأرض بين الفريقين كما سنوضح بعد قليل.

الثانى، يتمثل في تلك الصدمة الإرتدادية داخل صفوف الإخوان، التي أحدثتها الإطاحة بمرسي عقب الثورة الشعبية في يونيو2013. تلك الصدمة أفضت في النهاية إلى حدوث تحول، بدرجة ما، داخل الجماعة باتجاه تبني العنف، أو بالأحرى العودة إليه من جديد.

ومع إعادة تشكيل الهيكل التنظيمي للجماعة، شهد التنظيم تمكينا لمجموعة من الشباب لم يؤكدوا معارضتهم - وبوضوح - لجدوى مبدأ "اللا-عنف" وفقط، ولكن كرسوا هذا التوجه "الجديد– القديم" داخل الإخوان.

هذه النقطة الثانية بالذات هى ما سنركز عليه، من خلال تحليل عمليات التأطير الفكري التي حدثت لما يمكن تسميته "الإخوانية الجهادية"، عبر رصد "الاجتهادات" الفقهية والسياسية التي حدثت داخل الفصيل الإخواني، وأفضت إلى التصالح من جديد مع منهجية العنف، ولكن دون استدعاء المقاربة الخاصة بالسلفية الجهادية في هذا الشأن. كما ستسعى الدراسة إلى رصد عمليات التدشين الحركي والتنظيمي  لـــ"الإخوانية الجهادية" عبر مراحل ثلاث مارست فيها ما يسمى "اللجان النوعية" داخل الإخوان العنف والإرهاب المسلح، منذ فض اعتصامي رابعة والنهضة في أغسطس 2013 وحتى الآن. ونتناول أخيرا ممكنات استمرار هذا التوجه الإخواني ومستقبله.

أولا: "أجناد مصر"... رابطة أيديولوجية بين الإخوان والسلفية الجهادية في مرحلة "العنف العشوائي"

مثلت الإطاحة بمحمد مرسي يوم الثالث من يوليو2013 عقب ثورة شعبية كبرى، اللحظة التأسيسية للعودة من جديد إلى العنف داخل الحركة الإسلامية في مصر. فمنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم السابق مباشرة لفض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في ١٤ أغسطس ٢٠١٣، كانت استراتيجيات العمل المسلح تتبلور في الذهنية أو الوجدان الجمعي لأبناء وجمهور هذه التيارات، بصورة متصاعدة. إلى أن تفجرت عمليا  في سياق أحداث رابعة والنهضة ثم رمسيس، حيث ظهرت بالفعل في مظاهرات رمسيس – آنذاك – مجموعات، صغيرة، حاملة السلاح أمام قسم شرطة الأزبكية (وسط القاهرة). وقد تكرر ذلك مع تكرار خروج المتظاهرين من أبناء هذا التيار إلى الشوارع.

آنذاك لجأ الكثيرون إلى العنف، بيد أن عمليات تلك المجموعات كانت محدودة التأثير والقدرات، وبقيت على هذا الحال في إطار من العمل العشوائي فيما يبدو، أو قد يكون – كما يعتقد البعض- ضمن استراتيجية العمل في الدوائر الصغيرة، والابتعاد عن الترتيبات التنظيمية الكبيرة التي تزيد من إمكانية كشفها لدى الأجهزة الأمنية.

بمعنى آخر يمكن القول إن المرحلة من أغسطس 2013 وحتى نوفمبر 2014، التي يمكن تسميتها بـمرحلة "العنف العشوائي" نفذت الغالبية العظمى من الهجمات (84% منها) عن طريق مجموعات مجهولة، وبمسميات غير معروفة من قبل. استهدفت أغلبها قطاع الأمن بإطلاق نار أو متفجرات بدائية. هذا بالطبع إلى جانب أنشطة الجماعات الجهادية التكفيرية، التي نفذت عمليات أخرى في تلك المرحلة، مثل محاولة اغتيال وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم عن طريق تنظيم "أنصار بيت المقدس"، في سبتمبر2013.

في ذات الوقت يبدو أن التقارب الفكري بين حزب الفضيلة وجماعة الإخوان – الذي سبقت الإشارة إليه - كان مقدمة للتقارب على الصعيد العملي على الأرض بين الجانبين. فقد تحرك الحزب بالفعل باتجاه التقارب مع جماعة الإخوان المسلمين وتماهى معهم بعد الإطاحة بهم من الحكم، ولجأ إلى دمج عناصر من السلفيين الجهاديين بين صفوفه. بل إن مؤسس الحزب، محمود فتحي، كان أول من دعا من أسطنبول إلى تشكيل ما أسماه مجموعات المجهولين التي تتشكل من 5- 6 أفراد تكون مهمتها الاشتباك المسلح. وفي يناير 2014 نشر محمود فتحي، عبر صفحته الرسمية على "فيس بوك" رسالة من أحد متابعيه، تحرض على صنع قاذفات مولوتوف، يمكن استخدامها على مسافة تبعد من 80 إلى 100 متر تقريبا. ونشر كذلك طريقة تصنيع هذه القاذفات، وهو ما يُعتبر دعوة لنشر العنف والفوضى، خاصة أنه زيل منشوره، بعبارة "التصعيد التام أو الموت الزؤام". وفي أبريل عام 2014، دعا رئيس حزب الفضيلة أنصاره من الشباب إلى مهاجمة الجنود من الجيش والشرطة، مشيرا إلى أن هذه هي الوسائل التي ستسقط النظام، معتبرا أن اقتحام الميادين والاعتصام فيها غير مجدي، ولن يؤدي سوى إلى وقوع جرحى وقتلى.

هذه المواقف والدعوات يبدو أن مجموعات شبابية سلفية وإخوانية استلهمتها، بالتزامن مع زيادة انخراط بعض الجهاديين ممن سبق لهم القتال في الخارج، وتحديدا هنا المدعو همام محمد عطية. ومن ثم ظهر تنظيم ما يسمى "أجناد مصر" الذي كان يُعد طوال الفترة من يناير 2014 حتى أبريل 2015 أنشط جماعة إرهابية عاملة في مصر، خارج شبه جزيرة سيناء. فقد نفذ هذا التنظيم، الذي عمل في نطاق منطقة القاهرة الكبرى، 31 هجوما قبل أن يدخل في مرحلة صمت بعد مقتل زعيمه هشام عطية في تبادل لإطلاق النار أثناء محاولة القبض عليه في أبريل 2015.

ونتيجة أن الخط العام لهذا التنظيم كان يشير بوضوح إلى أيديولوجية السلفية الجهادية (مثل تكرار الإشارة إلى فقهاء مثل ابن تيمية، وتوظيف السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي لتبرير العمل المسلح ضد الدولة المصرية) فقد ساد انطباع لدى البعض بأنه فرع لتنظيم "أنصار بيت المقدس" خارج سيناء، إلى أن تبين خطأ ذلك. إذ لم يبايع التنظيم أبو بكر البغدادي كما فعل "أنصار بيت المقدس" في نوفمبر2014. وبدا أنه مختلف كثيرا عن آراء وأفكار "ولاية سيناء" وجماعات سلفية جهادية أخرى. إذ لم يصر تنظيم "أجناد مصر" على تأسيس خلافة عالمية تضم الأمة الإسلامية، بل اعترف التنظيم بمصر كدولة قومية مستقلة ينبغي أن تتحول إلى "دولة إسلامية". وبالتالي، ركز "أجناد مصر" على النظام المصري الحالي بوصفه العدو الرئيسي، وعمل على تنفيذ عمليات في محافظة الجيزة، مستهدفا عناصر ومركبات الشرطة.

 كما عنون التنظيم عملياته بعنوان "القصاص حياة". ويشير هذا إلى سمة أخرى مهمة لـــ"أجناد مصر"؛ فرغم أن الخط العام للتنظيم كان يعبر بوضوح عن الأيديولوجية السلفية الجهادية، إلا أنه لم يمارس التكفير. بمعنى أنه خلافا لغيره من الجماعات السلفية الجهادية، ظل "أجناد مصر" يدعو إلى "القصاص والثأر"، في إطار الخط العام نفسه الذي يسير عليه الإخوان المسلمين.

وبالتالي يمكن القول أن تنظيم "أجناد مصر" عمل كمفصل أو رابطة أيديولوجية بين الإخوان والسلفية الجهادية. فرغم هويته السلفية، فتح خطابه الباب أمام غير السلفيين للانخراط في نشاطه المسلح. وبالفعل، هناك تقارير تشير إلى أن بعضا من عناصر الإخوان قد انضموا بالفعل إلى صفوف هذا التنظيم، وأصبح في التحليل الأخير"كيانا هجينا" في بنيته التنظيمية التي ضمت السلفي إلى جانب الإخواني.

ثانيا: التأطير النظري لـــ" الإخوانية الجهادية"... الرغبة في تجاوز مرحلة "العنف العشوائي"

بعد الثورة الشعبية التي قامت ضد حكم جماعة الإخوان، وأطاحت بمحمد مرسي في 2013، حدث تغير في الموقف الإخواني إزاء قضية العنف. فقد وجدت الجماعة نفسها في مأزق أيديولوجي وهوياتي، دفعها إلى إجراء سلسلة من التغييرات التنظيمية والهيكلية. وجلبت إعادة الهيكلة تلك تزايدا في قوة ونفوذ شباب الجماعة، الذين أصروا على تصعيد الصراع مع النظام الجديد.

وكان البيان الأشهر والمعبر عن جيل الشباب الذي لم يعد يرفض العنف في مواجهة مؤسسات الدولة، هو "بيان الاستعداد"، والذي نشره موقع الإخوان الرسمي على شبكة الإنترنت (إخوان أون لاين) في يناير 2015. فقد انطوى هذا البيان على تحريض واضح على العمل المسلح. كما أن إشادة البيان بتأسيس حسن البنا لـــ"التنظيم الخاص" كانت إشارة واضحة إلى ضرورة استخدام العنف. وفي هذا الإطار، شدد شباب الإخوان على أن لديهم تفسيرهم الخاص لتراث البنا يختلف عن تفسير الجماعة في فترات ماضية. وأن البنا لم يقدم منهجا واحدا للعمل. بل كان منهجه يتغير حسب السياق السياسي، واشتمل في فترات على العمل المسلح كأداة للتغيير في أوقات القمع والأزمات.

والحاصل أنهم محقين في ذلك؛ فجماعة الإخوان، ومنذ النشأة، لجأت إلى تأطير أيديولوجيتها بوضعها داخل إطار فضفاض، و بمرونة (وبالأحرى تلفيق فقهي) تصل بهم إلى مستوى تبني الشيء ونقيضه، حسب مصلحة التنظيم، والظرف السياسي، والفرصة المتاحة!!

من ناحية أخرى، جلب "تمكين الشباب" معهم توترات داخل التنظيم، بين الجيل الجديد والحرس القديم داخل قيادة الإخوان. وبغض النظر عن تفصيلات ودوافع ذلك الصراع، فالملاحظ هنا أنه منذ العام 2015، تظاهرت قيادة الجماعة بأنها قد انحازت إلى رؤية الشباب، وبدأت في إصدار فتاوى وبيانات تحض، بل وتقدم التأصيل الشرعي للعنف. وأوكلت تلك القيادة، إلى مجموعة من الفقهاء، بشكل غير رسمي، مهمة إصدار "دليل شرعي" حول قضية ممارسة العنف. وصدر بالفعل كتاب في 93 صفحة بعنوان "فقه المقاومة الشعبية للانقلاب"، في محاولة واضحة لتقديم اجتهاد، أو تبرير فقهي، يتصالح ومنهجية العنف. وقال هؤلاء الفقهاء إن الرئيس السيسي وحكومته ونظامه ليسوا كفارا كما يقول السلفيون الجهاديون، إلا أنهم أهل بغي وظلم، انقلبوا على الرئيس الشرعي بموجب "الشرع الإسلامي" محمد مرسي. ومن ثم فإنهم يُعتبرون أعداء يجب قتلهم، بموجب الشريعة الإسلامية، على حد زعمهم.

هذا الالتفاف النظري على قضية التكفير يُعد محاولة من واضعي هذا الكتاب للتوفيق بين تعاليم الإخوان والعنف، من دون استدعاء أو مماهاة  المقاربة الخاصة بالسلفية الجهادية في هذا الشأن. بل لقد حرص واضعوا الكتاب على عدم ذكر منظر الجماعة سيد قطب، والذي كانت أفكاره التكفيرية أحد دعائم فكر "الجهاديين" إلى يومنا هذا. وفي المقابل، أشار واضعوا الكتاب إلى مؤسس جماعة الإخوان حسن البنا، واستخدامه السيفين المتقاطعين شعارا للجماعة، إلى جانب حديثه عن "القوة" والتمكين" كمبرر للعنف ضد الدولة.

أيضا، حاول واضعوا الكتاب الالتفاف بهدف البقاء ضمن حدود معينة، تُبقي الجماعة ضمن "حدود الاعتدال" من وجهة نظرهم. فقد حذروا من اختطاف أو الاعتداء الجنسي على نساء وأطفال ضباط الشرطة، ولكنهم قالوا إنه لا يوجد ضرر من التهديد بهذه الأشياء لإخافة هؤلاء الضباط وأسرهم. وجاء في الكتاب أن الضابط ينبغي قتله فقط إذا ما قام بأعمال قتل أو اغتصاب، ولكنهم سمحوا أيضا باستهداف قسم الشرطة الذي يضم هذا "الضابط الباغي" على حد زعمهم، بصرف النظر عما إذا كان هذا سيؤدي إلى مقتل أو إصابة ضباط وأفراد ومدنيين آخرين.

وهناك ما يدل على أن تلك "الوثيقة" كانت موجهة لجماعات عنف جديدة  -آنذاك -على الأرض. فقد قامت جماعة "الحرس الثوري"، في محافظة المنوفية، بكتابة بيان تأسيسي خاص بها هو بمثابة تعديل لـكتاب "فقه المقاومة الشعبية". وشددت في هذا البيان على أن السيسي ونظامه هم "أهل بغي" وليسوا كفارا. كذلك، نفذت جماعة إخوانية أخرى هي "العقاب الثوري" العشرات من الهجمات الإرهابية خلال العام 2015.

وفي خضم كل ذلك صدر في 27 مايو 2015 ما يسمى بـــ "نداء الكنانة". وهو بيان وقّعه العشرات من الشخصيات الإخوانية –من جنسيات مختلفة- ذات الخلفية بالعلوم الشرعية. حيث أقر هؤلاء الموقعون على ذلك البيان بشرعية اللجوء إلى العنف في مواجهة مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية والعسكرية. بل وزادوا على ذلك بأن ادعوا أن من واجب المسلمين الديني مقاومة النظام الحالي في مصر، الذي وصفه  البيان بأنه "عدوّ للإسلام"، والعمل على "القضاء عليه بكل الوسائل المشروعة". كما تضمن البيان ما يُعد تحريضا على قتل القضاه وضباط الجيش والشرطة وبعض الإعلاميين والسياسيين.

إجمالا، شكل هذا البيان الحلقة الثالثة (بعد كل من من "بيان الاستعداد"، وكتاب "فقه المقاومة") في سياق عمليات التأطير النظري لــــ" الإخوانية الجهادية" عبر "الاجتهاد" السياسي والفقهي داخل "المدرسة الإخوانية".

ثالثا: "تحالف حركة المقاومة الشعبية".. التدشين العملياتي لــ"الإخوانية الجهادية"

بالتزامن  مع عمليات التأطير النظري لـــ" الإخوانية الجهادية" -على النحو الذي سبقت الإشارة إليه- كانت عمليات التدشين العملياتي لــــ" الإخوانية الجهادية" تجري على قدم وسابق، بما يعكس رغبة تنظيم الإخوان في مغادرة مرحلة "العنف العشوائي" إلى مرحلة امتلاك القدرة على تنفيذ هجمات أكثر إيلاما، وأشد تأثيرا في مواجهة مؤسسات الدولة. ففي الرابع والعشرين من يناير 2015، أعلنت خمس جماعات تحالفها وتشكيلها ما عُرِف بــ "تحالف حركة المقاومة الشعبية". ويضم: حركة المقاومة الشعبية، وحركة حسم، وحركة العقاب الثوري، وحركة ثوار بني سويف، وكتيبة الإعدام.

والملاحظ أن هذا التحالف اتخذ في الحاصل الأخير المسمى الخاص بأحد الكيانات التي دخلت فيه، أي "حركة المقاومة الشعبية". وخلافا للجهاديين التكفيريين، وظف ذلك التحالف لغة "الثورة مستمرة". أما مفردات خطابه فخلت من ألفاظ "الكفر"، "الطاغوت"، "المرتدين"... بمعنى أنها ظلت بعيدة نسبيًا عن المضمون العقدي الحاد الذي يوجد في خطابات داعش والقاعدة.

ومنذ البداية ركز هذا التحالف في عملياته على هدفين رئيسيين: عناصر وضباط الشرطة، خاصة أشخاص محددين. وأهداف اقتصادية، في محاولة لإضعاف الدولة. ونشرت الجماعة قائمة بأسماء ضباط الشرطة، مصحوبة بصورهم في فبراير 2015. وانخرطت في حملة محددة بشكل أوضح، متبنية شعار هاشتاج "الحصار الاقتصادي". وجاءت عمليات إحراق المصانع، وتدمير أبراج الاتصالات، وتفجير أبراج الكهرباء، لتتناسب مع هذا الهدف.

وظلت صفحة "تحت الرماد" على موقع فيسبوك، تواصل (حتى 7 أبريل 2016) نشر أخبار هجمات شبكات هذا التحالف (أي حركة المقاومة الشعبية) وشعارها صورة مرسي يرفع علامة رابعة.

ورغم قلة المعلومات المتعلقة بمستوى التنسيق بين تلك الحركات التي انخرطت في هذا التحالف، إلا أن الملاحظ من خلال أدائها أنها كانت أقرب إلى شبكة فضفاضة. والشاهد هنا أن هذه الحركات استمرت في نشر بيانات باسمها المنفرد وبشكل مستقل عن كيان "تحالف حركة المقاومة الشعبية". وكان مسمى "حركة المقاومة الشعبية" و"العقاب الثوري" ضمن ذاك التحالف هما الأكثر نشاطا بالمقارنة بالتنظيمات الأخرى داخل التحالف، حيث نفذا 43 من بين 93 هجوما إرهابيا منسوبا للتحالف، خلال الفترة من ديسمبر 2014 وحتى أغسطس 2015.

رابعا: "الإخوانية الجهادية" كأحد روافد "السلفية الجهاية"

منذ شهر مايو2015 بدا أن هناك مؤشرات على وصول جماعات إرهابية متعددة الأهداف والتوجهات إلى نقاط تقارب يمكن أن نُطلِق عليه "وحدة شبكية"، بحيث تقاربت تلك الجماعات على اختلاف توجهاتها وأهدافها، وأصبحت أكثر تلاحما وتنسيقا. بل وحاولت أن تستلهم تجارب بعضها البعض، وأحيانا تبادلت الأدوار معا بشكل مثير، حتى ولو لم تتلق تدريبا مشتركا.

من ناحية أولى، بدا من المؤكد في تلك المرحلة أن مخزون الغضب لدى شباب الإخوان، المعرضين للتجنيد والتوظيف، كان قد تعمق بشكل خطير، نتيجة استمرار قيادة التنظيم ومنصاته الإعلامية في الخارج في تغذية الآلاف من شباب الإخوان بهذا الفكر. في ذات الوقت الذي بدا فيه أنه لا فارق كبير –من الناحية العملية- بين من يقول بأن النظام كافر أو مرتد (كما هو طرح السلفية الجهادية) وبين من يقول بأنه نظام باغي (كما هو طرح الإخوانية الجهادية). فالمحصلة تقود أو تدفع نحو هدف واحد يتمثل في الرغبة في النيل من "النظام" ومؤسسات الدولة بشكل عام. هذا المعطى تبدت خطورته –آنذاك - بالنظر إلى الظهور المتزامن لتنظيم "الدولة الإسلامية - مصر" (تنظيم مختلف عن نظيره في سيناء) في الوادي والدلتا، والذي كان قد أعلن مسئوليته عن هجمات في ذات المنطقة التي تعمل فيها الخلايا النوعية للإخوان المسلمين، مثل الاعتداء على مبنى القنصلية الإيطالية وتفجير مبنى الأمن الوطني في شبرا في صيف عام 2015...إلخ.

ظهور تلك الخلايا التابعة لتنظيم داعش في داخل منطقة القاهرة الكبرى كانت تعكس رغبة هذا التنظيم -آنذاك- في أن يوطئ لنفسه موضعا أقوى في مصر. ومن ثم، كانت احتمالات انضمام العشرات من شباب الإخوان إلى ذلك التنظيم كبيرة للغاية، خاصة من بين هؤلاء الأكثر غضبا وتطرفا، ولا يرضيه ما يسمى بـــ "الجهاد التدرجي" –وفقا لمفهوم دفع الصائل– الذي يمارسه الإخوان. ولا تسعفه كذلك الإمكانيات المتاحة للإخوان في مجال العمل المسلح، في إشباع رغبته في "الانتقام من النظام".

والشاهد على ما نقول، هو ذلك التحول الواضح الذي شهدناه على أداء "اللجان النوعية" للإخوان المسلمين في تلك الفترة، سواء لجهة استهداف المدنيين، أو لجهة محاولة استلهام أسلوب ودعاية داعش في سيناء. على سبيل المثال؛ نشرت "حركة العقاب الثوري" في 25 يونيو 2015، فيديو بعنوان "غضبة العقاب"، تضمن استجواب أحد المدنيين ويدعى وليد أحمد علي، وتسجيل اعتراف منه بتعاونه مع شرطة قسم حلوان والإرشاد عن المطلوبين في مسيرات الإخوان المسلمين. وبعد اعترافه نفذت فيه الحركة حكما بالإعدام رميا بالرصاص.  صحيح أن تلك الواقعة لم تكن الأولى التي تستهدف فيها تلك الجماعة مدنيين علنا، ولكن نشر هذا الأمر كان هو الجديد!! فقد حاكى الفيديو أسلوب شرائط "ولاية سيناء"، التي تبدأ بآيات قرانية وبنشيد، وصور تدريبات عسكرية، وتحذير المدنيين من مساعدة قوات الأمن، وينتهي بتنفيذ إعدام شخص أو أكثر.

من ناحية ثانية، وفي السياق ذاته، كانت المجموعات الإخوانية قد شرعت، منذ أواخر العام 2015، في استخدام مرجعيات (وشعارات) إسلامية، أو ما يمكن أن نسميه بــ"الأسلمة" الجزئية للرسائل الإعلامية، بشكل غير مسبوق. ففي ديسمبر 2015، ظهرت ثلاث صفحات على موقع فيسبوك تحمل شعار "الله، الشهداء، الثورة". لوحظ في كل البيانات التي صدرت عنها رغبة القائمين عليها في تسليط الضوء على "الشخصية الإسلامية" لتلك الكيانات، عبر الاستخدام المكثف لأيات القرآن الكريم، وعبر العديد من المفردات التي عادة كان يتم بها وصف الإرهابيين، مثل الاستعاضة عن كلمة" الثوار"  بكلمة "المجاهدين"... إلخ

ومن المستبعد أن تكون تلك الإشارات –آنذاك - مجرد صدفة..! ولكن تشير بشكل واضح إلى تغيير ما قد حدث. بغض النظر عما إذا كان هذا التغيير قد جاء على أرضية تأثر النموذج الدعائي للإخوانية الجهادية بالنموذج الداعشى. أو جاء على أرضية الرغبة في إيجاد أرضية مشتركة أكبر وسط  دوائر أنصار التنظيم والتكفيريين الجهاديين.

من ناحية ثالثة، ربما كان لداعش مستوى ما من التأثير غير المباشر على استراتيجية وتكتيكات "العقاب الثوري" الإخوانية. وبالفعل، في يناير 2016، زعمت "العقاب الثوري" و"الدولة الإسلامية - مصر" مسئوليتهما عن هجوم إرهابي واحد في أحد الشقق التي كانت تستخدم كمصنع للمتفجرات في منطقة الهرم بمحافظة الجيزة. وتكرر الأمر في هجوم الثامن من مايو 2016 على إحدى دوريات الشرطة بمنطقة حلوان، ولكن هذه المرة بين "الدولة الإسلامية– مصر"  و"حركة المقاومة الشعبية" الإخوانية أيضا. والملاحظ  في كلتا الحالتين أن "الدولة الإسلامية - مصر" والمكونات الإخوانية لم تنفيا مزاعم بعضهما البعض. إذن، من الطبيعي أن يثير هذا تساؤلات حول مستوى التنسيق بينهما في تلك المرحلة ؟!!

من ناحية رابعة، تغيرت التكتيكات المتبعة من قبل "الدولة الإسلامية – مصر" منذ أن زعمت مسئوليتها عن أول هجوم لها على القنصلية الإيطالية في القاهرة. ففي صيف عام 2015، نفذت الجماعة سلسلة من التفجيرات الشاملة لسيارات مفخخة في منشآت حكومية رئيسية (مثل مبنى الأمن الوطني في شبرا). ولكن بحلول نوفمبر 2015 تحولت الجماعة إلى تكتيك إطلاق النار على المستهدف. والأرجح أن ذلك يعود إلى أن تنفيذ هذه الهجمات تم بواسطة أعضاء جدد كانوا في السابق ينتمون إلى مجموعتي "العقاب الثوري" و"حركة المقاومة الشعبية" الذين تبدو خبراتهم في تجهيز السيارات المفخخة شبه منعدمة، على عكس تلك العناصر التي تنتمي لخلايا السلفية الجهادية. وهذا يعني –في التحليل  الأخير- أن عددًا كبيرًا من عناصر مجموعتي "العقاب الثوري" و"حركة المقاومة الشعبية" انتقل – نتيجة تأثرهم بنموذج داعش- من التنسيق مع خلايا داعش إلى الإندماج معها بالمطلق. وهنا لابد من الإشارة إلى أن عناصر الإخوان الذين سبق لهم القتال في سوريا، وعادوا من هناك، عملوا -على الأرجح- كجسور للتواصل بين الفريقين، إلى أن تحقق الإندماج بالفعل، أو بالأحرى ذابت العناصر الإخوانية داخل الهياكل التنظيمية والعملياتية لخلايا داعش. والشاهد على ذلك اختفاء هاتين المجموعتين تماما عن الساحة المصرية منذ  شهر يونيو 2016. ناهيك عما كشفته الوقائع بعد ذلك.

وفي هذا السياق، تكفي الإشارة إلى نموذجين: الأول، هو محمود شفيق محمد مصطفى أو "أبوعبدالله المصري" كما كانت تسميه داعش. والثاني، هو عمر إبراهيم الديب، نجل القيادي الإخواني إبراهيم الديب. الحالة الأولى، تمثل أحد كوادر اللجان النوعية للإخوان المسلمين بمحافظة الفيوم، الذي قرر دون سبب معروف تسليم نفسه إلى "ولاية سيناء" التي أعادت "تأهيله" من جديد وأرسلت به إلى "الكنيسة البطرسية" لينفذ بها عمليته الانتحارية في ديسمبر 2016 . وقد ظهر واضحا بالصوت والصورة في الفيديو الذي أذاعته "ولاية سيناء" في فبراير 2017 تحت عنوان "وقاتلوا المشركين كافة". أما الحالة الثانية فتمثل أحد أبناء قيادة إخوانية معروفة. كان قد انضوى مبكرا ضمن اللجان النوعية للإخوان، إلى أن أعلنت أجهزة الأمن المصرية اسمه في قائمة من تم تصفيتهم في إحدى المداهمات الأمنية لبعض البؤر الإرهابية، في 10 سبتمبر2017، فيما عرف إعلاميا بـــ"خلية أرض اللواء" التابعة لتنظيم داعش.

آنذاك، كذبت المنصات الإعلامية التابعة للإخوان المسلمين رواية وزارة الداخلية المصرية، وادعت على لسان والده، إبراهيم الديب، القيادي الإخواني المتواجد في ماليزيا، أن "عمر" يقيم مع والده بماليزيا، وأنه قد جاء إلى مصر خلال إجازة الصيف، من أجل التواصل مع أفراد عائلته وأقاربه. في حين كانت المعطيات كلها تشير إلى تتبع جهاز الأمن الوطني لتلك المجموعة الإرهابية (وعمر أحد أفرادها) منذ تحركها من شمال سيناء وحتى استقرارها في منطقة أرض اللواء بمحافظة الجيزة، وأنها كانت تنتوى تنفيذ هجمات إرهابية في تلك المحافظة.

واستمر الإخوان في تكذيبهم لرواية الداخلية المصرية، إلى أن ثبتت صحة روايتها في فبراير 2018، عندما أصدرت داعش في سيناء إصدارها المعنون بـــ"حماة الشريعة". ظهر خلاله عمر إبراهيم الديب بالصوت والصورة معلنا احترامه وتبجيله لخليفة داعش "أبوبكر البغدادي"!!

الخلاصة، إنه متى توافرت تلك السياقات التي يٌتاح فيها التواصل والاحتكاك بين جماعات العنف الإخوانية، وعناصر السلفية الجهادية تكون الغلبة دائما للفريق الثاني. بمعنى أن تقارب الإخوان والسلفيين الجهاديين كان في اتجاه واحد فقط، أي تبني الإخوان لــ"النهج الجهادي". بما يؤكد المقولة الدارجة التي لطالما رددها الكثيرون بأن الإخوان كانوا دائما بمثابة "المفرخة" للجماعات الأكثر راديكالية.

خامسا:  حركة "حسم"... الطبعة الثالثة من الإخوانية الجهادية

انزياح وتفلت العشرات من عناصر "الإخوانية الجهادية" نحو خلايا وتنظيمات "السلفية الجهادية" (وكذلك نجاحات أكيدة حققتها أجهزة الأمن في ملاحقة تلك المجموعات) يبدو أنه دفع القائمين على قيادة العمل الإرهابي المسلح داخل الإخوان المسلمين، إلى اللجوء لمرحلة الكمون الحركي والعملياتي، منذ الثلث الأخير من العام 2015 وحتى منتصف عام 2016، بهدف محاولة "تجويد" مراحل الإعداد الحركي التنظيمي، وبناء هياكل سرية تنظيمية أكثر تقدما، مع تطوير مستوى الأهداف والتنفيذ، والظهور بصورة جديدة ومسميات مختلفة.

وبالفعل فقد أعقبت مرحلة الكمون تلك، جملة من الهجمات الإرهابية العنيفة التي دللت على تطور نوعي وتكتيكي لهذه المجموعات. وبالتالي يمكن اعتبار حركتي "حسم" و"لواء الثورة" هما الامتداد المطور لسابقاتها، أو "الطبعة الثالثة" من "الإخوانية الجهادية" .

بدأت "حسم" نشاطها الإرهابي في منتصف يوليو 2016 بعملية اغتيال الرائد محمود عبد الحميد، رئيس مباحث مدينة طامية بمحافظة الفيوم. وفي أول أغسطس عام 2016، أعلنت الحركة مسئوليتها عن محاولة اغتيال المفتي السابق الشيخ علي جمعة، بالقرب من منزله في مدينة السادس من أكتوبر. وفي الذكرى الأولى لتأسيسها أعلنت الحركة عن حصيلة عملياتها التي تمثلت في: عمليتين اثنتين (2) لاستهداف بسيارات مفخخة، (5) عمليات استهداف بعبوات مفخخة، (2) اشتباك مسلح مع عناصر من الشرطة، (5) عمليات تصفية من النقطة صفر. وخلال العام 2017، نفذت الحركة (4) عمليات، ليصبح إجمالي عدد العمليات التي نفذتها منذ أعلنت عن نفسها في يوليو 2016 وحتى أبريل 2018، 16 عملية إرهابية.

كما صدر عن الحركة عدة بيانات، تضمنت تهنئة لحركة "لواء الثورة" على تأسيسها في أغسطس 2016، ومباركة منها لعدد من العمليات الإرهابية لـــ"لواء الثورة" وأهمها على الإطلاق اغتيال العميد أركان حرب عادل رجائي، في أكتوبر2016.

والملفت في البيانات الصادرة عن "حسم" إثنان منها: الأول فيه اعتراف بعدم ضلوعهم في التفجير الإرهابي الذي استهدف الكنيسة البطرسية بالقاهرة في ديسمبر2016. بل وعدم استهداف الحركة للمسيحيين في مصر. الثاني: كان باللغة الإنجليزية، قدمت فيه نفسها للأجانب في مصر، بعد تحذير أصدرته السفارة الأمريكية في القاهرة في 24 مايو 2017، يتعلق بهجوم محتمل لـــ"حسم". جاء فيه "إننا حركة مقاومة ولسنا إرهابيون.. ولا حاجة للقلق؛ إننا مسلمون، ولسنا قتلة...".

أما "لواءالثورة"  فقد حاولت في الرابع والعشرين من مارس 2018 استهداف مدير أمن محافظة الأسكندرية. وخلال العام 2017 نفذت الحركة حادث تفجير واحد، في الأول من أبريل 2017، استهدف مركز تدريب تابع للشرطة في محافظة الغربية، وأسفر عن إصابة 12، من بينهم ثلاث مدنيين. وبلغ إجمالي ما قامت به "لواء الثورة" منذ ظهورها في أغسطس 2016 وحتى أبريل 2018 (6) هجمات فقط.

والملاحظ بالنسبة لهذه الحركة أنه لا يوجد موقع رسمي لها، وليس لهم إلا صفحة وحيدة على "تويتر"، ويعتمدون فيما يبدو على صفحات أخرى في نشر أخبارهم وبياناتهم كصفحة "إعلام المقاومة" و"ق-Qaaf"  وهو الأمر الذي قد يدلل على أن الحركة مجرد وجه آخر لحركة "حسم". بمعنى أن "حسم" و "لواء الثورة" هما تنظيم واحد بوجهين، أو قيادة واحدة تدير ملفين إرهابيين. وما تنوع البيانات، تارة باسم "حسم" وأخرى باسم "لواء الثورة" ليست سوى محاولة لتضليل أجهزة الأمن من ناحية، ولتكريس صورة زائفة عن حجم ما يسمونه بـــ"التمرد" في مصر، من ناحية أخرى.

سادسا: مستقبل "الطبعة الثالثة" من "الإخوانية الجهادية"

كما هو معروف "حسم" و"لواء الثورة" تمثلان نمطا جديدا من جماعات العنف والإرهاب، متمايز عن الحركة السلفية الجهادية في الأيديولوجية، وفي الجمهور المستهدف، وفي الاستراتيجية المتبعة أيضا. هذه الأوجه الثلاثة من التباين ستحد في النهاية من نفوذ هذه "الطبعة الثالثة" من "الإخوانية الجهادية".

أيديولوجيا، تقدم هاتان الجماعتان تبريرا دينيا لاستخدام العنف عبر التشديد على مفهوم "صد المعتدي" أو "دفع الصائل". ووفقا لهذا المفهوم، ذي الطابع الديني، "تجب مقاومة المعتدي" على نحو متدرج... بداية من أقل درجات العنف، مثل التهديد باستخدامه. إلا أنه وفي حالة ما إذا كان القتل فقط هو ما يوقف ذلك الاعتداء المفترض، فإن هذا المفهوم يمنح رخصة بقتل الشخص. هذا الإطار الأيديولوجي الجديد مختلف عن الأيديولوجية السلفية الجهادية، والتي تتكئ على مبدأ التكفير، كأساس للعمل المسلح ضد مؤسسات الدولة. والحاصل أن منهج هاتين الجماعتين لا يقوم على تكفير عناصر قوات الأمن، وتصر على ضرورة مواجهة مؤسسات الدولة ليس فقط بسبب عقيدتها بل بسبب ممارساتها.

ومن حيث الجمهور المستهدف، تسعى هاتان الجماعتان الإرهابيتان لعرض نفسها على جمهور يشمل كافة ما يطلق عليه بـــ"القوى الثورية" التي تعارض النظام السياسي الحالي، بصرف النظر عن موقعهما ضمن هذا الطيف السياسي المتنوع، والذي يشمل بعض الأقباط أيضا. بل إن "حسم" قدمت نفسها أيضا للأجانب، كما سبقت الإشارة.

أما وجه الاختلاف الأخير فيكمن في الاستراتيجية المتبعة، ذلك أن الهدف الرئيسي لهاتين الجماعتين هو إسقاط النظام في مصر، عبر مهاجمة شخصياته الأمنية والدينية.

وخلافا لبعض الجماعات السلفية الجهادية مثل داعش، ترفض هاتان الجماعتان استهداف المدنيين أو الأقليات الدينية، حيث تدين كلا من "حسم" و"لواء الثورة" هجمات داعش ضد الكنائس القبطية. وفي بيان أصدرته بعد الهجوم الانتحاري ضد الكنيسة البطرسية في القاهرة في ديسمبر 2016، أصرت "لواء الثورة" على أن استراتيجيتها لا تشمل الاعتداء على مدنيين، بصرف النظر عن توجهاتهم السياسية الشخصية، أو انتماءاتهم الدينية.

وتحاول هاتان الجماعتان الإيحاء بأن نموذجها الجديد في العنف إنما يستلهم تجربة حركة حماس الفلسطينية. إذ كثيرا ما تشير "حسم" الإرهابية إلى نفسها بوصفها حركة تحرر تسعى إلى تحرير مصر والمصريين مما تسميه بــــ"الحكم العسكري".

ومع ذلك، فإن مثل هذه الجماعات أقل قدرة على منافسة أتباع الجماعات السلفية الجهادية في مصر بسبب أوجه الاختلاف الرئيسية الثلاث سالفة الذكر.

فعلى المستوى الأيديولوجي؛ "الانحيازات الفقهية" لهاتين الجماعتين يعد موضع جدل بين شخصيات من داخل الحركة الإسلامية ذاتها، مثل بعض القيادات الذين يرفضون تفسيرهما لمفهوم "دفع الصائل". بالإضافة إلى هذا، فإن هاتين المجموعتين تستهدفان جمهورا لا يؤيدهما. فقطاع كبير من "المعارضة الشبابية"، ناهيك عن المعارضة السياسية والأقباط، لا يرون أن بينهما – أى حسم ولواء الثورة - وبين الجماعات الجهادية أية اختلاف. أخيرا، لا يبدو أن استراتيجية هاتين الجماعتين من استخدام العنف لإسقاط النظام السياسي فاعلة أو ملائمة. ويتشكك كثيرون من المعارضة الشبابية، بمن فيهم الإسلاميون، في أن استخدام العنف مرة أخرى ضد مؤسسات الدولة المصرية سيربك النظام السياسي بالنظر إلى عدم توازن القوة بين الجانبين. ولا تواجه الجماعات السلفية الجهادية هذه المعضلة أثناء معركتها ضد النظام، لأنها ترى أن مهمتها الدينية تتمثل في محاربة ما تصفهم بـــــ "المرتدين"، بصرف النظر عن نتيجة المعركة.

وتدور حاليا منافسة شرسة بين الجماعتين "الجهاديتين" الرئيسيتين في مصر، داعش والقاعدة، لجذب شباب الإخوان إلى صفوفهما. وبسبب اعتمادها على: تفسير أيديولوجي خلافي بدرجة كبيرة، وجمهور منقسم لا يقاسمها وجهات نظرها أو تكتيكاتها، وأيضا خطة عمل غير واقعية.

فمن غير المرجح أن جماعات مثل "حسم" و"لواء الثورة" ستكتسب نفوذا أوسع داخل بيئاتها؛ ذلك أن طرح "السلفية الجهادية" يبدو قاطعا، وحديا مباشرا، لا ينطوى على حلول وسط. كما أن خريطة الأعداء وترسانة الأهداف بالنسبة له تبدو واضحة ومحددة ، والرأى بشأنها نهائيا لا لبس فيه، ولا مجال معه للمخاتلة.

في حين أن الأداء العام للإخوان المسلمين يغلب عليه دائما المراوحة على مستوى الفكر والممارسة، ويغلب عليه الخطاب المزدوج ومحاولات الجمع بين "مزايا" خيارات تبدو متناقضة أحيانا، ولا تنتهى. وكل هذا يمنح خطاب" السلفية الجهادية" جاذبية خاصة لدى شباب الإخوان الأكثر نزقا وتطرفا.

ولهذا كله يبدو منطقيا القول بأنه لا مستقبل لــــ "حسم" أو "لواء الثورة" داخل "سوق الإرهاب".  

طباعة
محمد جمعة

باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية