أخبار وأنشطة

المداخل النظرية لدراسة المناطق الحدودية... دراسة حالة الحدود المصرية

طباعة

عقد مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية سميناره العلمي الخامس، الذي قدمته وحدة الدراسات العسكرية والأمنية في السادس عشر من إبريل 2018، تحت عنوان "المداخل النظرية لدراسة المناطق الحدودية: دراسة حالة الحدود المصرية". وقد قدمت د. إيمان رجب، القائم بأعمال رئيس الوحدة، ود. أميرة محمد عبد الحليم، الخبيرة بالوحدة، والأستاذة أمل مختار، الباحثة بالوحدة، والأستاذ محمد جمعة، الباحث بالوحدة، والأستاذ أحمد كامل، الباحث بالوحدة، المداخلات الرئيسية في السمينار الذي أداره دكتور وحيد عبد المجيد، مدير المركز.

أولا: المداخل النظرية لدراسة المناطق الحدودية

عرضت د. إيمان رجب "المداخل النظرية" لدراسة المناطق الحدودية، وهي المنطقة المحاذية لخط الحدود الرسمي بين دولتين، وليس لها عدد محدد من الكيلومترات أو الأمتار الممتدة للدول التي تتشارك نفس خط الحدود. وتختلف كل منطقة من دولة إلى أخرى وفقًا للتاريخ الخاص بنشأتها، وعلاقاتها التاريخية مع الدول المجاورة لها. وفي هذا الإطار، قامت باستعراض 5 مداخل نظرية ساعدت الدول على القيام بتطوير سياسات ومشاريع مختلفة تتعامل مع المناطق الحدودية.

المدخل الأول، وهو المدخل التاريخي أو الجغرافي، والذي يهتم بوصف منطقة الحدود من حيث موقعها الجغرافي (التضاريس، المساحة، المسطحات المائية)، وتحديد الفروق بين الحدود الطبيعية والحدود الصناعية.

المدخل الثاني، هو الذي يمثل امتدادا لـ"نظرية السيادة"، وهي من النظريات القديمة في العلوم السياسية القائمة على فكرة التعامل مع مناطق الحدود كأحد أجزاء إقليم الدولة، الذي يتعين عليها أن تمارس سيادتها عليه بأشكالها المختلفة، سواء كانت سيادة ذات بعد داخلي وهو ما له علاقة بتواجد قوات أمنية، وتنفيذ مشاريع تنموية في هذه المناطق، أو سيادة ذات بعد خارجي وهو ما له علاقة بالتصدي لأي محاولات للمساس بمنطقة الحدود من قبل الدول المعادية، أو ما يتعلق بتأثير هذه المنطقة على توجهات السياسة الخارجية. تأتي أهمية هذه المدرسة بالنسبة للدول التي تمتلك مناطق حدودية شاسعة وتسكنها مجتمعات إثنية متميزة عن أغلب السكان في الدولة، حيث تصبح فكرة فرض سيادتها الكاملة على هذه المناطق مسألة مهمة.

المدخل الثالث، هو المدخل الوظيفي، ويشير إلى أن وجود أي مناطق حدودية بين دولتين أو أكثر يستدعي وجود تفاعلات بينها. ومن أهم المفكرين الذين تحدثوا عن هذه التفاعلات في إطار هذه المدرسة هو جون هاوس. ومن الأمثلة المهمة التي حاولت فيها الدولة الاستفادة من هذا المدخل في التعامل مع المناطق الحدودية حالة الصين، والتي بالرغم من اهتمامها بالتوزيع السكاني من الناحية الجغرافية، إلا أنها لا تستطيع السيطرة على تلك المناطق سيطرة كاملة، حيث تظل هذه المناطق مصدرًا للاتجار بالبشر، والمخدرات والأسلحة والعمل الإجرامي المنظم. وينسحب ذلك تحديدا على إقليم "يونان"، جنوبي الصين، ولذلك اتجهت الصين للاستفادة من المدخل الوظيفي من خلال إنشاء مشروعات اقتصادية بالإقليم، عبر الدخول في مفاوضات مع كل من لاوس وكمبوديا وعدد آخر من الدول. واستطاعت الصين من خلال هذا التوجه إنشاء مشروعين كبيرين، الأول خاص بتطوير البنية التحتية في هذه المناطق الحدودية، والثاني خاص بتوطين مشروعات صناعية في إطار مشروعات مشتركة مع دول الجوار.

المدخل الرابع، هو المدخل العولمي، ويقوم على طرح عدد من الأفكار يُنظر إليها عند التعامل مع المناطق الحدودية، مثال ذلك دور "الفاعلين من غير الدول" في إعادة تعريف الحدود الخاصة بالدولة، وهو ما يتضح من خلال حالة التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود والتي تنشط بين دولتين أو أكثر. ويتضح ذلك أيضًا من خلال جماعات الجريمة المنظمة، والأنشطة الخدمية عابرة الحدود مثل خدمات الدعم الطبي في مناطق الصراعات والتي يلزم لها حرية حركة مختلفة عبر الحدود لا تتوافر للمواطن العادي، وهو ما أثار جدلا حول دور الفاعلين من غير الدول في تحدي "سيادة الدولة" على حدودها وتطبيق أفكار جديدة لاختراق الحدود. من ذلك أيضا الخبرات المرتبطة بتدفقات البشر، والتطبيق الرئيسي لها هو فكرة "اللاجئين" وكيف أن تلك العملية تؤثر على قوة الدولة المصدرة والدولة المستضيفة لهم. وقضية اللاجئين هي القضية الرئيسية لمعظم الصراعات المشتعلة في منطقة الشرق الأوسط، والتي تعد أكثر المناطق الصراعية في العالم حاليا.

وبكل عام، اهتم هذا المدخل بتطوير أفكار حول كيفية توظيف تكنولوجيا المعلومات لتأمين حدود الدول، إذا كانت تلك الحدود تتضمن جماعات تطالب بالانفصال، أو بعض الجماعات المتحالفة مع جماعات الجريمة المنظمة.

المدخل الخامس، خاص بالدراسات الاستراتيجية والأمنية، ويقوم على مجموعة من المفاهيم التي تؤثر بصورة رئيسية على السياسات العملية. وفيما يتعلق بمناطق الحدود يتضمن هذا المدخل بعدين أساسيين. الأول، هو المرتبط بالتعامل مع مناطق الحدود على أنها تعرض الأمن القومي للمخاطر. قد يكون ذلك من خلال التهديد المباشر من خلال اختراق هذه الحدود واحتلالها، خاصة إذا كانت تلك المنطقة خالية من الوجود السكاني ولا يوجد للدولة سيادة عليها، أو أن يقوم هذا التهديد من خلال تعرض مناطق الحدود لأنشطة إرهابية. البعد الثاني، يتعلق بكون مناطق الحدود في العديد من الحالات سببًا للصراعات المسلحة بين الدول. ووفقا لبعض الإحصاءات، بلغ إجمالي عدد الصراعات في منطقة الشرق الأوسط في عام 2017 (62) صراعا، كان من بينهم 11 صراعا على الحدود والمناطق الحدودية والسيادة على هذه المناطق. أسهم في ذلك وجود عدد من دول الإقليم تعاني من تنوع إثني كبير، مثال ذلك حالة الأكراد في شمال العراق ومطالبهم الإثنية والقومية.

وأشار د. وحيد عبد المجيد إلى منهج سادس لا يمكن إغفاله هو "المنهج القانوني"، والذي يكتسب أهمية بالغة في فهم النزاعات الحدودية. ولا يخلو أي نزاع حدودي من استحضار الأبعاد القانونية، واستحضار النظريات الخاصة بترسيم الحدود. ويصدق ذلك بشكل خاص على الحدودية البحرية، التي تخضع لنظريات عديدة، بالمقارنة بالحدود البرية، الأمر الذي يستتبعه تنوع وتعدد شديد في وجهات النظر الخاصة بتعيين هذه الحدود. ويحدث ذلك بشكل خاص في حالة وجود نزاع، حيث تصبح هناك نظريات عديدة، ويستطيع كل طرف من أطراف النزاع الاستناد إلى النظرية التي تؤيد وتدعم وجهة نظره ومصالحه. أحدث مثال على ذلك هو النزاع البحري اللبناني- الإسرائيلي، فكل طرف يستند إلى نظرية تختلف عن النظرية التي يستند إليها الطرف الآخر.

الأبعاد القانونية في تعيين الحدود، وطرق تسويتها، تعطي للمنهج القانوني أهمية كبيرة. وقد أصبح هذا المدخل يشتمل على مناهج سياسية واجتماعية وجغرافية وأنثروبولوجية، وأصبح ضروريا لفهم بعض النزاعات وكيفية التعامل معها، وتفسير بعض الحلول التي قُدمت لحلها، ويقتضي العودة إلى النظريات المختلفة في تعيين الحدود، سواء البرية أو البحرية.


 

ثانيا: حالة الحدود الشمالية الشرقية المصرية

تناول الأستاذ محمد جمعة حالة الحدود الشمالية الشرقية، والتي تعد تاريخيا مصدر التهديد الرئيسي. وبدأ مداخلته بالتأكيد على أن المنطقة الحدودية أو خط الحدود تُعرف بكونها خط دفاع أمامي في مواجهة عمليات الاختراق لعمق الدولة، والناتجة عن "تحركات أفراد أو سلع أو معلومات غير مرغوب فيها"، ومن ثم تصبح عملية التحكم في معدلات هذا التدفق أسهل كلما كانت الكثافة السكانية أقل في منطقة الحدود. وفي هذا الإطار، يمكن تفسير القرار المصري بإقامة منطقة عازلة على الحدود الشرقية مع قطاع غزة، بدءا من يناير 2015 وصولا إلى المرحلة الثالثة لهذه المنطقة بدءًا من أكتوبر 2017.

وإذا كانت الأدبيات النظرية المرتبطة بالمدخل الوظيفي في إطار دراسات الحدود قد صنفت الحدود إلى حدود "مفتوحة" وأخرى "مغلقة"، فإن الدولة المصرية في إطار سعيها لصياغة خياراتها الخاصة بحدودها مع قطاع غزة قامت باختيار التموضع بين الحدود المغلقة والحدود المفتوحة، لتقوم بخلق حالة تعكس ما يمكن اعتباره نموذج "الحدود اللينة" مع قطاع غزة. وتظل حدود مصر الشرقية تحتفظ بكونها الحدود الأكثر اشتعالًا، فقد ارتبط جزء من الأنشطة الإرهابية أو غير المشروعة التي تم ممارستها على الحدود الأخرى للدولة المصرية بتغذية النشاط الإرهابي في المنطقة الشرقية.

وفيما يخص الحدود المصرية- الاسرائيلية، فقد تجاوزت المرحلة الأكثر حرجًا خلال العام 2011 حتى أواخر 2013، إلى أن أتمت إسرائيل بناء الجدار الأمني على طول الحدود المصرية. إن رغبة الطرفين في عدم المساس باتفاقية السلام والحفاظ على هذه الاتفاقية تطلبت نمطا من الاستجابة من جانبهما لتكثيف التعاون الأمني لمجابهة التحديات المشتركة، الأمر الذي تطلب بدوره كذلك تكثيف التعاون الأمني وتبادل المعلومات على مدار الوقت لتجاوز هذه المرحلة الحرجة بما يحافظ على مصالح الطرفين. ولكن زيادة معدلات التعاون الأمني بين البلدين في هذه الفترة لم يغير من نمط العلاقات الحدودية، حيث ظلت تقوم على نمط "الحدود المغلقة". ربما حالة الجُدر الفاصلة هذه حافظت على علاقات جيدة في هذه المرحلة الحرجة.

أما على مستوى الحدود المصرية- الفلسطينية، فقد ارتبط بصعود حركة حماس وسيطرتها على قطاع غزة في منتصف عام 2007 صعود جملة من التحديات للمصالح السياسية والأمنية ذات الطابع الاستراتيجي للدولة المصرية. من ذلك، على سبيل المثال، التحدي المتعلق بالحفاظ على معاهدة السلام مع إسرائيل، وذلك على خلفية صعود أنشطة السلفية الجهادية على الحدود، وتصاعد أنشطة عمليات التهريب من خلال الأنفاق، وهو ما شكل تحديا كبيرا لاستمرار الدولة المصرية كطرف مفترض أنه مهيمن بدرجة كبيرة على التفاعلات داخل قطاع غزة في مواجهة أطراف أخرى إقليمية تنافس الدولة المصرية (قطر، إيران، تركيا). أضف إلى ذلك ما تبع ثورة يناير 2011، وصعود جماعة الإخوان المسلمين، من إطلاق نشاط حماس على نطاق واسع.

كان أمام مصر نماذج أخرى غير نموذج "الحدود اللينة" للتعامل مع الحدود المصرية مع قطاع غزة، وتحديدا ثلاثة خيارات: الأول، هو الانخراط العسكري داخل القطاع بما يغير الوضع القائم، وهو خيار عالي التكلفة بالتأكيد، ومن ثم تم استبعاده. الثاني، خيار "المعارضة النشطة" لوجود حماس في القطاع، من خلال الإغلاق المستمر لمعبر رفح. الثالث صيغة ما من القبول المحدود لحماس كأمر واقع. وقد اختارت الدولة المصرية صيغة وسط بين المعارضة النشطة وبين القبول المحدود لسلطة حماس، كما عبرت عنها صيغة "الحدود اللينة".

ثالثا: الحدود الغربية المصرية

تناول الأستاذ أحمد كامل البحيري حالة الحدود الغربية. وبدأ بالإشارة إلى أن الحدود الغربية لمصر كانت هي الحدود الأكثر هدوءا قبل ثورة يناير 2011، مقارنة بالحدود الجنوبية، أو الحدود الشمالية الشرقية. لكن مع اندلاع ما يسمى بثورات الربيع العربي، خاصة عقب سقوط نظام معمر القذافي، أصبحت الحدود المصرية الليبية واحدة من أخطر مصادر تهديد الأمن القومي المصري، خاصة مع استيلاء التنظيمات المسلحة المختلفة على مخزون السلاح. وأصبحت مصر ممرا لانتقال السلاح لجبهات أخرى، سواء في قطاع غزة أو في سوريا.

هناك نوعان من التعقيدات فيما يتعلق بالحدود المصرية- الليبية، أولاها يخص الجانب الليبي، لكنها تؤثر على الداخل المصري، وثانيها تعقيدات لها علاقة بالواقع المصري.

على مستوى الجانب الليبي، تبرز المشكلة الأولى وهي انهيار أو غياب الدولة الليبية، ومن ثم لا توجد سلطة مركزية لديها القدرة على فرض سيطرتها على الحدود، سواء الحدود مع مصر أو باقي الحدود مع الجنوب الليبي أو الغرب الليبي، وهو ما أدى إلى عدم وجود قدرات أمنية - متمثلة في جيش وطني ليبي – قادرة على تأمين حدودها الشرقية مع مصر. وحتى مع تشكيل ما يسمى بالجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر، فإنه لم يتمكن إلا من فرض السيطرة على مساحة محدودة ولازالت النسبة الأكبر من الحدود المصرية- الليبية لا تخضع لتأمين كامل من الجانب الليبي، سواء كانت من قبل الجيش الوطني الليبي الحالي، أو من قوات الأمن المختلفة المحسوبة على حكومة الوفاق. هذه المساحة الكبيرة فرضت تحديا على الجيش المصري.

التعقيد الثاني يتعلق بتعدد التحالفات القبلية بالنسبة لقبائل الشرق الليبي، سواء الشمال الشرقي أو الجنوب الشرقي، بمعنى أنه لا يوجد تحالف واحد لدى القبائل الليبية مع فصيل أو طرف ليبي محدد يمكن التعامل معه من القبائل التي تلعب أدوارا في عملية التأمين، أو ما يمكن أن يطلق عليه "التوظيف الأمني والسياسي للقبائل" لتعويض حالة الضعف الخاصة بالجيش الليبي وقوات الأمن الليبية على الحدود.

التعقيد الثالث، يتعلق بانتشار أو تعدد التنظيمات أو الميليشيات المسلحة والتي اتخذت أشكالا متعددة، دينية وأيديولوجية وجهوية. هذا التعدد داخل الميليشيات المسلحة الليبية زاد من تعقيد المشهد السياسي والأمني الليبي، وجعل التعامل مع المهددات على الحدود الليبية أمرا أكثر تعقيدا.

على الجانب المصري، تبرز تعقيدات من قبيل صعوبة التضاريس الجغرافية للمنطقة الغربية، على خلفية تعدد الأودية، التي يتم استخدامها في عمليات التهريب. وقد مثلت أنشطة التهريب عبر هذه الأودية هي التهديد الأساسي قبل 25 يناير، مع ملاحظة أنها اقتصرت بالأساس على تهريب السلع والبضائع، بجانب الهجرة غير الشرعية. ما حدث بعد ثورة يناير أن هذه الأدوية زاد عددها بشكل كبير، وصلت الآن إلى أكثر من 120 واديا غير شرعيا. النسبة الأكبر من هذه الأودية غير معروفة على وجه الدقة. أضف إلى ذلك أن استخدام هذه الأودية لم يعد مقصورا على تهريب السلع والبضائع ولكنه بات يشمل عبور العناصر الإرهابية.

التعقيد الآخر على الجانب المصري يتعلق بالتشابك القائم بين جماعة الإخوان المسلمين وجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا.

التعقيد الثالث له علاقة بتمركز بعض العناصر التي خرجت من عباءة الإخوان المسلمين، مثل حفص ولواء الثورة، واتخذت مناطق في الصحراء الغربية من صحراء أسيوط والمنيا، أماكن للتمركز والتدريب، وهو ما يمكن أن يؤدى إلى انتقال الأفراد لعمل تدريبات داخل الجانب الليبي ثم الانتقال إلى مصر مرة أخرى أو إلى نقل السلاح لهذه العناصر.

وانتهى أ. أحمد كامل بوضع عدد من المقترحات للتعامل مع هذه المشكلات على الجانب الليبي، حددها في ضرورة فتح قنوات اتصال مع كافة الأطراف الليبيين، والتوظيف السياسي والأمني لقبائل المنطقة الشرقية الليبية، وهو الأمر الذي قد يساعد في عمليات التأمين وجمع المعلومات الاستخباراتية. وأشار في هذا الإطار إلى حدوث نوع من التقارب المصري الجزائري، يمكن أن يشكل لوبي للضغط على الموقف الدولي، لرفع الحصار على ما يسمى بالجيش الوطني الليبي. وقد بدأت مصر خلال الستة أشهر الماضية في تنظيم عدد من الاجتماعات في القاهرة بهدف توحيد الجيش الليبي. أما على الجانب المصري، فهناك بعض الإجراءات الأمنية والعسكرية التي يمكن اتخاذها، مثل إنشاء منطقة غربية يمكن أن تكون شبيهة بمنطقة شرق القناة، والتوسع في استخدام الأدوات والتقنيات التكنولوجية لمراقبة الحدود.  

رابعا: الحدود الجنوبية

تناولت د. أميرة محمد عبد الحليم حالة الحدود الجنوبية. وأكدت في البداية أن خصوصية هذه الحدود تعود إلى خصوصية العلاقات بين مصر والسودان، كونهما كانا دولة واحدة في مرحلة من المراحل التاريخية، وأن هذه الحدود تحمل العديد من الفرص والمخاطر في الوقت ذاته، بالإضافة إلى بعض التوترات السياسية بين الدولتين.  

وتمتد الحدود المصرية- السودانية على مسافة 1280 كيلو متر، بها العديد من القبائل التي تنتمي إلى مصر وفي الوقت ذاته لها امتدادات داخل السودان، وهي أغلبها قبائل بدوية ذات لمحة أفريقية، تنتمي إلى قبيلة أوباجا التي توجد في الأساس في الجزء الغربي من البحر الأحمر داخل عدد كبير من الدولة الأفريقية. هذه القبائل تنظر على نفسها على أنها قبائل مصرية وليست سودانية. هذه المنطقة أيضا لها أهمية اقتصادية كبيرة بالنظر إلى ما تتضمنه من مناجم للذهب والمنجنيز والثروات الحيوانية، والموقع السياحي المتميز. أيضا فيما يتعلق بالعلاقات عبر الحدود توجد قبائل بشرية تتحرك على الحدود منذ نشأة الدولتين، تعمل في مجال التجارة بشكل عام، خاصة تجارة الجمال. هذه التحركات البشرية والتجارية والأنشطة التي تحمل فرص للتعاون الكبير بين البلدين، لكنها تتضمن على جانب آخر بعض المخاطر الأمنية المتعلقة ببعض أنواع الجريمة المنظمة من تهريب مخدرات وبضائع وعمليات الاتجار بالبشر.

من ناحية أخرى، تُعد الحدود المصرية الجنوبية مصدرا لتوترات سياسية تعود إلى أن الدولتين كانتا دولة واحدة حتى عام 1820. ومع وقوع مصر تحت الاحتلال البريطاني بدأ تهديد الحدود، وبدأ وزير الداخلية المصري مصطفى فهمي في ذلك الوقت، في التفكير في إسناد إدارة بعض المناطق الحدودية إلى الجانب السوداني، استنادا إلى أن مصر والسودان كانتا بلدا واحدا، كما أن كثير من الحكام الموجودين في السودان كانوا مصريين. وفي مرحلة تاريخية تولت السودان إدارة حلايب وشلاتين مع احتفاظ مصر بسيادتها الكاملة على المنطقة، وهو الأمر الذي أثار الكثير من المشكلات بعد استقلال السودان عام 1956. كما لجأت السودان إلى توظيف قضية حلايب وشلاتين في الضغط على مصر في بعض القضايا الأخرى، خاصة قضية المياه.

الأزمات بين مصر والسودان تتعلق بالمثلث الذي يضم حلايب وأبو رماد وشلاتين تعود إلى عام 1958، عندما قامت السودان بعمل انتخابات ووضعت هذا المثلث ضمن الدوائر الانتخابية. لكن مصر رفضت ذلك الأمر، واستخدمت هذا الحدث كحجة قانونية بأنها منذ 1958 وهي تؤكد سيادتها على هذه المنطقة.

وقد اتخذت الدولة المصرية العديد من الإجراءات لمواجهة التحركات السودانية في هذا المجال، شملت البدء في إصدار بطاقات هوية وطنية للسكان الموجودين في هذا المثلث بدءا من العام 1992، وإنشاء قرية "رأس حدربه" في عام 1998، فضلا عن مشروعات تطوير منطقة حلايب وشلاتين، وطرح مشروع حضاري لتطوير منطقة حلايب وشلاتين في العام 2009. وفي فبراير عام 2014 أصدر مجلس الوزراء قرارا بتحويل قرية حلايب إلى مدينة تضم أبو رماد ورأس حدربة إلى جانب حلايب، وذلك لتسهيل بعض الأمور الخاصة بالسكان الذين يعيشون داخل هذا الإقليم والذي يبلغ عددهم ما يقرب من 27 ألف فرد. أضف إلى ذلك افتتاح المعابر الحدودية، وهو ما تم تطبيقه في أبريل عام 2015، والحركة المستمرة على الحدود فيما يتعلق بقوافل الجمال والتجارة، واهتمام مصر بعمل معابر تقوم بالإشراف عليها في عام 2015.

وانتهت د. أميرة بطرح بعض التوصيات للتعامل مع قضية الحدود الجنوبية، شملت زيادة الاهتمام بتطوير هذه المناطق، خاصة في ظل رصد ميزانية كبيرة للبحث عن المعادن بها، والعمل على تنمية التعاون بين مصر والسودان لحل المشكلات الأخرى المتعلقة بسد النهضة ومشكلة المياه وغيرها من القضايا.

خامسا: الحدود البحرية

تناولت الأستاذة أمل مختار حالة الحدود البحرية المصرية. وبدأت مداخلتها بالتأكيد على خصوصية هذه الحدود بالنظر إلى ثلاثة عوامل. أولها، كونها تعد أحد مصادر القوة الصلبة للدولة المصرية، والتي تتمثل في الموقع المتميزة وامتلاكها لحدود شمالية مطلة على البحر الأبيض المتوسط، وأخرى شرقية مطلة على البحر الأحمر، الأمر الذي يعني امتلاك مصر لفرص مهمة على مستوى التجارة والاقتصاد والثقافة والعلاقات المنفتحة على الآخرين. ثانيها، كون الحدود البحرية هي حدود مع مجموعة من الدول، حيث تلتقي مصر عبر حدودها الشمالية مع خمس دول على البحر المتوسط (تركيا، إسرائيل، اليونان، قبرص، ليبيا)، وكون الحدود البحرية الشرقية هي حدود مع دولتين عربيتين (السعودية، والأردن). ثالثها، صعوبة تعيين الحدود البحرية مقارنة بترسيم الحدود البرية، ودائما ما يكون هناك تعيين ثم إعادة تعيين وخلافات مستمرة في الاتفاق على الشكل النهائي لهذه الحدود.

أما فيما يتعلق بمصادر التهديد عبر الحدود البحرية المصرية، فقد حددتها أ. أمل في ثلاثة مستويات:

الأول، تهديدات ذات طبيعة أمنية، والمتمثلة في أنشطة التهريب التي يسهل ممارستها من جانب الجماعات الخارجة عن القانون، بهدف تهريب المخدرات أو السلاح من خلال البحر، وتداعيات ذلك على الأمن الداخلي للدولة. بالإضافة إلى الهجرة غير النظامية عبر الحدود البحرية، وذلك على خلفية الحالة الأمنية المتدهورة في منطقة الشرق الأوسط. فضلا عن  الكوارث البحرية؛ فعلى الرغم من أن مصر من الدول الهادئة التي لا يحدث بها تسونامي وما إلى ذلك، لكنها تشهد جانبًا آخر من الكوارث المتمثلة في التسرب النفطي أو بعض المشاكل الخاصة بالثروات البحرية والقرصنة البحرية.

الثاني، تهديدات ذات الطبيعة العسكرية؛ إذ شهدنا عبر العصور أن كافة الغزوات أو عمليات الاحتلال أو الحملات الاستعمارية التي أتت إلى مصر أتت من خلال المدن الساحلية المصرية (رشيد، الإسكندرية، مدن القناة) فدائما ما كان البحر مصدرا للانتهاكات أو الاحتلال العسكري.

الثالث، تهديدات أمنية ذات طبيعة غير تقليدية، حيث أصبح البحر سواء المتوسط أو الأحمر، معبرًا للجماعات الإرهابية، خاصة بعد تعرض التنظيمات المتطرفة العنيفة في سوريا والعراق لخسائر عسكرية كبيرة أدت الى هروب وانتقال مقاتليها إلى مناطق تمركز جديدة.

وتعد إدارة مسألة اكتشافات الطاقة في شرق المتوسط، وقضية الهجرة غير النظامية، وانتقال الإرهاب عبر المتوسط من أهم القضايا المرتبطة بالحدود الشمالية المصرية. فبالنسبة لما يتعلق بإدارة اكتشافات الطاقة والإعلان عن تعيين الحدود البحرية في عام 2013، فقد ترتب على ذلك توزيع لحقوق مصادر الطاقة وحقول الغاز في المنطقة، وما تبعه من صراعات وتوترات سياسية بين دول شرق المتوسط. وقد اختارت مصر منذ العام 2013 التنسيق مع كل من قبرص واليونان، ما أغضب تركيا، وحدث تعاون ثلاثي بين مصر والدولتين واجتماعات قمة بدأت في القاهرة في العام 2014 مما زاد من توتر العلاقات المصرية التركية، والعلاقات القبرصية التركية. أيضا أثارت المناورات المصرية العسكرية واليونانية التي جرت في نوفمبر 2017 غضب تركيا. كما أن اكتشافات الغاز الجديدة، خاصة حقل ظهر الذي تم اكتشافه في عام 2015، جعل مصر صاحبة الحظ الأوفر في المستقبل فيما يخص اكتشافات الغاز، وهو الأمر الذي وضع عبئا كبيرا على الدولة المصرية لتأمين مصادر الطاقة المكتشفة وخطوط نقلها خاصة في ظل بيئة إقليمية متوترة. وفيما يتعلق بتهديد الهجرة غير الشرعية، فقد مثلت مصر منطقة عبور لبعض المهاجرين الأفارقة غير النظاميين، سواء المتجهين إلى إسرائيل عن طريق سيناء في مرحلة سابقة، أو إلى أوروبا عن طريق البحر المتوسط.

أما فيما يخص التهديدات الأمنية في البحر الأحمر، فيمكن إجمالها في القضايا المتعلقة بالقواعد العسكرية في القرن الأفريقي، وقضية القرصنة، والإرهاب، والحرب في اليمن.  

هناك سياسات عسكرية بدأت الدولة المصرية في تطبيقها، خاصة فيما يخص التسليح، منذ العام 2014 من أجل تأمين الحدود البحرية بشكل عام، ولتأمين المياه الإقليمية والمحافظة على انتظام حركة الملاحة البحرية، وتأمين حركة الملاحة عبر قناة السويس خلال البحر الأحمر ومرورا بباب المندب، ومن القناة باتجاه المتوسط. هناك كذلك سياسات غير عسكرية، تمثلت في الحوارات المفتوحة مع الدول المتقاطعة المصالح مع مصر، سواء فيما يخص البحر الأحمر أو التهديدات عبر البحر المتوسط.

وفي إطار النقاش حول المداخلات السابقة، أثار د. محمد السعيد إدريس، تساؤلا حول ماهية المقصود بالتهديد، وكيف أن دولة بعينها تصبح هي مصدر للتهديد وأن تكون قوة ضاغطة على دولة الجوار لإجبارها على الدخول في شراكة أمنية مشتركة، مثال ذلك إيران؛ فعلى الرغم من أنها محاطة بتسع دول فإنها على العكس تظهر كدولة قوية، فكيف يمكنها إدارة كافة التهديدات التي تواجهها؟ فخطورة الحدود الإيرانية مع الدول المحيطة بها تأتي من الامتدادات الديموغرافية القومية داخل الجوار، سواء كانت أقليات عرقية أو طائفية. كما أشار د. إدريس أيضا إلى ضرورة التمييز بين مصادر التهديد الفعلية، وكيفية إدراك القيادة السياسية لهذه المصادر وترتيبها من حيث الأهمية.

وأشار د. عادل عبد الصادق، الخبير بوحدة الدراسات العسكرية والأمنية، إلى طبيعة الحدود في العالم العربي، فهناك دول عربية لديها مساحات شاسعة من الصحاري مما يؤثر بشكل سلبي على خدمات التنمية، أيضًا الوضع الداخلي للدولة فمن غير المعقول أن تقوم الدولة بترك الإقليم المركز وتنتقل إلى التركيز على الأطراف في حين أن المناطق المركزية نفسها تعاني من مشكلات في التنمية، ومن ثم ينبغي على الدولة القيام بالموازنة بين كل ذلك من خلال رؤية تكاملية لتنمية الأطراف بالتوازي مع تنمية المركز.

أضف إلى ذلك هناك محدد آخر يتعلق بتفاوت الثروات بين أقاليم الدولة ودور هذا التفاوت في إنتاج بعض الأزمات الحدودية، وهو ما بدا جليًا فيما يخص قضية الأكراد، وازدياد النزعة الانفصالية لديهم نظرًا لشعورهم بسلب مواردهم. وأكد على أن أمن الدولة لا يتعلق فقط بأمن حدودها السياسية، لكنه يتصل أيضًا بنظرة الدولة لأمن إقليمها.

وذهب د. أيمن عبد الوهاب، رئيس الوحدة المصرية، إلى أن القانون يستند في تطبيقه إلى القوة، فبدون القوة لا قيمة للقانون. كما أشار إلى أن فكرة سيادة الدولة تعد مدخلا مهما، وهو ما يبرز الهوية الخاصة بالدولة كون فكرة الهوية هي النقطة التي من الممكن أن نربط بها الأطراف بالدولة، بمعنى كيف أن الدولة تستطيع أن ترسخ وجودها الفعلي على المناطق الحدودية وفق قناعة هذه القبائل أو هؤلاء السكان بهويتهم وانتمائهم لهذه الدولة، الأمر الذي يعتبر مسألة في غاية الأهمية.

كما أشار د. محمد عز العرب، الخبير بوحدة الدراسات العربية والإقليمية، إلى "المدخل الإداري" المرتبط بإعادة ترسيم الحدود، ليس ما بين الدول ولكن داخل الدولة بين وحداتها الإدارية، بين المراكز والمحافظات. وفي هذا الإطار، قدمت الحكومة المصرية، من خلال وزارة التخطيط، أفكارًا عديدة، سواء ما يخص إعادة التقسيم الإداري، أو إنشاء بعض المحافظات الجديدة.

طباعة
شروق صابر

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية