عروض

"العمل الأهلي: ثنائية الجمعيات والتعاونيات" عرض العدد 68 من فصلية "أحوال مصرية"

طباعة

يُعد القطاع الأهلي بأجنحته المختلفة (الجمعيات، التعاونيات) أحد فواعل الحركة الأساسية التي يُعوّل عليها في مساعدة الدولة للقيام بدورها التنموي، من أجل تجاوز الظواهر الاجتماعية السلبية ومواطن الضعف الاقتصادية والسياسية، والإسراع بعملية الإصلاح الذي تنشده الدولة. وفي ضوء ما تفرضه أجندة بناء الدولة المصرية الحديثة من متطلبات تدفع نحو ضرورة تعزيز المشاركة المجتمعية ودفع عملية التنمية البشرية، تثور الحاجة إلى إعادة صياغة دور التنظيمات الأهلية كتنظيمات وسيطة داعمة لعملية تنظيم تفاعلات المواطنين والمجتمع، لتفعيل متطلبات الإصلاح الاقتصادي من ناحية، ومواجهة التداعيات الممتدة من ناحية أخرى، وذلك عبر إدارة كفء للموارد والقدرات المادية والبشرية للدولة والمجتمع.

ارتباطًا بما تقدم، تسعى مجلة "أحوال مصرية" في هذا العدد إلى إلقاء الضوء على واحدة من القضايا الشائكة والحاسمة في عملية التنمية، أملا في تقديم بعض الأفكار والمقترحات الداعمة، لإعادة تنظيم قوى المجتمع، وموارده عبر دمج القطاع الأهلي والمجتمع المدني في منظومة تنموية متكاملة، تتكامل فيها الأدوار والمسئوليات.

وقد أشار د. أيمن السيد عبد الوهاب، رئيس تحرير المجلة، في افتتاحيته، إلى أن عملية النهوض بالقطاع الأهلى في مصر، تتطلب رؤية جديدة وإرادة سياسية ومجتمعية داعمة لمقومات النهوض بهذا القطاع كشريك في عملية التنمية، فلا يمكن الرهان على تنظيماته كمؤسسات اجتماعية وتنموية تقود المجتمع إلى دعم قضيتي المشاركة والتوزيع بدون توافر مجموعة من العوامل، منها: الخصائص الذاتية للجماعة، درجة الاستقلال، الإطار السياسى، نوع السياسات العامة، الثقافة السياسية. ومع إعمال هذه العوامل على الواقع الحالى للقطاع الأهلي والمجتمع المدني، نجد أننا أمام واقع رسخّته العديد من الاعتبارات التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبالتالي، فتعظيم الأدوار التنموية وليس الخيرية، هى السبيل لتحفيز وتنمية القدرات التنموية للمواطنين، وتعظيم دورهم في الإصلاح المطلوب لبناء الدولة الحديثة التى تمتلك من الرؤية والمقومات ما يدعم عملية تحويل القوة الكامنة إلى ثروة حقيقية وفي مقدمتها الثروة السكانية.  

كما أكّد الأستاذ مالك عوني، على ضرورة منح المشاركة المجتمعية فى رسم خريطة تنمية تفاعلية فى مصر أولوية عليا، للتكامل مع أى جهد حكومى لتخطيط التنمية، بما يستعيد زخم التكامل العضوى بين المجتمع والدولة، ويعبئ القدرات المعرفية والاستثمارية للمجتمع، ويضمن لتلك الخريطة استدامة التطور والفاعلية، كما يتعين الاهتمام بترسيخ أنماط مشاركة مجتمعية فى الاستثمار تقوم بالأساس على العمل التعاونى الذى يعبئ قدرات الأفراد محدودي الإمكانيات المادية، وتوجيه تلك القدرات إلى المجالات الإنتاجية، وليس فقط فى المجالات التسويقية والتوزيعية، وأن يتحرر من الهيمنة الحكومية.

وأبرزت د. هبة جمال الدين، الدور والمكانة التي تحتلها كل من الجمعيات الأهلية والتعاونيات في استراتيجية التنمية المستدامة 2030، مؤكدة أن التنمية المستدامة لن تتأتى إلا بشمول شركاء التنمية وعلى رأسهم الجمعيات الأهلية والتعاونيات، فدورهما أساسى للتنمية البشرية والمجتمعية والاقتصادية، بل وتحقيق الأمن الغذائى ورفع الوعى مما يتطلب رؤية مختلفة لدور هذه المؤسسات يخرجها من عباءة أعمال الخير والدور الرعوى إلى معبر التنمية. فعلى الرغم من نجاح بعض هذه المؤسسات فى تقديم نماذج تنموية جادة داخل المجتمع إلا أن جهودها مبعثرة. وهنا يأتى دور الدولة عبر إستراتيجية التنمية المستدامة 2030 لتجميع هذه الجهود عبر طرح خطط وبرامج تنموية تساعد فى تقليل أعباء التنمية على الأرض، مع دعم دور فاعل جديد يمكنه أن يقدم المظلة الحقيقية لتنسيق الجهود التنموية.

وفي السياق ذاته، سعت د. هويدا عدلي، إلى استكشاف طبيعة العلاقة بين منظمات المجتمع المدنى، وبالتحديد المنظمات غير الحكومية/ الجمعيات الأهلية فى مصر ومؤسسات صنع السياسة، عبر تحديد مساحات التفاعل المتبادل بينهم، خاصة فى ضوء اعتبارين أساسيين: الأول ما تم طرحه فى رؤية 2030 عن العلاقة بين الدولة والمجتمع المدنى ومستقبلها. أما الثانى فيرتبط بالتحولات الجذرية التى طرأت على منهجيات صنع السياسة على مستوى العالم والفجوة مع الواقع المصرى، والتى تشير إلى الاستمرار فى اتباع منهجيات تقليدية فى صنع السياسة مما يؤدى إلى تعثر جهود التنمية وهدر الموارد.

من ناحية أخرى، استعرضت الباحثة دينا هشام، الخبرات الدولية الخاصة بالعمل الأهلي والتواصل بين الحكومة والمواطنين لتحقيق التنمية، حيث أكدّت أن التنظيمات الأهلية في دول العالم الثالث تعد أحد آليات تحقيق الديمقراطية والنمو الاقتصادى حيث تعتبر هذه الجمعيات بديلًا للحكومات غير القادرة على توفير الاحتياجات الأساسية لمواطنيها، فتلعب هذه الجمعيات دورًا محفزًا للتحول فى المجتمعات من خلال الاستجابة للاحتياجات والمتطلبات والعمل على إيجاد حلول للمشكلات، كما تمارس دورها فى مجال تنمية المجتمعات وفقًا لمبدأ أساسى وهو ضرورة إشراك المواطنين فى تحقيق التنمية.

فيما أبرز د. حسن سلامة، الدور الثقافي للقطاع الأهلي ودوره في حركة الإبداع والتنوير في مصر، حيث أكّد أن  أهمية الدور الثقافى للقطاع الأهلى، ممثلًا فى الجمعيات والروافد الثقافية المستقلة، يبرز فى ضوء تزايد التوظيف السياسى والدينى لهذا القطاع على حساب الموارد الثقافية (التاريخية والمعاصرة) التى تمثل اللبنة الأهم فى مسار التحولات التى تشهدها مصر فى الوقت الراهن، حيث أن القيم والمعارف وأنماط السلوك كمكونات ثقافية تتفاعل تأثيرًا وتأثرًا بالتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التى يشهدها المجتمع بأسره.

في حين أكّد الباحث بهاء الدين عياد، أن الظروف الاقتصادية الصعبة التى تشهدها مصر، والبرامج التنموية الطموح التى تتبناها الدولة، تحتاج إلى دعم المجتمع المدنى من خلال تفعيل دوره التنموى فى إطار مفهوم جديد يقوم على الشراكة والثقة المتبادلة وتنسيق الأدوار والوظائف.

من زاوية أخرى، أشار د. نادر نور الدين، إلى الدور الكبير الذي تلعبه التعاونيات في تعزيز الأمن الغذائي المصري، ومواجهة الفجوة الغذائية التي تعيشها، وذلك عبر توفيق الأوضاع وحل المشاكل التى يتكرر حدوثها بين الحكومة وبين المزارعين، مشددًا على حاجة مصر الشديدة إلى نظام فاعل للتعاونيات يجبر المسئولين على احترام ظروف المزارعين والعمل على زيادة دخولهم وإشراكهم فى صنع القرار.

وفي السياق ذاته، أبرز د. محمد حلمي نوار، الجانب الآخر لدور التعاونيات في تعزيز مقومات التنمية المستدامة، من خلال طرح رؤية واعية وأكثر عمقًا لمجمل السياق المؤسسى الراهن الذي تعمل في إطاره التعاونيات، بالشكل الذي سيساهم في تجميع جهود أطراف الحركة التعاونية المتغلغلة فى أعماق جميع أطراف المجتمع، بل وإطلاق طاقاتها الإبداعية فى مسعى لتحديد وتعظيم دور التعاونيات كمنظمات أهلية لتنمية وتطوير مجتمعاتها بالمشاركة مع باقى القوى الفاعلة فى المجتمع.

وأبان الأستاذ عبد الرحمن أيمن، الدور الاجتماعي والثقافي للتعاونيات خاصة في مراحل التحول الاقتصادي، وذلك باعتبارها مثالًا على تواجد البعد الاجتماعى والثقافى فى المشاريع الاقتصادية، فهذه الروابط هى التى تساهم فى تعزيز التفاعل وبناء الثقة التى تسهل من التنسيق لتحقيق المنافع المتبادلة بين الأعضاء، والمسئولة أساسًا عن تكوين النشاط التعاونى من البداية كمشروع اجتماعى واقتصادى، حيث تساهم الأنشطة التعاونية في ترسيخ قيمً ثقافية تقوم بالعمل على الاستدامة الاجتماعية، وذلك من خلال تحقيقها للتنمية باستثمار رأس المال الاجتماعى ونشر قيم المساعدة المتبادلة والثقة والعمل المشترك.

طباعة
مهاب عادل حسن

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية