متابعات تحليلية

الضربة العسكرية الثلاثية على سوريا .. ماذا بعد؟

طباعة

وجهت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا ضربة عسكرية ضد مواقع تابعة للنظام السوري فجر يوم الرابع عشر من أبريل الجاري (2018) على خلفية اتهامات باستخدام نظام الأسد للأسلحة الكيماوية في هجومه على مدينة دوما بالغوطة الشرقية. الضربة تأتي على غرار ضربة مماثلة وجهتها واشنطن ضد قاعدة الشعيرات في ريف حمص الشمالي العام الماضي، جراء اتهامات باستهداف المدنيين بغازات الأعصاب السامة في خان شيخون بمحافظة إدلب. وبغض النظر عن حالة الجدل الدولي بشأن استخدام النظام للغازات السامة المحرمة دوليا ضد المدنيين من عدمه، فإن الضربة الأمريكية- الفرنسية- البريطانية المشتركة تعكس حالة التنافس الشديدة التي شهدتها علاقات روسيا مع كل من الولايات المتحدة وأوروبا، على مدى الشهرين الماضيين؛ بشأن الأزمة في سوريا من ناحية، وبشأن اتهامات بريطانيا لروسيا بتورطها في محاولة اغتيال العميل الروسي سيرجي سكريبال على الأراضي البريطانية باستخدام غاز أعصاب خلال مطلع مارس 2018، من ناحية ثانية. أما فيما يتعلق بجدلية الاستخدام المتكرر للأسلحة الكيماوية من قبل النظام، واتهام واشنطن لموسكو بمسئوليتها عن عدم التخلص من الأسلحة الكيماوية السورية وفقا لمبادرة روسية طرحت في هذا الشأن عام 2013، فإنها تأتي كذرائع للتغطية على الاستهداف السياسي الأمريكي لروسيا ولسياستها بشأن إدارة الأزمة السورية، منذ إعلانها الانتصار على الإرهاب في سوريا مطلع العام الجاري، ورغبة الولايات المتحدة في كبح حالة الانفراد الروسية بإدارة الأزمة على مستوييها العسكري والسياسي.

الدلالات

في هذا الإطار، جاءت الضربة العسكرية الأمريكية ضد النظام السوري لتعكس العديد من الدلالات، وتفرض جملة تساؤلات بشأن المدى الذي يمكن أن تصل إليه نتائج هذه الضربة، وانعكاساتها على مسارات التفاوض، وعلى واقع الصراع في سوريا، في ضوء حالة الغموض التي تكتنف الاستراتيجية الأمريكية بشأن الأزمة ما بين الانخراط تارة، والتردد والانسحاب تارة أخرى، وتضارب التصريحات بشأن استمرارية التواجد العسكري الأمريكي في سوريا، تارة ثالثة.

 أولى تلك الدلالات تشير إلى كون الضربة الثلاثية "محدودة ومحددة الهدف" بالنظر إلى كونها ضربة واحدة فقط، فضلا عن تركيزها على استهداف البنية التحتية التي يستخدمها النظام السوري في تطوير قدراته على إنتاج السلاح الكيماوي فقط، ودون أن تستهدف باقي قدراته ومقدراته العسكرية. فوفقا لما أعلنته وزارة الدفاع الأمريكية فإن الضربة استهدفت مركز البحوث العلمية ومطار المزة بدمشق، واللواء 41 للقوات الخاصة، واللواء 105 للحرس الجمهوري، وقاعدة دفاع جوي في جبل قاسيون، ومنطقة الكسوة بريف دمشق. وترجع محدودية الضربة ومحدودية أهدافها إلى رغبة الولايات المتحدة في عدم التورط على نطاق واسع في توجيه ضربات قاسية للنظام السوري، بما قد يدفع شريكيه الروسي والإيراني إلى اتخاذ خطوات غير محسوبة تجاه التواجد العسكري الأمريكي في سوريا والعراق. التحسب لنطاق ومدى ونوعية الرد الروسي شكل مدخلا لدى صانع ومتخذ القرار الأمريكي باستهداف النظام السوري. فالرد الروسي قد لا يكون مباشرا وإنما عن طريق الحليف الإيراني الذي بإمكانه الرد في مناطق المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة؛ سواء ضد حلفائها بإعادة تصعيد الوضع في الجنوب السوري، حيث الحدود مع إسرائيل، أو في العراق حيث التواجد العسكري الأمريكي، أو باستهداف مقار البعثات الدبلوماسية الأمريكية في أنحاء متفرقة من العالم، أو حتى في الداخل الأمريكي نفسه. وذلك على الرغم من امتلاك واشنطن العديد من الخيارات العسكرية التي تمكنها من الاستهداف المباشر للقدرات العسكرية للنظام السوري؛ وأبرزها الخيارات التي روج لها البنتاجون بشأن إمكانية شل قدرات النظام السوري على القصف الجوي كأحد السيناريوهات الممكن تطبيقها، بما يعيد تشكيل خريطة الصراع الميداني من جديد، ويغير في توازنات القوى العسكرية على الأرض. إلا أن واشنطن لازالت حريصة على مراعاه نطاق وحدود تحركاتها في سوريا جيدا، بما لا يدخلها في مواجهة مباشرة مع الوجود الروسي هناك.

ثانيها، يرتبط بالهدف من محدودية الضربة؛ حيث يتضح من تصريحات مسئولي الدول الثلاث المشاركة في الضربة العسكرية أنهم لا يستهدفون التصعيد العسكري ضد النظام، أو ضد التغيير في الواقع الاستراتيجي الميداني الموجود بميدان الصراع، وهو ما يعيدنا إلى استبعاد فكرة المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وروسيا على  الأراضي السورية، خاصة أن الضربات قد سبقها تنسيق مع روسيا، تمثل في إعلامها من قبل الدول الثلاث بتوجيه ضربة عسكرية دون أن توضح المواقع المستهدفة التي ستشملها الضربة. والتنسيق هنا تم ضمانا للسلامة الجوية وفقا لقواعد التنسيق الأمني المعمول بها بين روسيا ودول التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، وفي مقدمتها الولايات المتحدة منذ عام 2016؛ أي بعد عام من التدخل الروسي وقبل عام من التدخل الأمريكى. كما أن الضربات حرصت على عدم المساس بالقواعد العسكرية الجوية والبحرية الروسية في حميميم وطرطوس. أو المساس بالقوات الروسية على الأرض؛ لعلمها تماما أن المساس بالوجود الروسي يفتح احتمالات حرب واسعة النطاق في سوريا والمنطقة على حد سواء. وإن كان التنسيق أدى إلى محدودية خسائر النظام السوري، الذي نجح في إخلاء معظم القواعد والمطارات العسكرية ونقل محتوياتها إلى القواعد الروسية في حميميم وطرطوس.

ثالثها، يشير إلى تبلور موقف دولي شبه كامل بين الولايات المتحدة والقوى الأوروبية للقيام بعمل عسكري ضد دمشق، بعد أن كانت الولايات المتحدة تقوم بمثل هذه الضربات بمفردها. وهذا يعني أن ثمة تشكيلا لتحالف دولي بات يرى ضرورة في معاقبة الأسد، في تحول لافت في مواقف القوى الدولية التي قبلت الترويج الروسي لبقاء نظام الأسد كشريك في محاربة الإرهاب. هذا التحول مرده أن الولايات المتحدة وشركاءها تحديدا باتوا يتوجسون من حالة التمدد والتضخم في الذات الروسية سياسيا وعسكريا، ومحاولات الرئيس الروسي بوتين فرض نفسه كلاعب وحيد في ساحة التنافس الروسية الأوروبية من ناحية، وعلى مستوى الصراع السوري من ناحية ثانية. خاصة بعد خطاب التباهي الذي ألقاه في مطلع مارس الماضي، والذي حمل تهديدا مبطنا بأن قدرات روسيا العسكرية المتطورة قابلة للترجمة فيما يخدم مصالحها في أي مكان من العالم. وقد استخدمت الولايات المتحدة والقوى الأوروبية حادث اغتيال سيرجي سكريبال، ثم الأحداث في الغوطة، والكيماوي في دوما كذرائع لكبح حالة التضخم والتمدد الروسية تلك. هذا فضلا عن نجاحها في تهيئة الرأي العام العالمي لقبول ضربة دولية ضد دمشق، بالرغم من عدم وجود قرار إدانة من مجلس الأمن.

رابعها، يشير إلى ما أحدثته الضربة معنويا على الأقل؛ حيث نالت من حالة التباهي الروسية السورية بحجم الانتصارات العسكرية التي حققها الطرفان خلال العامين الماضيين. فضلا عن تكريسها لفكرة أن ثمة قوى "موازنة" لروسيا قادرة في لحظات على خلط الأوراق الميدانية، بل وقادرة – إن رغبت في ذلك – على تغيير قواعد اللعبة السورية برمتها. وهو ما يدفعنا إلى الاعتقاد بأن هدف الضربة هو ممارسة ضغوط موازنة على روسيا وحلفائها؛ لحملهم على تغيير نهجهم العسكري في سوريا، ودفعهم نحو العودة مجددا للمسار التفاوضي الذي ترتضيه الولايات المتحدة والدول الأوروبية وهو مسار جنيف. 

تقييم ونتائج

التطورات السابقة تطرح تساؤلا مهما حول نتائج الضربة العسكرية الأمريكية الفرنسية البريطانية المشتركة ضد دمشق، وما هي خيارات روسيا في التعامل مع تلك النتائج؟ تجدر الإشارة هنا إلى أن الضربة لن تؤثر نوعيا على الوضع الميداني الموجود، ولا على توازنات القوى الميدانية لصالح النظام وحلفائه الذي تم على مدار الأعوام الثلاثة الماضية، ولا على خريطة النفوذ الدولية والإقليمية التي تشكلت في سوريا. وإنما تستهدف كما سبق القول الضغط على روسيا للتوقف عن نهجها في توظيف الخيار العسكري وحملها على العودة لمسارات التفاوض السياسية. بل هناك من يرى أن الضربة استهدفت التعجيل الأمريكي الأوروبي بالبحث عن "صفقة ما" مع روسيا على غرار ما حدث بشأن صفقة الكيماوي السورية عام 2013؛ حينما قايضت روسيا الضربة الأمريكية العسكرية الأمريكية المحتملة، التي أرادت إدارة الرئيس الأمريكي السابق أوباما توجيهها لدمشق، بنزع سلاح دمشق الكيماوى.   

أما بشأن خيارات روسيا في مواجهة سياسات التحالف الأمريكي الأوروبي في سوريا؛ فهي تتراوح بين ثلاثة خيارات: الأول، يتعلق بالاستمرار في تفعيل حق الاعتراض في مجلس الأمن لوقف أي قرار لإدانة النظام السوري، وحرمان الأعمال العسكرية ضده من غطاء الشرعية الدولية. الثانى، يتعلق باستمرار تجنب المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة. وتجدر الإشارة هنا إلى عدم رد روسيا على استهداف القوات الأمريكية لعدد من الجنود المرتزقة الروس في دير الزور خلال شهر فبراير الماضي. هذا إلى جانب عدم اتخاذها موقف من الضربات العسكرية الإسرائيلية ضد النظام السوري وحلفائه التي تتم من آن لآخر، بهدف تجنب المواجهة المباشرة مع واشنطن. أما الخيار الثالث، فيفترض الاتجاه نحو مزيد من تفعيل روسيا لتحالفاتها مع إيران والنظام السوري والميليشيات اللبنانية على أرض الصراع؛ عبر القيام بعمليات نوعية لم تتضح معالمها بعد. وعبر تزويد النظام السوري بمنظومة الصواريخ الروسية إس 300، إس 400، التي كانت روسيا مترددة في تزويده بها. ويلاحظ هنا أن الموقف التركي المرحب بالضربة قد يؤدي إلى انزعاج روسيا وضرب حالة التقارب المتزايدة بينها وبين أنقرة، وربما يؤدي إلى اتجاه روسيا إلى معاقبة أردوغان في عفرين، عبر دعم عملية نوعية يقوم بها النظام السوري بالدخول إلى المدينة. بل هناك من يرى أن روسيا ستتجه لدعم التوجه الإيراني السوري نحو إدلب، وربما نحو جبهة الجنوب السوري حيث الضغط على منطقة الحدود مع الأردن وإسرائيل.    

من التحليل السابق يمكن القول إن الضربة العسكرية الثلاثية على دمشق لم تستهدف إحداث نقلات نوعية في مسار الصراع السوري، ولا تغييرا في موازين القوى العسكرية القائم حاليا. وإنما استهدفت إحداث تغيير في السلوك الروسي الداعم للنظام السوري بدفعه نحو مسارين الأول، تحجيم النظام السوري ولجم سياساته العسكرية على الأرض. والثاني، العودة إلى مسارات التفاوض عبر بوابة جنيف. 

طباعة
صافيناز محمد أحمد

باحثة متخصصة فى الشئون السياسية العربية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية