عروض

الدروس المستفادة من خبرات الأمم المتحدة في عمليات بناء السلام عرض العدد رقم 27 من دورية "بدائل"

مصطفى كمال * 904 11-4-2018
طباعة

أدت زيادة معدلات الصراعات الداخلية وتعقدها بعد انتهاء الحرب الباردة، سواء من حيث أطرافها الفاعلون الدوليون والفاعلون من غير الدول، أو قضاياها التي تتعلق بالإثنية، والهوية، والقومية، أو من حيث تداعياتها على بيئتها الإقليمية والدولية، إلى تطوير مفهوم بناء السلام في إطار أجندة الأمم المتحدة على أساس أن حفظ السلام لم يعد يتوقف على غياب العنف، وإنما أصبح الأمر يتطلب تدعيم المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الدولة من أجل التعامل مع الأسباب الرئيسية للصراع، لتجنب العودة إليه مرة أخرى.

وفي هذا السياق، يقدم العدد الجديد من دورية "بدائل" التي تصدر عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، الدروس المستفادة من خبرات الأمم المتحدة في عمليات بناء السلام، والتي يمكن أن تساهم في تفعيل مشاركة مصر في هذه العمليات على نحو يعزز من ريادتها العالمية.

وتوضح الدكتورة إيمان رجب، خبير الأمن الإقليمي بمركز الأهرام ورئيس تحرير الدورية، في افتتاحية العدد التي تحمل عنوان "تزايد أهمية المشاركة في عمليات بناء السلام" أن المناقشات الخاصة بطبيعة مشاركة مصر في عمليات بناء السلام التابعة للأمم المتحدة غالبا ما تقتصر على الشق الخاص بحفظ السلام وإنهاء النزاعات المسلحة وفرض تنفيذ التسوية السياسية، دون أي نقاش جاد وعملي للشق الخاص ببناء السلام والمتعلق ببناء المجتمعات بعد انتهاء النزاع وما يرتبط بذلك من تعزيز الديمقراطية والحكم الصالح واحترام حقوق الإنسان.

كما توضح الدكتورة أيضا أن هناك تطور تدريجي في السياسات المصرية الخارجية تجاه هذه القضية، وهو ما أشار إليه الرئيس السيسي في كلمته في قمة مجلس الأمن حول إصلاح عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، والتي تتمحور حول خمسة عناصر رئيسية هي: 1- التعامل مع هذه العمليات كأحد أدوات المجتمع الدولي لصون السلم والأمن الدوليين. 2- التعامل مع هذه العمليات في إطار مفهوم يتضمن خطة عمل سياسية وبرامجية وعملياتية. 3- عدم فرض أنماط أو نظم سياسية معينة على الدول التي تشهد نزاع. 4- إنشاء آلية تشاورية مؤسسية تجمع الدول الرئيسية المساهمة بالقوات. 5- تفعيل دور المنظمات الإقليمية في مناطق النزاع في عمليات الأمم المتحدة أسوة بالاتحاد الأفريقي.

وتنقسم الدراسة الرئيسية لهذا العدد التي أعدتها الدكتورة سعاد محمود، الأستاذ المساعد للعلوم السياسية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، والمعنونة "الدروس المستفادة من خبرات الأمم المتحدة في عمليات بناء السلام"، إلى ثلاثة أقسام يتناول أولها مفهوم بناء السلام ومحددات ظهوره. ويتناول القسم الثاني تجارب مختارة من عمليات الأمم المتحدة لبناء السلام، وأخيرًا يستخلص القسم الثالث الدروس المستفادة التي يمكن أن تستفيد منها كل من الأمم المتحدة ومصر بما يضمن تفعيل دورها في هذه العمليات.


 

أولاً: مفهوم بناء السلام في ظل تحولات ما بعد الحرب الباردة

توضح الدكتورة سعاد محمود أن عمليات بناء السلام معقدة ومتعددة الأبعاد وطويلة المدى، وهي تتعامل مع الأسباب الهيكلية عميقة الجذور المسببة للصراع، لمنع العودة إلى الصراع مرة أخرى، أي أنها تتعامل مع القضايا الرئيسية التي تؤثر في كل من المجتمع والدولة، ولذلك توضح الدراسة بأن بناء السلام وبناء الدولة عمليتين متداخلتين، ويرجع  ذلك إلى أن عملية بناء الدولة هي جوهر الإدارة الدولية للأقاليم International Territorial Administration وهي الاسم العلمي لآلية الأمم المتحدة لبناء السلام في مواقف ما بعد انتهاء الصراع.

وتوضح الدراسة أن عملية بناء السلام وفقًا لمجلس الأمن الدولي تعمل على إنشاء مؤسسات تعمل على تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وحكم القانون، هذا فضلًا عن تحقيق الأمن وفرض القانون وإصلاح النظام القضائي، كذلك القضايا الإنسانية المرتبطة بالمصالحة وتحسين نمط العلاقات بين أطراف الصراع. كما توضح الدراسة علاقة مفهوم بناء السلام ببعض المفاهيم الأخرى التي تتداخل معه بما يؤدي إلى الخلط فيما بينها في كثير من الأحيان مثل مفهوم حفظ السلام وفرض السلام وصنع السلام.

ثانيًا: تجارب مختارة من عمليات الأمم المتحدة لبناء السلام

تتناول الدراسة في هذا الجزء خبرة الأمم المتحدة في بناء السلام بعد انتهاء الحرب الباردة من خلال تحليل أربع عمليات مختلفة لبناء السلام في تيمور الشرقية، وكوسوفو، والسلفادور، وسيراليون.

1- عملية تيمور الشرقية

ترصد الدراسة عملية الأمم المتحدة في تيمور الشرقية كونها أكثر عمليات الأمم المتحدة نجاحًا في مجال بناء السلام، حيث تمتعت الإدارة الدولية الانتقالية للأمم المتحدة في تيمور الشرقية بوضع خاص مقارنة بالإدارة الدولية الانتقالية في حالات أخرى نظرًا لأنها باشرت اختصاصات السلطة القضائية، وكذلك فوضت لتولي مسئولية إبرام الاتفاقيات الدولية والتمثيل الخارجي باسم تيمور الشرقية. كماأنشأ رئيسها أول مؤسسة رسمية لتنفيذ شرط الحوار الوارد في تفويض قرار مجلس الأمن لتعزيز مشاركة النخبة التيمورية وتمثل ذلك في المجلس الاستشاري الوطني، وهو هيئة غير منتخبة ومهمته إسداء المشورة إلى رئيس الإدارة الانتقالية في جميع المسائل المتعلقة بممارسة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وفي مرحلة تالية تم تشكيل الحكومة الانتقالية الأولى، ثم الحكومة الانتقالية الثانية كمحاولة لإرساء الأسس الرئيسية للمؤسسات السياسية لتيمور الشرقية.

  وبعدما حصلت تيمور الشرقية على الاستقلال في 20 مايو 2002، حلت بعثة الأمم المتحدة لدعم تيمور الشرقية (UNMISET) محل الإدارة الانتقالية بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1410 وذلك لمدة 12 شهر لتقديم المساعدة إلى المؤسسات الوليدة في تيمور الشرقية بما يحقق استقرارها السياسي، كذلك تعزيز البنية التحتية والإدارة العامة وتطبيق القانون والحفاظ على الأمن الداخلي والخارجي للدولة، وضمت البعثة ثلاثة عناصر، هي عنصر مدني وعنصر شرطي وعنصر عسكري، وتم تمديد تفويضها لمدة ستة أشهر بقرار المجلس رقم 1543 لسنة 2004، ثم صدر قرار آخر رقم 1573 لسنة 2004 الذي مدد تفويض البعثة لمدة ستة أشهر أخرى انتهت في 20 مايو 2005 بشكل نهائي، وقام مجلس الأمن على إثر ذلك بإنشاء بعثة مكتب الأمم المتحدة في تيمور– ليشتي UNOTIL بوصفها بعثة سياسية خاصة للمتابعة لمدة عام واحد لتقديم الدعم للمؤسسات الحكومية الرئيسية، وتأهيل الشعب على أساليب الممارسة الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.

2- عملية كوسوفو

رصدت الدراسة حالة كوسوفو كحالة خاصة، حيث مارست فيها الأمم المتحدة من خلال الإدارة الدولية للأقاليم ممثلة في United Nations Mission In Kosovo (UNMIK)، سلطات حكم مباشر على إقليم كوسوفو. وعلى عكس عملية الأمم المتحدة في تيمور الشرقية UNTAET التي ضمت مكون عسكري مدمج فيها حل محل القوات متعددة الجنسيات INTERFET، في حالة كوسوفو كان لدى الإدارة الدولية مكون عسكري منفصل عن البعثة خولت له سلطات منفصلة وفقًا للقرار 1244 وهو ما عرف باسم KFOR، حيث حدد القرار مهمة المكون المدني في إقامة إدارة مدنية في كوسوفو، وتسهيل العملية السياسية لتحديد الوضع المستقبلي لكوسوفو. ونظرًا لأن القرار 1244 كان نتيجة لمفاوضات دولية كثيفة فإنه اتسم بدرجة كبيرة من الغموض. ففي الوقت الذي كان يدعو إلى مساعدة كوسوفو لتحديد وضعها المستقبلي، أكد على احترام سيادة ووحدة أراضي يوغوسلافيا، وهو ما أدى فيما بعد إلى تحديات للمكون المدني للبعثة UNMIK، حيث كان على الإدارة الانتقالية الموازنة بين إعداد كوسوفو للاستقلال من جانب والحفاظ على سيادة يوغوسلافيا من جانب آخر .

ووفقًا لهذا القرار، تحددت مهام الـبعثة في أربعة مرتكزات، كل منها ترأسه منظمة دولية مختلفة وتتمثل تلك الأعمدة فيما يلي:

الأول،يختص بالمجال الإنساني وذلك تحت رعاية المفوضية العليا للأمم المتحدة لشئون اللاجئين، وقد استمر عمل المفوضية حتى عام 2000، أي نهاية ما أطلق عليه مرحلة الطوارئ emergency stage، حيث تشكل عمود جديد يغطي مجالي الشرطة والقضاء تتولاه الأمم المتحدة نفسها.

الثاني، أطلق عليه الدمقرطة وبناء المؤسسات Democratization and Institutions Building تحت رعاية منظمة الأمن والتعاون في أوروبا.

الثالث، خاص بالتعمير والتنمية الاقتصادية Reconstruction and Economic Development وتحت رعاية الاتحاد الأوروبي.

الرابع، مكون مدني للإدارة وهو الإدارة الانتقالية في كوسوفو ويخضع مباشرة للأمم المتحدة.

في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى أن عملية الأمم المتحدة في كوسوفو تتميز بسمة جديدة، وهي تركيز الإشراف على المرتكزات الأربع السابقة في يد الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة والذي عُدَّ من الناحية القانونية رئيسًا لكوسوفو، حيث تحددت مسئوليته في التأكيد على تماسك البعثة ككيان واحد، وتسهيل العملية السياسية لتحديد الوضع المستقبلي لكوسوفو، ومن ثم لم يكن يتمتع فقط بالسلطة على كل أراضي الإقليم، ولكن وضعت في يده كل السلطات التشريعية والتنفيذية وإدارة القضاء ، وبذلك فإن UNMIK تعد أيضًا من الناحية الفعلية بمثابة حكومة لكوسوفو.

3- عملية السلفادور

وفي رصد الدراسة لدور الأمم المتحدة في بناء السلام في السلفادور وجدت استجابة الأطراف الداخلية لعملية بناء السلام استنادًا على المعايير الليبرالية، حيث قامت الأمم المتحدة بإنشاء بعثة الأمم المتحدة في السلفادور ONUSAL في يوليو 1991 قبل انتهاء الصراع بسبعة أشهر، واستطاعت إقناع تجمع اليسار FMLN بقبول ترتيبات تجعل من القوات المسلحة والشرطة مؤسسات مهنية، وذلك بعد أن طالب بتقاسم السلطة وإدماج قواته في القوات المسلحة للدولة، وهو ما رفضته الحكومة وكان مصدرًا لتعثر المفاوضات حتى عام 1991، ثم نجحت في توقيع اتفاقية السلام في يناير 1992، وتم الاعتراف قانونًا بتجمع اليسار FMLN كحزب سياسي من جانب المحكمة العليا للانتخابات.

 ورصدت الدراسة خلال مراحل تنفيذ اتفاق السلام من 1992-1996 إنشاء الأمم المتحدة بعثتين أخريين حلتا محل البعثة الأولى ONUSAL، وهما MINUSAL وONUV، وقامتا بالإشراف على تنفيذ اتفاق السلام من خلال عقد اجتماعات منتظمة بين الحكومة والحزب لحل القضايا العالقة، وبالرغم من التحديات التي واجهتها عمليات الأمم المتحدة في السلفادور والقيود على فاعليتها هناك، إلا أن السلفادور بعد خمس سنوات أصبحت أكثر سلامًا مقارنة بالفترات السابقة، وشهدت بعد ذلك إجراء انتخابات بدون عنف.

4- عملية سيراليون

وفي رصد الدراسة لحالة سيراليون لاحظت عدم وجود إدارة دولية انتقالية تتولى سلطات حكومية سواء بشكل جزئي أو بشكل كامل، حيث اتسم تدخل الأمم المتحدة بوجود بعثة حفظ سلام تقليدية. حيث تدخلت قوات تابعة للأمم المتحدة في سيراليون بعد عودة كابا للحكم، وذلك بعد 6 سنوات من الحرب الأهلية، هي UNAMSIL، وقد كان هذا التدخل نتيجة لاتفاق بين الأمم المتحدة وسيراليون، وأسندت لها مهمتان الأولي حفظ السلام وذلك بمساعدة حكومة سيراليون في عملية جمع ونزع الأسلحة، والثانية بناء السلام وذلك من خلال عدة خطوات عملية تتمثل في إجراء الانتخابات وتوصيل المساعدات الإنسانية.

كما ترصد الدراسة عدم نجاح البعثة في أداء مهامها ، بالرغم من أن مجلس الأمن قد زاد عدد أفرادها من 70 إلى 11100 فرداً، حيث ظل دورها محدودًا خاصة في المناطق التي تسيطر عليها قوات الجبهة RUF، كما تعرضت القوات التابعة للبعثة إلى هجمات مستمرة من الجبهة، حيث تم اختطاف 500 فرد من قوات حفظ السلام على يد قوات الجبهة،     وبتدهور الوضع في سيراليون اعترف مجلس الأمن بالحاجة إلى تعزيز التفويض الممنوح للبعثة UNAMSIL فتم رفع عدد قواتها إلى 17000 فرد، وبذلك أصبحت أكبر عملية لحفظ السلام آنذاك، في الوقت الذي قام فيه المكون المدني للبعثة بدور هام في تعزيز السلام مثل تحسين البنية التحتية للدولة، وإنجاز برامج نزع السلاح وإعادة التأهيل في يناير 2002 .

 وفي عام 2008 تم إعطاء تفويض لبعثة جديدة لبناء السلام في سيراليون United Nations Integrated Peace in Sierra Leone حلت محل البعثة السابقة والمتواجدة في سيراليون منذ عام 1999 بعد خروج قوات الأيكواس عام 1999 كنتيجة لاتفاق لومي وانتهى عملها هناك في مارس عام 2014. وبالرغم من أن سيراليون تسير على الطريق الصحيح، إلا أنها مازالت تواجه تحديات اقتصادية مثل الفقر والبطالة، وسياسية مثل الفساد، بالإضافة إلى أن جذور الصراع لم تحل بالكامل، حيث عانت القوات التابعة للجبهة الثورية المتحدة من مشكلتين رئيسيتين هما التهميش الاقتصادي والسياسي.

الدور المصري بين حفظ السلام وبناء السلام

يتركز الدور المصري بصورة أساسية في عمليات حفظ السلام وليس بنائه بالمعنى السابق توضيحه، فبالنسبة لحفظ السلام تأتي مصر في مقدمة الدول الداعمة لعمليات حفظ السلام التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، وهذا يرجع بالأساس منذ إسهامها في عملية حفظ السلام في الكونغو عام 1960. في الوقت ذاته، تهتم مصر بقضية حفظ السلام على المستوى الإقليمي، حيث قامت بإنشاء مركز القاهرة للتدريب على حل الصراعات وحفظ السلام في أفريقيا عام 1995 لتدريب عناصر الدول الأفريقية، ويتعاون المركز في ذلك مع آلية الاتحاد الأفريقي لمنع النزاعات، كذلك تشارك مصر في جهود تفعيل القوة الأفريقية الجاهزة منذ نشأتها عام 2005.

أما على مستوى بناء السلام بالمعنى الذي تمت الإشارة إليه في بداية الدراسة فإن الدور المصري يعد محدودًا للغاية، حيث اقتصر على وسيلتين أولهما طرح مبادرات لتدعيم بنية السلام خاصة في أفريقيا، مثل مبادرة إنشاء مركز الاتحاد الأفريقي لإعادة الأعمار والتنمية في مرحلة مابعد النزاعات AUC-PCRD، كذلك مبادرة إنشاء وحدة لدعم الوساطة والوقاية من النزاعات، هذا فضلًا عن تنظيم ورش عمل للدول الأعضاء في جامعة الدول العربية بشأن مستقبل بنية السلم والأمن الدوليين. أما عن الوسيلة الأخرى فقد اقتصرت على الدور الرسمي من خلال لجنة تقديم الدعم والمساعدات التقنية وبناء القدرات، أي عن طريق لجنة بناء السلام التابعة للأمم المتحدة، ويمكن في هذا الصدد الإشارة بشكل خاص إلى المساعدات التي قدمتها إلى سيراليون لدعم حكومتها في مجال الطاقة وتنمية الزراعة والرعاية الصحية والتعليم، وذلك من خلال إطار التعاون لبناء السلام المبرم بين منظمة الأمم المتحدة وحكومة سيراليون.

ثالثًا: الدروس المستفادة: الفرص والتحديات

استخلصت الدراسة عدة دروس من التجارب السابقة للأمم المتحدة في بناء السلام يمكن الاستفادة منها من قبل الأمم المتحدة ومصر، وأول هذه الدروس أنه لا يوجد نموذج جاهز للعملية الناجحة يمكن تطبيقه في كل مواقف ما بعد انتهاء الصراع، فلكل حالة خصوصيتها، والتحديات التي تواجهها إحداها من الممكن ألا تقابلها الحالات الأخرى، ولعل هذا ما يفسر لماذا لم تتبن الأمم المتحدة استراتيجية واحدة للتعامل مع مواقف ما بعد انتهاء الصراع، مفضلة في ذلك استخدام اقتراب التعامل مع كل حالة على حده Approach Case By Case، ثانيا في مجال تقييم دور عمليات الأمم في بناء السلام، فإن نجاحها المحتمل يعتمد على عوامل لا ترتبط فقط بمنظمة الأمم المتحدة، ولكن أيضًا بالبيئة الخارجية التي تتم في إطارها تلك العمليات، أي يتعلق بعوامل ترتبط بالأمم المتحدة وبالإدارة الدولية للأقاليم من جانب، والبيئة الداخلية للمجتمعات المستهدفة من جانب آخر.

كما ترى الدراسة أن التحديات التي تواجهها الأمم المتحدة في بناء السلام ترجع إلى ما يسمى بفجوة التعهدات Commitments Gap، وذلك بين التفويض الممنوح لعمليات بناء السلام وبين القدرات الفعلية اللازمة لتنفيذ مهامها ، إضافة إلى أحد المبادئ الحاكمة لعمليات الأمم المتحدة لبناء السلام يتمثل في الحياد، وهو ما جعل المنظمة موضع انتقاد من حيث الإصرار على تبني النموذج الديمقراطي في عملية بناء السلام حيث إنها كمؤسسة عالمية يجب أن يحكمها مبدأ عدم الانحياز السياسي أو الأيديولوجي. كما ترى الدراسة ضرورة وضع استراتيجية جادة وفعاله تحكم انتهاء عملها Exit Strategy، حيث إن عدم وجود تخطيط جيد لعملية الخروج وانتهاء عملها قد يؤدي إلى آثار مدمرة، حيث إن هناك فرقًا بين النجاح المبدئي والنجاح المستدام لعمليات الأمم المتحدة في مواقف ما بعد انتهاء الصراع.

وفيما يتعلق بالدروس المستفادة لتفعيل مشاركة مصر في عمليات بناء السلام تشير الدراسة إلى ضرورة توسيع وتطوير الدور المصري في إطار عمليات بناء السلام، خاصة وأن مصر تمتلك المقومات التي تمكنها من القيام بذلك سواء من حيث وجود قيادة واعية لها رؤية متكاملة في هذا المجال، أو وجود إرادة سياسية لتحقيق ذلك، فضلًا عن توافر العناصر المادية وغير المادية والكوادر البشرية المؤهلة لذلك، وبذلك لا يجب أن يقتصر الدور المصري على مجرد المبادرات على مستوى الخطاب السياسي أو التدريب على بناء السلام من خلال ورش العمل، وإنما توسيع هذا الدور على أرض الواقع بشكل عملي من خلال الشراكة بين الدور الرسمي للدولة والدور غير الرسمي ممثلًا في مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص، وهو ما يؤدي في النهاية إلى زيادة فاعلية الدور المصري.

كما ترى الدراسة أن مصر تستطيع من جانب آخر من خلال التنسيق مع الدول الأخرى التي تشاركها الأفكار والمصالح في تطوير نموذج بناء السلام الذي تتبناه منظمة الأمم المتحدة ليصبح أكثر ملاءمة للسياقات المحلية لدول الجنوب، وهو ما يؤدي إلى زيادة فرص نجاح عمليات بناء السلام التابعة للأمم المتحدة من جانب، وفي نفس الوقت إتاحة الفرص لتوسيع الدور المصري في هذا المجال من جانب آخر بحكم انتمائها لدول الجنوب، فهي أكثر قدرة على تفهم الاعتبارات والتقاليد المحلية لمجتمعاته.

طباعة
مصطفى كمال

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية