عروض

عرض كتاب "الأمن القومي العربي: تحول خريطة التهديدات والاستراتيجية المقترحة للمواجهة"

مصطفى كمال * 3593 1-4-2018
طباعة

يناقش كتاب "الأمن القومي: تحول خريطة التهديدات والاستراتيجية المقترحة للمواجهة"، لمؤلفته دكتورة إيمان رجب، الخبير في الأمن الإقليمي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، والصادر مؤخرا عن معهد البحوث والدراسات العربية، التحولات في خريطة التهديدات التي يتعرض لها الأمن القومي العربي خلال المرحلة الحالية بسبب تغير الأوضاع في المنطقة مقارنة بأوضاعها في فترات سابقة، ويقدم ما يشبه روشتة عمل تسمح بتطوير استراتيجية براجماتية في التعامل مع التهديدات الجديدة التي يتعرض لها الأمن القومي للدولة العربية.

ويعد البحث الذي يتضمنه هذا الكتاب هو العمل الفائز بالمركز الأول في "جائزة الشباب العربي لعام 2017" التي تنظمها المنظّمة العربيّة للتّربية والثّقافة والعلوم (الألكسو) التابعة لجامعة الدول العربية، والتي خصصت للبحوث في مجال الأمن القومي. وتعد الدكتورة إيمان رجب الخبير في الأمن الإقليمي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، ومؤلفة الكتاب، أول شابة مصرية تحصل على المركز الأول في هذه الجائزة منذ أن خصصتها منظمة الألكسو للباحثين الشباب في الدول العربية في 2013.

أولا: ستة تحولات رئيسية تمر بها المنطقة العربية

ويحلل الكتاب ستة تحولات رئيسة تتعرض لها الدول العربية بصورة فردية والمنطقة العربية بصورة جماعية منذ نهاية العام 2010، وتشمل: (1) تعثر التحول الديمقراطي في الدولة العربية، (2) تعقد الصراعات المسلحة داخل العربية، (3) النمو الاقتصادي غير المتوازن ومانتج عنه من اتساع نطاق الفئات المهمشة، (4) تزايد التأثير العسكري للقوى الإقليمية غير العربية، تحديدا إيران وتركيا واسرائيل، (5) استمرار سياسة الغرب في الترويج للديمقراطية وما يصاحبها من تغيير مفهوم الأمن القومي للدولة العربية، (6) عسكرة سياسات القوى الدولية المهتمة بالمنطقة مثل روسيا والدول الأوروبية والصين، فضلا عن الولايات المتحدة، من خلال اتجاهها لإنشاء قواعد عسكرية لها سواء في داخل بعض الدول العربية أو في الحزام الجنوبي للأمن القومي العربي.

وفي ضوء هذه التحولات الستة، تحلل دكتورة إيمان رجب في الفصل الأول من الكتاب تغير مفهوم الأمن القومي العربي، سواء الأمن القومي الخاص بكل دولة عربية على حده أو الأمن القومي الجمعي للدول العربية، وهو ما درج على تسميته الأمن الاقليمي العربي. وتنطلق المؤلفة في هذا الفصل من مقولة رئيسية مفادها أن الأمن القومي كمفهوم هو مفهوم ديناميكي يتأثر بالتحولات والتغيرات التي يشهدها العالم، وهي سمة يمكن تتبعها في حالة الأمن القومي العربي منذ نشأة النظام الإقليمي العربي في 1945.

ويحلل الكتاب أربعة أبعاد للتغير في مفهوم الأمن القومي، هي: 1- تزايد أهمية البعد الإنساني للأمن القومي، 2- تداخل التهديدات الداخلية والخارجية للأمن على نحو يصعب معه الفصل بينها عمليا، وإن تم الفصل بينها من الناحية النظرية في الفصلين الثاني والثالث في الكتاب، 3- تجدد الجدل بين هل الأولوية هي استعادة الأمن أم تحقيق الأمن؟ خاصة في الدول التي تمر بمراحل انتقالية بسبب موجة الثورات العربية مثل مصر وتونس وليبيا، 4- اختلال دوائر الأمن القومي العربي مع تجدد النقاش في الدوائر الأكاديمية والسياسية العربية والغربية حول العلاقة بين النظام العربي والنظام الشرق أوسطي.  

ثانيا: خريطة جديدة للتهديدات التي يتعرض لها الأمن القومي العربي

حددت دكتورة إيمان رجب ثمانية تهديدات رئيسة تواجه الدول العربية خلال المرحلة الحالية، وناتجة عن التحولات الستة السابق تحليلها، وهي:

1- ضعف الدولة المركزية، حيث تواجه بعض الدول في المنطقة العربية إشكالية استدامة نموذج الدولة المركزية التي ظلت المرتكز الخاص لأي ترتيب مؤسسي للأمن القومي العربي، حيث باتت هذه الدول تشهد أشكالا مختلفة من الضعف مثل الدول الضعيفة، والدول المقسمة، والفيدرالية/ الكونفدرالية. ويصاحب هذا الضعف ضعف مماثل في الجيوش الوطنية، مما يؤثر على قدرة هذه الدول على مواجهة التحديات والتهديدات التي تتعرض لها، وبالتالي يصعب عليها المساهمة في أية ترتيبات للأمن الجماعي في مواجهة أي تهديدات خارجية خاصة في ظل بروز العديد من الفاعلين العنيفين من غير الدول الذين أنهوا احتكار الحكومات المركزية السيطرة على إقليم الدولة.  

2- تزايد انتشار التطرف والإرهاب. وترى مؤلفة الدراسة أنه نتيجة لضعف الدولة المركزية علاوة على التحولات التي شهدتها الدولية العربية خلال السنوات الماضية أصبح التهديد الرئيسي للأمن القومي العربي هو التطرف والإرهاب، حيث تشير التقارير الدولية الخاصة بالإرهاب إلى أن كل الدول العربية أصبحت تواجه الإرهاب بصرف النظر عن مستوى الحداثة والتطور السياسي والاقتصادي لديها. وتؤكد أنه بالرغم من عدم وجود تقارير لقياس انتشار التطرف إلا أن تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2016 في تحليله لتوجهات الشباب في عينة من الدول يشير إلى ميولهم نحو أفكار تنظيم داعش، أو تبني توجهات إيجابية نحو داعش.

3- تجدد مشاكل الأقليات: وذلك في ظل كون المنطقة العربية أكثر المناطق في العالم تعددا من حيث الإثنيات والأقليات الموجودة فيها، فمن حيث الدين توجد الأديان الثلاثة الإسلام والمسيحية واليهودية ومن حيث الطوائف أو المذاهب داخل كل دين فهناك الشيعة والسنة في الإسلام وبداخل كل منهم عدد من الطوائف، ومن حيث العرق يوجد الأمازيغ والأكراد وبعض الأعراق الصغيرة الأخرى، ونتج عن تعثر عمليات التحول الديمقراطي في الدول العربية وعدم قدرة النظم العربية على الاستجابة لمطالب القطاعات المختلفة إلى تراجع الولاء للدولة بوصفها الإطار الجامع لكل الفئات والتكوينات الاجتماعية.

وتكتسب قضية الأقليات أهمية عند تحديد خريطة التهديدات التي يتعرض لها الأمن القومي العربي حاليا لسببين الأول استهداف التنظيمات الإرهابية للأقليات خاصة تنظيم داعش في العراق، والآخر هو تجدد النزعات الاستقلالية لدى الأقليات مثلما حدث للأقلية الكردية في العراق.

4- تزايد أهمية أمن النظم السياسية على حساب الأبعاد الأخرى للأمن، حيث ترى المؤلفة أنه "صاحب انطلاق موجة الثورات العربية نهاية 2010، تغييرات في هياكل السلطة وفي القوى الرئيسية المسيطرة عليها خاصة في كل من مصر وتونس، الأمر الذي أثر على طبيعة الدولة وشكلها. وصاحب هذه التغيرات اتساع عملية الأمننة securitizationوالتي تم من خلالها تم توسيع نطاق القضايا التي تعد أمنية والتي يتعين إدارتها باستخدام الأدوات الأمنية".

 وتجادل دكتورة إيمان رجب أن اتساع عملية الأمننة جاء على نحو يخدم أمن النظام السياسي الحاكم في الدول العربية على أكثر من مستوى. يتعلق المستوى الأول بتراجع طبيعة القضايا الأمنية بوصفها قضايا سياسية عليا high politics، أي أن من يقوم بتحديد السياسات الأمنية هي النخبة الحاكمة بشقيها السياسي والأمني. أما المستوى الثاني فيتعلق بعودة مركزية الدولة بوصفها موضوع التهديد، خاصة في ظل الانهيار الذي شهدته بعض الدول العربية بعد الثورات العربية. المستوى الثالث يتعلق بتغير تصورات الأمن السائدة في المؤسسات الأمنية وبين النخب في الدول التي تمر بمراحل انتقالية.   

5- التحول في مركز الثقل السياسي في المنطقة العربية: تجادل دكتورة إيمان بأن الدول المؤثرة في التفاعلات الرئيسية في إقليم الشرق الأوسط قد تغيرت بعد الثورات العربية، حيث تزايد الدور الإقليمي لبعض الدول على حساب الدول الأخرى. كما ترى أن هذا التحول لا يرتبط بالمال فقط، وإنما بالتفكير الاستراتيجي وشبكة العلاقات والتحالفات التي تتخطى حدود منطقة الشرق الأوسط  لكي تؤثر على دوائر صنع القرار في الدول الكبرى سواء في واشنطن أو موسكو أو في الدول الأوروبية.

وتحدد ثلاث أبعاد للدول ذات الثقل، البعد الأول يتعلق بالدول التي أصبحت المركز الذي يُصنع فيه القرار السياسي خاصة فيما يتعلق بقضايا التغيير السياسي ومواجهة الدور الإيراني، وينصرف البعد الثاني إلى أنها أصبحت مصدر تمويل لعمليات التنمية في معظم دول الشرق الأوسط. ويتعلق البعد الثالث بكون هذه الدول لا تزال مصدرا مهما للشرعية الإقليمية، خاصة فيما يتعلق بالحرب ضد التنظيمات الإرهابية، خاصة داعش.

6- عدم قدرة جامعة الدول العربية على تسوية الصراعات داخل الدول العربية،حيثترى المؤلفة أن هناك ارتباط بين التهديدات السابقة وبين تزايد المشكلات التي تواجه مؤسسات التكامل العربي، خاصة جامعة الدول العربية فيما يتعلق بعمليات تسوية الصراعات التي تمر بها بعض الدول العربية خاصة سوريا وليبيا واليمن والعراق، الأمر الذي وفر مساحات أكبر للقوى غير العربية للتدخل في هذه الصراعات.

7- صعوبة تشكيل قوات عربية للتدخل السريع؛ فمع تصاعد التهديدات التي تواجهها الدول العربية، خاصة فيما يتعلق بتنامي تهديد الإرهاب بعد إعلان تنظيم داعش عن قيام دولته في العراق وسوريا، تجددت المناقشات حول إقامة قوات عربية للتدخل السريع على نحو يضمن وجود تنسيق عسكري ما بين الدول العربية التي تواجه تهديدا من هذا التنظيم من أجل مكافحته من خلال عمل عسكري.

وحللت دكتورة إيمان رجب المقترح الخاص بالرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لتشكيل قوات تدخل سريع لمكافحة الإرهاب في 22 فبراير 2015، وانتهت إلى أن وجود تحديات بعضها سياسي وبعضها فني حال دون تشكيل هذه القوات على أرض الواقع. وتزامن ذلك مع طرح مقترحات أخرى أخذت شكل التحالفات المرنة والتي أضفت بعدا مؤسسيا ما على النشاط العسكري للقوى غير العربية مثل تركيا في التعامل مع تنظيم داعش في العراق وسوريا.

ثالثا: استراتيجية مقترحة لتحقيق الأمن القومي العربي

في الفصل الثالث من الكتاب، تقترح دكتورة إيمان رجب استراتيجية للتعامل مع هذه التهديدات، تضع في الاعتبار حقيقة اتجاه الدول العربية لتبني مدخل توازن القوى من أجل تعزيز شعورها بالأمن، وهذا الوضع يخلق عددا من المحددات التي تؤطر التفكير في أي استراتيجية لتحقيق الأمن القومي العربي خلال الفترة المقبلة، وتشمل مايلي:

1- أن تكون أي ترتيبات أمنية، سواء أخذت شكل تحالفات أو غيرها ذات طبيعة "اختيارية" في عضويتها، ولا تفرض التزامات طويلة المدى.

2- أن تكون السياسات المقترحة والمتعلقة بالجوانب غير الأمنية والعسكرية قابلة للتنفيذ على مستوى الدولة العربية، بصور منفردة أو على مستوى الجامعة العربية بصورة جماعية باستخدام المؤسسات والآليات الموجودة بالفعل في الجامعة، فأية محاولة لإنشاء آليات أو أطر جديدة قد لا تكلل بالنجاح. ويعد تشكيل قوات تدخل سريع عربية مثالا جيد على ذلك.

3- يفضل أن تحوي الاستراتجية المقترحة سياسات ذات طبيعة جزئية تتعامل مع تهديدات محددة، فمثلا يمكن لخمس دول عربية معنية بقضية الإرهاب والتطرف أن تتفق على آلية أو ترتيب مشترك للتعامل مع هذه القضية، ومجموعة أخرى من الدول تتفق على ترتيب مشترك خاص بقضية تقوية الدولة المركزية والتعامل مع ظاهرة الدول الفاشلة.

4- ألا يكون التحالف أو الترتيب الأمني طويل المدي، فلا يجب أن نتحدث عن ترتيب يمتد لمدة 20 سنة فالأفضل أن تكون مدته قصيرة لمواكبة التكيف مع التغيرات والتحولات السريعة في المنطقة.

في إطار هذه المحددات، تضمن هذا الفصل استراتيجية لمواجهة التهديدات الثمانية التي يتعرض لها الأمن القومي العربي خلال المرحلة الحالية، وذلك بالاستفادة من الأسلوب الذي طورته كلية الدفاع الوطني بأكاديمية ناصر العسكرية العليا في بناء الاستراتيجيات القومية.

أخيرا تجدر الإشارة إلى أن الكتاب يقدم تأطيرا نظريا جديدا لمفهوم الأمن القومي من حيث تغير المفهوم، وتعدد مجالاته وأبعاده، علاوة على تحليله للتحولات الداخلية والخارجية في الدول العربية والتي تؤثر في أمنها القومي سواء بصورة فردية أو جماعية.

كما يقدم الكتاب طرحا واقعيا لفهم طبيعة التهديدات التي تواجهها الدول العربية. والأهم أنه يطرح استراتيجية مبنية على سياسات عملية وواقعية، تراعي اختلاف المصالح والتصورات بين الدول العربية حول أولوية تلك التهديدات، وبهدف تطوير آليات فعالة تضمن التعامل معها في المدى القصير.  

طباعة
مصطفى كمال

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية