أخبار وأنشطة

استطلاعات الرأي

طباعة

عقد مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية سميناره العلمي الرابع في الثالث عشر من مارس 2018، تحت عنوان "منهجية مسح الرأي العام وقياس اتجاهاته". وقد قام دكتور جمال عبد الجواد/ مستشار المركز، بعرض المداخلة الرئيسية في السمينار الذي أداره دكتور وحيد عبد المجيد، مدير المركز.

بدأ دكتور جمال عبد الجواد عرضه باستعراض الخلفية التاريخية حول استطلاعات الرأي العام، وما شهدته من تحول من حيث الطبقات والفئات التي يتم استطلاع آرائها. فبعد أن كان استطلاع الرأي مقصورًا قديمًا على آراء طبقات اجتماعية محددة، مثل الشيوخ والنبلاء والملوك، بجانب عدد قليل من أفراد المجتمع، شهدنا بحلول القرن السابع عشر توسعًا لتلك العينات فأصبحت تشمل عموم أفراد المجتمع، حيث أدرك المفكرون ضرورة وأهمية استطلاع آراء مختلف الطبقات.

وكان أبرز المفكرين في تلك الحقبة المفكر "جون لوك" الذي تحدث عن ثلاث قوانين تحكم الفرد، هى: القانون الديني، والقانون المدني، وقانون السمعة أو الرأي، لذلك يُعد ذلك القرن مهما في تاريخ أوروبا والعالم إلى حد كبير، لما شهده من تحول في الحقوق الدينية، وبداية تأسيس الدول، وإعطاء  الأهمية  لفئات الشعب المختلفة، ومن ثم ظهور استطلاعات الرأي العام. 

مراحل تطور استطلاعات الرأي

شرح دكتور جمال مراحل تطور استطلاعات الرأي بدءًا من اعتمادها على نظام الاستمارات، مرورًا باعتمادها على الهواتف، إلى اعتمادها على الإنترنت بشكل أساسي، حيث جرت أول محاولة فعلية مسجلة لقياس الرأي العام في مطلع القرن العشرين، وتحديدًافي العام 1916، من قبل المجلة الأسبوعية الأمريكية Literary Digest، التي كانت تصدر حينذاك، حيث قامت المجلة بوضع أسئلة،لكي تتلقى إجابات من القراء بشأن توقعاتهم حول فرص فوز المشرحين للانتخابات الرئاسية في تلك الفترة، ثم عملت على تطوير وسائل الاستطلاع من خلال إرسال كروت لعدد كبير من الأفراد، للتوصل إلى نتائج أفضل.

وقد نجحت هذه التجربة، واستطاعت التنبؤ بالمرشح الفائز وذلك في الانتخابات الأمريكية التي فاز خلالها الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون.ثم تكررت التجربة خلال انتخابات عام 1920، 1924، 1928، 1932، وقد نجحت تلك التجارب أيضا في توقع من هو المرشح الفائز في تلك الانتخابات خلال هذه السنوات.

وفي إطار التفاعلات التي جرتلتطوير آليات استطلاع الرأيالعام في العام 1936، ومن أجل الوصول إلى نتائج أكثر دقة، تم الاعتماد على إرسال أكبر عدد ممكن من الكروت، وصلت إلى 10 مليون كارت في كافة أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية، معتمدين في الحصول على بيانات الأشخاص التي تم استطلاع آرائهاعلى الدليل الخاص بمُلاك الهاتفات المنزلية، والدليل الخاص بمُلاك السيارات. وتم تلقيأكثر من 2.3 مليون صوت ممن وافقوا على إجراء الاستطلاع.وعلى الرغم منتوقع الأفراد خلال هذا الاستطلاع بإخفاق فرانكلين روزفلت، ونجاح شخص آخر لم يسمع به أحد من قبل، إلا أنما حدث هو عكس ذلك، وجاءت النتائج بفوز روزفلت، بفرق 61% من الأصوات في فشل ذريع للتوقعات لم يحدث من قبل!.

ويرجع السبب في ذلك إلى الاعتماد على عينة متحيزة، حيث لم يكن خلال فترة الثلاثينيات بأمريكا أشخاص يمتلكون سيارات أو هواتف منزلية سوى الطبقة العليا، ما يعكس اعتماد تلك الاستطلاعات على عينة متحيزة طبقيًا، التي هي على الأرجح لم تصوت لرئيس ديمقراطي يخوض الانتخابات ببرنامج مبني على رفاهية اجتماعية.

وأشار دكتور جمال في هذا الإطار إلى الاستطلاعات التي أجراها "جورج جالوب" في العام 1936، والتي توقع خلالها نتائج الانتخابات بشكل صحيح.وظل في ذلك المسار حتى عام 1948 ثم أخفق بعد ذلك. ويعود نجاح استطلاعات جالوب خلال الفترة منذ عام 1936 إلى ما قبل 1948 إلى إجراءتلك الاستطلاعات على عينة غير متحيزة، حيث عمل على دراسة المجتمع الأمريكي بعناية، وقام بتقسيمهإلى عدةفئات من خلال العوامل التي تؤثر على تصويتهم، والتي تعلقت، على سبيل المثال، بمستوى التعليم، والوضع المهني،وأجرى التقسيم بحيث أن كل فئة داخل المجتمع تظهر بنفس نسبتها في هذه العينة، وهى ما سمى بـ"QuotaSamples".

وأظهرت عينة جالوب أن المجتمع في تغير سريع ومستمر، فقد شهدت الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، تغيرًاوحراكًا اجتماعيًا سريعًا بمعدلات تكاد تكون غير مسبوقة في التاريخ الأمريكي، حيث شهدت أُناسا قادمين من جبهات القتال ليصبحوا ناخبين جدد، ونزوح فلاحين من الريف إلى المدن، وخروج العديد من النساء إلى سوق العمل، وبهذا الشكل أصبحت "الكوتة" المخصصة لكل فئة اجتماعية غير مطابقة للواقع. وهكذا، فشل جالوب أن يلاحق التغير الاجتماعي السريع، وهو ما تبين في فشل توقع نتيجة الانتخابات التي جرت في عام 1948.

واستكمل الدكتور جمال حديثه عن ما ظهر بعد ذلك من الحاجة إلى إجراء الاستطلاعات التي تعتمد على ما يسمى بـ "عينة احتمالية" equal probability of selection method ، والتي هي إلى اليوم الأكثر استقرارًا، والتي تعني إعطاء فرص مطابقة لكافة أفراد المجتمع الذييتطلب دراسته، أي نفس الفرص،أن يُختاروا في العينة، دون تحيز بسبب كوتة أو أيشيء آخر، وبالتالي نستطيع الحصول على اختيار عينة ممثلة للمجتمع.

ولا يعني ذلك عدم حدوث خطأ في بعض الأحيان، لكن هذا الخطأ لا يحدث بشكل متكرر، حيث يتم تطبيق الاستطلاع على عينات محتملة تتوزع وتتركز حول الخصائص الواقعية للمجتمع، وبالتالي يزداد الاحتمال بالتعرف من خلال تلك العينة على ما يحدث فعليًا داخل المجتمع.وهناك نوعين من الخطأ في توقعات نتيجة الاستطلاع.النوع الأول، ناتج عن خطأ في قياس النسبة، وهذا النوع غير ملاحظ، فقد يتم توقع حصول مرشح على نسبة 30% من الأصوات، وما يحدث هو حصوله على 33%. النوع الثاني، أن يتم تغيير ترتيب المرشحين داخل الأحزاب.


 

معايير ومنهجية استطلاعات الرأي

أشارت دكتورة أماني الطويل، رئيسة وحدة الدراسات الدولية بالمركز، إلى إمكانية تأثير القائم باستطلاع الرأي العام على اتجاهات المستطلع، الأمر الذي يؤثر بالسلب على نتائج الاستطلاع.

ووجه الدكتور معتز سلامة، رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية، سؤالا حول معايير تصميمالاستمارة العلمية؟ كما تساءل الدكتور محمد عز، عن الشروط الواجب توافرها من حيث تعدد التخصصات ووضوح الأسئلة في استمارة الاستبيان؟

في هذا السياق، أكد دكتور جمال عبد الجواد، إن تصنيف الاستمارة يعتمد على عدة معايير منها الإجابة على سؤال:ما هو المطلوب من البحث؟لذا يجب ضبط الاستمارة بدقة شديدة، فإذا كانت الاستمارة، على سبيل المثال، سوف تقيس نسبة تدين الأفراد في مجتمع ما، يجب أن تكون الأسئلة لقياس هذا الشيء فقط، وألا يتم وضع الأسئلة بشكل متتابع،نظرًا لما يمثلهذلك من تأثير بارز على طريقة تناول الاستطلاع، فإذا تم إخراج الأفراد من حالة الاستجابة التلقائية للأسئلة إلى حالة مخططة، سوف يعمل ذلك على التأثير في نتيجة الانتخابات، ولن يتم الوصول إلى مستوى الدقة المطلوب. 

وأشار الدكتور وحيد عبد المجيد إلى العينات التي ترفض الإدلاء بأصواتها، وطرح سؤالا إلى أي حد يمكن الاعتماد على الاستطلاع الذي يحتوي على نسبة كبيرة من تلك العينات؟

وأشار دكتور جمال عبد الجواد إلى أن تلك النقطة هي من أهم الموضوعات التي تقف وراء تفسير منطقي لتراجع نسبة معدلات الاستجابة للبحوث، والتي أصبحت أخطر شيء يهدد البحوث الميدانية ذاتها، حيث تراجع معدل الاستجابة في الولايات المتحدة ليصبح 9% فقط، فمن بين كل 100 فرد يُطلب منهم المشاركة بإجراء الاستطلاع يقوم 9 أفراد منهم فقط بالموافقة على المشاركة في الاستطلاع، وهناك فئات تميل للرفض أكثر من غيرها، وهذا هو أحد أهم التفسيرات المُقدمة لما حدث في الانتخابات الأمريكية الأخيرة، والذي سُمى بـ "ramp shy votersT".

كما أوضحت الأستاذة أمل مختار، الباحثة بوحدة الدراسات الأمنية والعسكرية بالمركز، أن نسبة نجاح أو إخفاق عملية استطلاع الرأي ترجع في جزء منها إلى وجود فروق بينية بين مجتمع ما ومجتمع آخر، فقد نشهد على سبيل المثال مجتمعات تتميز بثقافة التعبير عن الرأي دون الشعور بالخوف، وفي مقابلها مجتمعات أخرى لا تمتلك هذه الثقافة، وتساءلت عن مدى امتلاك المجتمع المصري أو المجتمعات العربية على ثقافة الإجابة بصدق عن اختياراتهم وتفضيلاتهم في البحوث الميدانية؟

ولفت الدكتور عادل عبدالصادق، الخبير بوحدة الدراسات الأمنية والعسكرية،إلى أهمية الحديث عن الاستطلاعات التي تجرى عن طريق الانترنت، وتساءل عن مدى منهجية تلك الاستطلاعات؟ وهل نمتلك الأدوات الجديدة لقياس الرأي العام عن طريق الإنترنت؟كما أكد على ضرورة معرفة آلية التحكم بمصداقية هذا النوع من الاستطلاعات، فقد يقوم فرد واحد بالتصويت الإلكتروني لأكثر من مرة، وبالتالي يتطلب ترشيد تلك الموجة، خاصة أن هناك نزعة لانتشارها.

وفي السياق ذاته، تساءلت دكتورة دينا شحاتة، الخبيرة بوحدة الدراسات المصرية، عن مدى مصداقية الاستطلاع الذي يعتمد على الهاتف "phone serve" مقارنة بالاستطلاع الذي يعتمد على ملء الاستمارات.

وأشار الدكتور جمال عبد الجواد إلى أن كافة الاستطلاعات الخاصة بالانتخابات الآن يتم إجرائها إما عن طريق الهواتف أو عن طريق الإنترنت"on line" ، وهي ليست عينة احتمالية، فبعد أن يتم أخذ نسبة الاستجابة وهي الـ 9% تبدأ مرحلة تسمى بـ "التوزين"، أي تطبيق تلك النسبة على المجتمع بأكمله، وما يميز تلك الانتخابات هو أنها غير مُكلفة وتمتاز بالسرعة، ففي الانتخابات يتم قياس النسب كل ثلاثة أيام، وبالتالي نجد صعوبة في الاعتماد على الاستمارات، حال إذا أردنا الحصول على نتائج ومؤشرات سريعة، وبالتالي فالأنواع الأخرى من الاستطلاع مقبولة حتى وإن احتوت على نسبة من الخطأ.

طباعة
شروق صابر

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية