مقالات

زيارة ولي العهد السعودي لمصر.. دلالات مهمة

طباعة

كان لزيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لمصر في مارس الجاري (2018) طابع خاص؛ فهي الزيارة الخارجية الأولى له كولي عهد للمملكة، وهي الزيارة الأولى له لمصر منذ نحو عامين، بعد زيارته كولي لولي العهد في إبريل 2016. ومنذ ذلك التاريخ شهدت العلاقات المصرية- السعودية أحداثا بالغة الأهمية، وطرحت تساؤلات بشأن مستقبل العلاقات.

الجوانب الشكلية

لم تخل الجوانب الشكلية والبروتوكولية من دلالات مهمة تؤكد على خصوصية العلاقات المصرية- السعودية وخصوصيتها؛ فقد استقبل الرئيس السيسي ولي العهد السعودي استقبال الملوك والرؤساء، وتخلى الرئيس عن البروتوكول حين ذهب لاستقبال الأمير في المطار، وذهب ثانية لتوديعه. وما بين الاستقبال والتوديع، رافق الرئيس ولي العهد ليومين كاملين في مختلف جولاته الداخلية، فصحبه خلال جولته لافتتاح ترميمات الأزهر الشريف، وصحبه خلال زيارته إلى دار الأوبرا، وفي جولته بالإسماعيلية ومدينة الإسماعيلية الجديدة، وصحبه أثناء تفقد المشروعات القومية العملاقة وأنفاق قناة السويس، وقام الرئيس والأمير بجولة بحرية في المجرى الملاحي للقناة.

ومن ناحية الشكل أيضا، وعلى الجانب السعودي، حرص منظمو جولة ولي العهد على ترتيب الزيارة بنفس ترتيب زيارة الملك سلمان إلى مصر في إبريل 2016؛ فقد امتدت زيارة ولي العهد لثلاثة أيام وكانت زيارة الملك خمسة أيام، وهذا تقليد جديد في العلاقات بين البلدين، فجرى ترتيب زيارة ولي العهد وفق برنامج كثير الشبه ببرنامج زيارة الملك، حيث تضمنت الزيارة توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم بين البلدين بحضور الرئيس السيسي وولي العهد، وجلس الاثنان في مشهد كثير الشبه بجلوس الرئيس والملك في الزيارة السابقة. كما تضمنت الزيارة لقاء لولي العهد بكل من شيخ الأزهر والبابا في الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، على غرار ما جرى مع الملك سلمان في الزيارة السابقة. وتضمنت الزيارة كذلك أحداثا تشير إلى مدى التقارب الروحي والوجداني بين البلدين، فإذا كان الملك قد زار البرلمان وألقى خطابا فيه، وزار جامعة القاهرة، فإن ولي العهد حضر عرضا مسرحيا في دار الأوبرا مع الرئيس واستقبل وفدا إعلاميا مصريا في لقاء خاص.

ومن ثم، لم تترك الزيارة أي شك في أنها من نوع خاص، تجاوزت الرسميات، ولم تكن عادية، وهي زيارة الرجل الذي سوف يتولى أرفع منصب في بلاده لاحقا، فكانت زيارة ملكية بكل ما تعنيه الكلمة. باختصار، فإن الرسالة الأساسية للزيارة من الناحية الشكلية هي تقديم مشهد استقبال رسمي لوافد كبير المقام بدرجة مسئول أول تربطه علاقة خاصة بالقاهرة. وذلك يعني أن الجوانب الشكلية للزيارة حرصت على أن تبث رسائل مهمة للداخل السعودي وللعالم، مضمونها الأساسي أنه من الآن فإن الأمير محمد أكبر من كونه ولي عهد.

الرسائل الجوهرية

بالإضافة إلى الجوانب الشكلية المهمة السابقة، فقد تضمنت الزيارة عددا من الرسائل الجوهرية، نشير فيما يلي إلى أهمها.

1- استمرار التعاون الثنائي: فعلى الرغم من القضايا المزعجة في علاقات الدول العربية بعد الثورات، والتي تؤثر فيها بالسلب أدوات التواصل الاجتماعي، والتي بدا أنها طالت علاقات القاهرة والرياض أحيانا، فإن وقائع الزيارة تشير إلى مساحة توافق استراتيجي كبيرة بين البلدين، فلقد مر في بحر العلاقات أمواج عاتية كثيرة حاول الخصوم والمعارضون استغلالها دون جدوى، ووقف البلدان موقفا واحدا من الأزمة مع قطر في تحالف صامد مضى عليه عام تقريبا دون تغيير رغم الضغوط. ويؤكد ذلك ليس فقط استمرار تطبيق البلدين لمذكرات التفاهم واتفاقيات التعاون التي وُقعت خلال زيارة الملك سلمان، وإنما أيضا توقيع البلدين للمرة الثانية على أربع اتفاقيات ومذكرات تعاون في مجال الاستثمار والبيئة وإنشاء صندوق استثماري مشترك، ومذكرة تفاهم بشأن تفعيل الصندوق السعودي- المصري للاستثمار، واتفاقيات استثمار لتطوير أراض مصرية جنوبي سيناء، لتكون ضمن مشروع "نيوم"، بمساحة تزيد على ألف كيلومتر مربع.

وفي الحقيقة، فقد أخذ كل بلد يجذب انتباه الآخر أكثر إلى طبيعة مختلفة وجديدة لإدارة العلاقات خلافا لمنظومة العلاقات التقليدية السابقة التي لم تخرج عن الإيقاع الاعتيادي للعلاقات العربية- العربية والتي اتسمت بالشخصنة ولم تسع إلى ربط الدول بمصالح مؤسسية مستقرة، فلأول مرة يتم بناء العلاقات بين دولة عربية وأخرى على أسس مصلحية عملية ووفق قواعد العلاقات الدولية، وهذا هو الطريق الأصح لتطبيق "العروبة" وفق مصالح مفيدة للشعوب. هذا المسار في العلاقات العربية هو المسار الأفضل الذي يمكن أن يعمل بمثابة "مصدات" تحول دون الاضطراب المفاجئ وغير المفهوم في العلاقات والذي طالما ضرب العلاقات العربية.  

2- التوافق على الإصلاح والاعتدال: ليست هناك رسالة سعودية اليوم أقوى ولا أوضح من رسالة التوجه إلى الاعتدال والوسطية التي تشكل برنامجا وتوجها ورؤية جديدة لمملكة تعيد تقديم ذاتها إلى العالم، وذلك ما يتضح من برنامج التحول والإصلاح الداخلي على نحو ما تجسده رؤية 2030. وقد جاءت زيارة ولي العهد لمصر لتشير إلى توافق البلدين على مسار استنهاضي إحيائي للدين الوسطي ورسالة الاعتدال في المحيط العربي والعالم. الرسالة الأساسية لمصر منذ سنوات هي السعي إلى تجديد الخطاب الديني، وتأكيد رسالة التسامح والاعتدال في الإسلام، ولم يعد هناك أدنى شك في أن ذلك هو جوهر عقيدة النظام المصري الحالي والرسالة المصرية إلى العالم. ولقد شرعت المملكة منذ تولي الملك سلمان في تبني المسار ذاته، مع الحرص في البداية على عدم الإضرار بعلاقاتها مع دول مثل قطر وتركيا، وبعد أن تبين أنه من المتعذر إقناع البلدين بقيم الاعتدال والعودة عن دعمهما للطبعة الإخوانية، اتجهت المملكة إلى هذا الخط مؤيدة من مصر والإمارات، واجتماع الدول الثلاث على خط الاعتدال والوسطية بما لذلك من تجليات على أدوار المؤسسات الدينية سوف يرسم خطا دينيا جديدا في العالم الإسلامي، ويؤسس لتحالف بين المؤسسات الدينية المعتدلة بجانب التحالف السياسي. 

وضمن هذا السياق، تصب زيارة ولي العهد إلى الأزهر وإلى الكنيسة الأرثوذكسية، حيث تشير الأولى إلى الانحياز إلى صيغة وسطية معتدلة للإسلام متمثلة في مكانة الأزهر وشيخه الإمام الطيب، ومن ثم فإن الفترة المقبلة مهيأة لأن تشهد أعمالا ومنتجات فكرية ودينية مشتركة بين المؤسستين، وسيجري الدفع بنسخة معتدلة من الإسلام في المملكة تتجاوز نسخة التشدد التي شجع عليها تيار الصحوة الذي فرض الانغلاق كواجهة أساسية للإسلام السعودي. وعلى جانب آخر، أكدت زيارة ولي العهد إلى الكنيسة قيمة التسامح مع الأديان الأخرى، وتأكيد ما بين الإسلام والمسيحية من ود وتقارب وعهود أمان تاريخية ودينية، فالسعودية هي قبلة الدين الإسلامي، وعلى أرضها توجد الأماكن المقدسة، وزيارة ولي العهد لقبلة المسيحية الأرثوذكسية في العالم ولقائه البابا تواضروس داخل الكنيسة هو تعبير عن لقاء تاريخي ديني بين حاضنتي القبلتين، وهو أمر من المؤكد سيكون له انعكاسه على الخطاب السعودي الديني والسياسي مستقبلا.

3- التقارب في إدارة الحكم: ربما لم يكن هناك فترة تقاربت فيها مصر والمملكة في السياسات وإدارة الحكم أكثر مما هي عليه الآن؛ فالبلدان يخوضان نفس المعركة والمواجهة مع قوى التطرف والإرهاب، وإلى حد كبير يمتلكان نفس التعريف لهذه القوى (على خلاف السابق)، ويواجهان نفس الخطاب والهجوم الإعلامي والسياسي العربي والدولي من نفس المنابر الداعمة لقوى التطرف، ويواجهان هجوما إعلاميا وسياسيا خارجيا من قبل المنظمات الحقوقية، كمنظمات العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش ومن قبل "الجزيرة" و"بي بي سي"، و"نيويورك تايمز" وغيرها، ويدفعان في مواجهة ذلك بنفس الردود أو بردود متشابهة، وهو أمر يمكن ملاحظته والتعرف إليه عن قرب، على خلاف اعتيادهما على السكوت على مثل تلك الهجمات في العقود السابقة. وهما فضلا عن ذلك يمتلكان رؤيتين للمستقبل تحملان نفس المسمى (2030)، وتمتلكان قدرا من الطموح، وتسعيان إلى تغيير الواقع. ويتجه البلدان بخطوات ملموسة نحو القفز على المراحل والوصول للأهداف بأقصى قدر من السرعة. ويطرح الخطاب السياسي في كليهما نفس الطرح، حين يشير إلى التأخير الشديد في معالجة الأزمات والقضايا الداخلية وضرورة السباق مع الزمن، وأنه لا علاج بغير "الصدمة"، وذلك أمر واضح في خطابات الرئيس السيسي، وهو أمر جلي في كلمات ولقاءات الأمير محمد بن سلمان، للصحافة والإعلام في الداخل والخارج. 

وعلى الجانب المصري، قامت الدولة بمشروعات قومية لم تكن في مجال الحسبان والتفكير، تشير إلى الجرأة وتبني قرارات قومية بدرجة كبيرة من الجسارة، من ذلك الشروع في المجرى الثاني لقناة السويس، والعاصمة الإدارية الجديدة، والمواجهة مع الإرهاب في سيناء والخطط الاقتصادية، والمشروعات القومية، وإعادة تسليح القوات المسلحة. وعلى الجانب السعودي، ثمة نفس الخطوات تقريبا؛ سواء فيما يتعلق بتصور الدولة لمستقبل شركة أرامكو، أو بمشروعات القدية والبحر الأحمر ونيوم، وتوقيت ذلك بمراحل زمنية تعكس الاتجاه إلى ذلك بسرعات قياسية. وليس هناك بلدين عربيين أقرب إلى مسيرتيهما وطرحهما ورؤاهما الاستراتيجية في الوقت الراهن من مصر والسعودية، رغم الاختلافات والتباينات في التفاصيل. وباختصار، فقد أقدم كل من الرئيس السيسي والأمير محمد بن سلمان على خطوات لم يكن بالإمكان الإقدام عليها في العهود السابقة بنفس الوتيرة في أي من البلدين، وهو ما يشير إلى توافر قناعة داخلية بأن هناك أشياء جديدة تقنع القيادتين بأن ما يقومان به يلقى تأييدا من القاعدة الاجتماعية الأكبر. 

4- التعاضد بشأن الأزمات الإقليمية: أوضحت ملفات الأزمات الإقليمية والسياسة الخارجية عامة، حجم التوافق بين البلدين، وهو الذي وصل أقصى مراحل التقارب، ويعكس ذلك بقدر كبير البيان المشترك الذي صدر في ختام الزيارة، والذي برز منه لغة خطاب وتوافق سياسي جديدة، حيث يؤيد كل بلد الآخر في قضاياه ذات الأهمية الخاصة، ويعلنان توافقهما في المشترك من الرؤى والسياسات. في هذا السياق، أكد البيان على عزم البلدين التصدي لخطر التطرف والإرهاب، واستئصاله من جذوره، وهزيمة جميع التنظيمات الإرهابية، بلا استثناء، وبشكل شامل ونهائي، ومواجهة كل من يدعم الإرهاب بالدعم أو التمويل أو توفير الملاذات الآمنة أو المنابر الإعلامية. وعلى جانب المشترك أكد الجانبان ضرورة الحفاظ على الأمن القومي العربي وإصلاح جامعة الدول العربية، وأعلنا توافقهما فيما يتعلق بمواجهة الدعم القطري للإرهاب والتدخلات القطرية السافرة في شئون الدول العربية. وأكد دعمهما الكامل لحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، وعلى رأسها حقه فى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية على حدود عام 1967، وأكدا على دعم المسار السياسي لإنهاء الأزمة السورية بما يحافظ على وحدة الأراضي السورية، وأكدا على أهمية المحافظة على وحدة اليمن.

وفيما يتعلق بالإسناد المتبادل، أعلن الجانبان رفضهما القاطع للتدخلات الإيرانية في الشئون الداخلية للدول العربية. وتضمن البيان تأييد المملكة ودعمها الكامل للجهود التي تبذلها الحكومة المصرية لاستئصال الإرهاب في إطار عملية "سيناء 2018"، وأكد الجانب السعودي تقديره الكامل لحقوق واستخدامات مصر من مياه النيل باعتباره شريان الحياة للشعب المصري، بينما أعرب الجانب المصري عن تضامنه الكامل مع المملكة فى مواجهة أي خطر يهدد أمنها، مدينا إطلاق جماعة الحوثى الصواريخ الباليستية على المملكة العربية السعودية.

5- بوادر لتحالف عربي مركزي: لعل من قبيل الطموح أن تتركز العقيدة السياسية للبلدين على اعتبار كل منهما للآخر رصيدا استراتيجيا وسندا احتياطيا له. وعلى الرغم من أن تلك مقولات يمكن سماعها تتردد كثيرا في العلاقات المصرية- السعودية، إلا أن تطبيقها على أرض الواقع يعني الكثير، وربما إقدام المملكة على إشراك مصر في مشروع نيوم الذي سيشمل 1000 كم من الأراضي المصرية في جنوب سيناء، والإعلان عن إنشاء صندوق استثماري ومشروعات تعاون في البجر الأحمر وتوافق سياسي بخصوص الأزمات العربية، كل ذلك يعكس طرحا مماثلا لما يمكن أن يكون نواة لعمل اقتصادي وسياسي وأمني عربي مشترك عملي وواقعي، وبالتوافق مع كل من الإمارات والأردن والبحرين. أهمية هذا التوجه أنه يمثل تحولًا نوعيًا نحو "تحالف عربي" جديد، بقناعات سياسية جديدة تختلف عن القناعات التقليدية في الأطر الرسمية العربية التي درجت في الواقع العربي، وانعكست سلبا على أداء الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي. وذلك ما يمكن أن نلمس آثاره في مخرجات القمة العربية التي ستنعقد الشهر المقبل في الرياض، والتي يرجح أن تتأثر بمواقف وقناعات هذا "التحالف" العربي الجديد.

طباعة
د. معتز سلامة

رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية ومدير برنامج الخليج العربي - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية