متابعات تحليلية

سياسات مكافحة الإرهاب في الصومال

طباعة

تتخذ سياسات مكافحة الإرهاب في الصومال أبعادًا خاصة، تعود إلى طبيعة التطورات التي تشهدها الدولة الصومالية منذ أكثر من عقدين من الزمان، وما يرتبط بها من تزايد تدخلات القوى الخارجية في الشأن الصومالي، وكذلك ما نتج عنها من بروز حركة شباب المجاهدين التي تمثل الجماعة الإرهابية الرئيسية في الصومال، وتحمل تهديدات إلى دول إقليم شرق أفريقيا بأكمله، وتسعى لاستغلال كافة عوامل الضعف التي تعاني منه الدولة الصومالية في فرض سيطرتها على أكبر مساحة ممكنة من الأرض، خاصة بعد انضمامها إلى تنظيم القاعدة في فبراير عام 2012.

ظهرت حركة شباب المجاهدين وانتشر اسمها عقب التدخل العسكري الإثيوبي في الصومال والمدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية في ديسمبر 2006، حيث جاء هذا التدخل لحماية الحكومة الصومالية الانتقالية برئاسة عبد الله يوسف والقضاء على المحاكم الإسلامية التي تمكنت من فرض سلطتها على العاصمة مقديشيو وعدد من المدن الصومالية خلال النصف الثاني من عام 2006، بعد انتصارها على تحالف أمراء الحرب "التحالف من أجل إعادة السلم ومكافحة الإرهاب". وقامت حركة الشباب بدور كبير في مقاومة الوجود الإثيوبي في الصومال، وحققت نجاحات أسهمت في التعجيل بانسحاب القوات الإثيوبية، ولكنها انشقت عن اتحاد المحاكم الإسلامية بعد انضمامه إلى تحالف إعادة تحرير الصومال وتوصله إلى اتفاق مع الحكومة الإثيوبية وتحت رعاية الأمم المتحدة وانتخاب رئيسه الشيخ شريف أحمد كرئيس للحكومة الصومالية الانتقالية في يناير 2009.

وحتى نهاية عام 2010 تمكنت حركة الشباب من السيطرة على العديد من المناطق ووصلت إلى العاصمة مقديشيو، وأصبح المشهد الأمني والسياسي في الصومال، وفي ظل التصعيد العسكري من قبل الحركة، يميل إلى ترجيح نجاحها في إسقاط الحكومة الانتقالية. غير أن النصف الثاني من عام 2011 شهد تراجعًا ملحوظًا في قوة حركة الشباب؛ فقد تمكنت قوات الاتحاد الأفريقي، الداعمة للقوات الحكومية، من إجبارها على الانسحاب من العاصمة. واستمرت حالة التراجع للحركة في ظل تزايد خسائرها من الأراضي والموارد المالية وكذلك المقاتلين والدعم الشعبي، بالإضافة إلى تصاعد النزاعات الداخلية بين كبار القادة والفصائل المختلفة للحركة.

إلا أن حالة الضعف التي أصابت حركة الشباب لم تؤد إلى تخليها عن طموحها للسيطرة على الصومال، فتطور العمليات الإرهابية للحركة خلال العامين الأخيرين، واختيارها للأهداف "اللينة" كالمطاعم والفنادق وكذلك اغتيال المسئولين الحكوميين، مع تزايد أعداد الضحايا، وتمكنها من استرداد أراضي وموانئ من القوات الوطنية المدعومة من القوات الأفريقية، يؤكد على قدرة الحركة على استعادة مكانتها، مما يثير مزيدا من الجدل حول طبيعة سياسات مكافحة الإرهاب التي يتبناها عدد من الفاعلين الإقليمين والدوليين داخل الصومال، ومدى فاعلية هذه السياسات في ظل تصاعد عمليات حركة الشباب.

وتشير العملية الإرهابية التي تعرضت لها العاصمة مقديشيو في أكتوبر 2017، والتي راح ضحيتها ما يقرب من 300 شخص فيما يمثل أعنف هجوم دموي في الحرب الدائرة ضد الإرهابيين منذ أكثر من عقد، إلى أن هزيمة الإرهاب في الصومال لا تزال بعيدة المنال على الرغم من عمليات المكافحة المستمرة.

ويهدف هذا التقرير إلى تقييم سياسيات مكافحة الإرهاب في الصومال، من حيث طبيعة هذه السياسات، والتحديات التي تواجه الفاعلين عند تطبيق هذه السياسات داخل البيئة الصومالية، وكذلك إمكانات تطوير هذه السياسات.

أولا: سياسات مكافحة الإرهاب

مع تحول حركة شباب المجاهدين من حركة معارضة للحكومة الصومالية إلى جماعة إرهابية باستهدافها للمدنيين منذ سبتمبر 2009، وإعلانها الانتماء إلى تنظيم  القاعدة، وتهديدها للاستقرار في إقليم شرق أفريقيا بأكمله، بعد قيامها بعمليات إرهابية في أوغندا وكينيا، اتجهت العديد من القوى الخارجية الفاعلة في الصومال نحو اعتماد استراتيجيات للقضاء على حركة الشباب، حيث تركزت هذه الاستراتيجيات على المكافحة العسكرية والأمنية للحركة داخل الصومال دون الاهتمام بالأبعاد غير الأمنية للحد من تأثيرات حركة الشباب في مجتمعات شرق أفريقيا. وكان في مقدمة هذه القوى الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأفريقي.

1- الولايات المتحدة الأمريكية

منحت الولايات المتحدة إقليم شرق أفريقيا أهمية خاصة في استراتيجياتها لمكافحة الإرهاب الدولي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، خاصة بعد تعرض سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا لهجوم إرهابي في عام 1998. وتزايدت التحليلات الغربية التي تؤكد على أن مناطق الصراع والفراغات الأمنية التي تتميز بها الكثير من دول القارة الأفريقية تمنح ملاذات آمنة للعناصر الإرهابية. كما أنشأت الولايات المتحدة مبادرة "للشراكة في مكافحة الإرهاب في شرق أفريقيا" في عام 2009 تضم غالبية دول الإقليم.

وتقوم استراتيجية مشاركة الولايات المتحدة في مواجهة الإرهاب في الصومال على تقليل التواجد الأمريكي العسكري هناك؛ فلا يزال صناع القرار الأمريكيون متأثرين بحادث "بلاك هوك داون" عام 1993، وذلك بهدف التقليل من المخاطر والتكاليف المالية. 

وتقوم الاستراتيجية الأمريكية في الصومال في هذا السياق على نشر عدد صغير من قوات العمليات الخاصة بهدف تنفيذ الضربات الموجهة، وتوفير المعلومات الاستخباراتية، وبناء قدرات قوات الشركاء المحليين لتنفيذ العمليات البرية من خلال دعم الجيش الصومالي الوطني وبعثة الاتحاد الأفريقي وقوات العشائر التي تشارك في عمليات مكافحة الإرهاب.

وبدأت الغارات الأمريكية في الصومال في عام 2011، حيث اتسمت بالمحدودية والسرية. وقدم عدد من جنود العمليات الخاصة الاستشارة للقوات الصومالية خلال عام 2013؛ وظل عمل القوات الأمريكية مقصورا على مقديشو وقاعدة بيلدوغول الجوية جنوب الصومال. وقد بلغ عدد ضباط العمليات الخاصة 100 ضابطا تقريبا، وظلت مهمتهم استخباراتية بالأساس بجانب غارات مكافحة الإرهاب.

 واعتمدت إدارتا بوش وأوباما على عمليات محدودة مباشرة ضد الأفراد الرئيسين الذين يهددون المصالح الأمريكية من خلال استخدام ضربات الطائرات بدون طيار، والتي ظلت الأداة المركزية في الاستراتيجية الأمريكية، وجرى تنفيذها مع توقع أن تتفكك الجماعة المسلحة إذا ما تم القضاء على قيادتها، غير أن ذلك لم يحدث.

وقد نجحت الولايات المتحدة في تصفية واعتقال عدد من قيادات جماعة الشباب؛ فنجحت القوات الأمريكية في القبض على الإرهابي (علي سليمان عبدالله) من داخل إحدى المستشفيات في عام 2003، وقتل (آدم حاشي فارح عيرو) في عام 2008 وهو زعيم وعضو مؤسس لحركة الشباب، وقتل (صالح علي صالح نبهان) المتهم بالمشاركة في الهجوم على فندق براديس الإسرائيلي في مومباسا ومحاولة إسقاط طائرة إسرائيلية في عام 2002، وذلك أثناء تنفيذ غارة تابعة لسلاح البحرية الأمريكية في سبتمبر 2009. كما حاولت البحرية الأمريكية القبض على (عبد القادر محمد عبد القادر) خلال هجوم برمائي على مدينة باراوي الساحلية في أكتوبر 2013 ولكن أُحبطت العملية. ونجحت غارة أخرى في اغتيال (أحمد عبدي جوداني)، زعيم الحركة في سبتمبر 2014.

كما أعلنت إدارة أوباما في أواخر عام 2016 أنها أعادت تفسير التفويض الممنوح لها في عام 2001 لاستخدام قواتها العسكرية ضد تنظيم القاعدة ليضم حركة الشباب، لكن هذه الجهود لم تردع حركة الشباب أو تمنعها من توسيع أهدافها وتحسين وسائل متابعتها، فقد حاولت الحركة في فبراير 2016 إسقاط طائرة في مطار مقديشيو الدولي عبر جهاز كمبيوتر. وزادت الولايات المتحدة من عملياتها ضد الحركة ردا على ذلك، حيث اتجهت إلى استهداف عناصر الحركة في المستويات الوسطى والدنيا؛ فقامت القوات الأمريكية بغارة على معسكر تدريب تابع لحركة الشباب على بعد 120 ميل شمال مقديشيو في مارس 2016، أسفرت عن مقتل ما يقرب من 150 مقاتلا.

كما عملت القوات الأمريكية مع الشركاء المحليين، فقامت بتدريب وتوفير النقل الجوي لقوات "جاشان" أو البرق وهي قوات صومالية وفرت لها الدعم خلال عملياتها المباشرة في عام 2016. وقد أسند إلى هذه القوات مؤخرا حماية الرئيس الصومالي محمد فرماجو.      

وتوسعت الحملة العسكرية الأمريكية في الصومال في عهد الرئيس ترامب؛ فمع بداية عام 2017 خفف البيت الأبيض من القواعد التي تحكم العمليات العسكرية الأمريكية هناك، معلنا أجزاء من الصومال "نقطة أعمال عدائية نشطة". وتم تعيين جنرال أمريكي لتنسيق العمليات العسكرية من خلال مجمع حصين داخل مطار مقديشيو. وتضاعف عدد القوات الأمريكية في عام 2017 إلى 500 جندي، في الوقت الذي نشرت فيه وزارة الدفاع الأمريكية أعدادا إضافية من قوات العمليات الخاصة لتقديم النصح والاستشارة للقوات المحلية، سواء في مناطق وجود حركة الشباب الصومالية أو الجماعات المتشددة الأخرى في شمال البلاد، في "بونت لاند"، حيث أعلن فصيل منشق عن حركة الشباب في عام 2015 ولاءه لتنظيم داعش. ونقلا عن القيادة المركزية الأفريقية فإن الولايات المتحدة شنت خلال عام 2007 (28)عملية في الصومال، مقارنة بـ 13 غارة جوية وبرية في عام 2006، وخمس غارات في عام 2015.  

2- الاتحاد الأفريقي

بعد ضغوط إثيوبية اتخذ مجلس السلم والأمن الأفريقي في فبراير 2007 قرارًا بإرسال قوة أفريقية قوامها ثمانية آلاف جندي إلى الصومال. واستثنى القرار دول الجوار من المشاركة في هذه القوة. ثم صادق مجلس الأمن الدولي على قرار الاتحاد الأفريقي، حيث أصدر قراره رقم 1744، والذي خول الاتحاد الأفريقي صلاحية إرسال قوات أفريقية إلى الصومال، في مهمة حددها بستة أشهر. كذلك سمح القرار للقوات الأفريقية باستخدام كافة الوسائل بما في ذلك القوة العسكرية، بالإضافة إلى اعتماد ميزانية قدرها 335 مليون دولار لتمويل القوات الأفريقية في سنة واحدة. وقد وصلت طلائع القوة الأفريقية إلى مطار مقديشو في السادس من مارس 2007. وتحددت أهداف البعثة الأفريقية في حماية مؤسسات الحكومة الانتقالية وتدريب قوات الأمن الصومالية، وخلق بيئة آمنة لتوصيل المساعدات الإنسانية. لكن ظل الهدف الرئيسي -غير المعلن- الذي عملت بعثة الاتحاد الأفريقي على تحقيقه هو منع وصول المحاكم الإسلامية إلى العاصمة مقديشيو، حيث يتماشي هذا الهدف مع المصالح الإثيوبية، خاصة في ظل الرفض الشعبي لتواجد القوات الأفريقية على الأراضي الصومالية. كما تطورت مهام هذه البعثة في وقت لاحق إلى مكافحة الإرهاب، فأصبحت القوة الرئيسية الداعمة للقوات الوطنية الصومالية في احتواء حركة الشباب وهزيمتها.

وتطورت بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال AMISOM، حيث كانت تضم حتى عام 2012 ما يقرب من 5000 جندي من دولتي أوغندا وبورندي، واليوم تضم 22 ألف جندي من خمس دول أفريقية، هي: أوغندا (6000 جندي)، وبورندي (5400 جندي)، وإثيوبيا (4300 جندي)، وكينيا (3600 جندي)، وجيبوتي (1000 جندي). كما تتلقى بعثة الاتحاد الدعم اللوجيستي والاستخباراتي الأمريكي الكبير.

ثانيا: تحديات مكافحة الإرهاب في الصومال

على الرغم من الجهود التي بذلتها القوات الأفريقية الداعمة للجيش الوطني الصومالي، وكذلك عمليات القوات الأمريكية للقضاء على حركة الشباب والتي أدت إلى فقد الحركة للكثير من قدراتها وسيطرتها على الأراضي، إلا أن سياسات مكافحة حركة الشباب في الصومال تواجه بالعديد من التحديات، نشير فيما يلي إلى أهمها.

1- الرفض الشعبي للقوات الأجنبية

فمع اتجاه دول القارة الأفريقية منذ بداية الألفية الثالثة للتأكيد على مبدأ "حلول أفريقية للمشكلات الأفريقية"، ساد اعتقاد بين السياسيين والباحثين أن التدخلات العسكرية بقوات أفريقية في دول القارة لن يواجه برفض شعبي  مثلما كان يحدث في حالات تدخل قوات الأمم المتحدة أو أي قوات لدول غربية حيث كان ينظر السكان المحليون إلى هذه القوات باعتبارها قوات محتلة. إلا أن تجارب التدخل العسكري لقوات مجلس السلم والأمن في أفريقيا قد شهدت ما يناقض هذه التوقعات، فباتت التدخلات العسكرية الأفريقية تعاني هي الأخرى من الرفض الشعبي، وربما الرسمي، فلا تزال العديد من الحكومات الصومالية تعتبر هذه التدخلات اختراقا لسيادتها حتى وإن كان هدفها استعادة الاستقرار في دولها.

وفي الحالة الصومالية، جاء تدخل القوات الأفريقية في البلاد بناء على الضغوط الإثيوبية بعد محاصرة الميليشيات المسلحة، وفي مقدمتها حركة الشباب، للقوات الإثيوبية في الصومال. وواجهت هذه القوات رفضا داخليا كبيرا، خاصة القوات الكينية والإثيوبية التي تدخلت في الصومال في نهاية عام 2011، وانضمت لقوات الاتحاد الأفريقي في عام 2014، حيث ينظر الشعب الصومالي إلى هذه القوات على أنها "قوات احتلال".

وتتسبب عمليات القوات الأجنبية في الصومال، سواء الأمريكية أو الأفريقية، في قتل وجرح المدنيين وتدمير ممتلكاتهم، مما يزيد من مشاعر العداء تجاه هذه القوات. فمن المفارقات أن العملية الإرهابية التي استهدفت أحد الفنادق في وسط العاصمة مقديشيو في أكتوبر 2017 وأدت إلى قتل أكثر من 300 شخصا، كان منفذها ينتمي إلى إحدى القرى التي تعرضت لقصف أمريكي أودى بحياة عشرة من أفراد قريته.

2- ضعف قدرات القوات الأفريقية

تواجه بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال مشكلات مالية ولوجستية، ويعد الاتحاد الأوروبي الداعم الأكبر للبعثة؛ فقد قدم 1.1 مليار يورو لبعثة أميصوم خلال الفترة من (2007- 2015)، كما خفض الاتحاد الأوروبي 20% من دعمه المالي لأميصوم في يناير 2006.

وتؤثر الاضطرابات والضغوط الخارجية على الدول المساهمة بقوات في البعثة، حيث بدأت بعض الدول في سحب قواتها من أميصوم، فسحبت سيراليون قواتها في يناير 2015 للتصدي لوباء أيبولا، وهددت أوغندا وبورندي بالانسحاب من البعثة، كما خفضت إثيوبيا انتشارها في الصومال استجابة للاحتجاجات التي شهدتها منذ نوفمبر 2015، وسحبت إثيوبيا ثلاث آلاف جندي لا يعملون ضمن البعثة الأفريقية في جنوب ووسط الصومال في أواخر عام 2016 وليس من المرجح عودة هذه القوات للصومال مرة أخرى بعد اشتباكها مع بعض الميليشيات المحلية بالقرب من غوندر. كذلك فإن التزام بورندي في بعثة الاتحاد الأفريقي غير مستقر، خاصة بعد المشكلات السياسية التي تشهدها هذه الدولة؛ فقد دعى الرئيس البورندي بيير نكورونزيزا في يناير 2017 إلى انسحاب القوات البورندية في أميصوم بسبب رفض الاتحاد الأوروبي تقديم مدفوعاته لقوات بورندي في البعثة عبر حكومة دولته. وقد توصل الاتحاد الأفريقي إلى اتفاق مع بورندي لمنع سحب قواتها من البعثة الأفريقية. كما هددت أوغندا بسحب قواتها قبل أن تبدأ بعثة الاتحاد الأفريقي في الانسحاب في عام 2018. كما يثير الانتشار العسكري الكيني في الصومال جدلا داخليا كبيرا؛ فالكثيرون يلقون باللوم على المسئولين بسبب الهجمات الوحشية التي تعرضت لها كينيا من حركة الشباب.

ولم تستوف هذه الدول طلبا من بعثة الاتحاد الأفريقي في يناير 2017 بزيادة عدد القوات على نحو يقدر بتسعة آلاف جندي، فبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال تمثل تحالفا عسكريا هشا بين دول ضعيفة وفقيرة ومضطربة وقوات محلية في طور التكوين، ولم تتمكن  من هزيمة حركة الشباب أو منعها من استعادة أراضيها المفقودة[1].

3- تأثير الانتماء العشائرية

تلعب العشائرية دورا رئيسيا في تحديد هوية المجتمع الصومالي، ويلعب توازن القوى بين هذه العشائر دورا مهما في هذا الإطار، فالعشائر والعشائر الفرعية متداخلة جغرافيا أكثر من توزعها الواضح على أراضي الدولة، وتمارس بعض العشائر الفرعية سلطة كبيرة في مناطق بعينها. هذا النظام العشائري يضع القواعد التي يتعين على السياسيين وأمراء الحرب، وحتى الإرهابيين، الالتزام بها. وقد عملت حركة الشباب على تحقيق التوازن بين الأولويات المحلية والقيم الجهادية، ولم تتجاهل العامل العشائري.

وقد اُتهمت المحاكم الإسلامية بانتمائها وتحيزها إلى عشيرة "الهوية"، ولكن حركة الشباب حاولت تفادي التحيزات العشائرية، فالقيادة المتعددة العشائر لحركة الشباب ساعدت على اكتساب الحركة لمتعاطفين ومقاتلين من العشائر المختلفة، إلا أن الخلافات بين القادة الرئيسيين داخل الحركة، ومنهم أحمد جوداني وهو من الشمال (عشيرة إسحاق/ أرب)، والقائد مختار روبو (مرفلي/ ليسان) أدى إلى تصاعد الديناميات العشائرية بصورة واضحة داخل الحركة[2].

ورغم ذلك لا تزال حركة الشباب قادرة على الاستفادة من الصراع بين العشائر في بعض المناطق في الصومال مثل إقليم شبيلي السفلي. في الوقت الذي تتجاهل الحكومة الاتحادية والقوات الأفريقية والأمريكية أهمية العامل العشائري في الحد من سيطرة حركة الشباب على مزيد من الأراضي الصومالية، ترى بعض العشائر أن التعاون مع حركة الشباب أفضل من الحكومة الاتحادية الفاسدة والقوات الأجنبية "المحتلة".

4- التوترات السياسية

يتجه معظم رؤساء الإدارات المحلية في الصومال إلى إعلان معارضتهم بشكل رسمي لسياسات الرئيس محمد عبد الله فرماجو، سواء على الصعيدين الداخلي والخارجي، حيث أسهم تصعيد التوتر بين مقديشيو والولايات الاتحادية في التأثير على الأمن. ويتركز الخلاف بين الجانبين حول مستقبل النظام السياسي في البلاد وآليات العمل بين الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية، خاصة فيما يتعلق بالدستور والانتخابات المقبلة (في عام 2021) والاتفاقيات الخارجية[3].

 كما أدت الأزمة القطرية إلى تفاقم الخلافات بين الجانبين، فالمملكة العربية السعودية والإمارات يقيمون علاقات مباشرة مع الولايات الاتحادية ويقوضون علاقاتها مع الحكومة الاتحادية بالصومال. وقد أعلنت الولايات الاتحادية قطع علاقاتها مع قطر، في حين استمرت الحكومة الاتحادية في تبني موقف محايد إزاء الأزمة. وانعكست الخلافات بين الجانبين على حالة الأمن  في الصومال، فمن ناحية امتنعت السعودية والإمارات عن تقديم الدعم المباشر لميزانية الحكومة الصومالية، مما أثر على قدرة الحكومة الاتحادية على دفع رواتب الجنود والشرطة وموظفي الاستخبارات. ومن ناحية أخرى، فإن تصاعد التوترات السياسية داخل الصومال يحول الانتباه بعيدا عن المشكلات الأمنية التي تعاني منها الدولة[4].

5- عدم تماسك قوات الأمن الوطنية

وفقا لخطة انسحاب القوات الأفريقية من الصومال والتي ستبدأ خلال عام 2018 وستنتهي في عام 2020، فإن الجيش الوطني الصومالي سوف يتولى المهام الأمنية مثل أي جيش وطني، ومن بينها القضاء على تهديدات حركة الشباب، إلا أن الجيش الصومالي، وغيره من فروع الأجهزة الأمنية الأخرى، شهد توترات داخلية أدت إلى اندلاع مناوشات في سبتمبر 2017، عندما قامت وحدة  من  الجيش وعناصر من وحدة " تدعيم الاستقرار" المنشأة حديثا بإطلاق نار، مما أدى إلى مقتل ستة جنود. وكثيرا ما تنطوي هذه الاشتباكات على المنافسة على السيطرة على نقاط التفتيش وغيرها من مصادر الإيرادات، الأمر الذي يقوض الروح المعنوية والتماسك داخل قوات الأمن، ويضعف من فعالية الجيش ويزيد من احتمالات تواطؤ بعض القوات أو الفصائل مع حركة الشباب.

 وقد تكون هذه الاشتباكات ردا على الاستقالات بين قوات الجيش والدفاع، فضلا عن انسحاب الجيش من أجزاء من وادي شبيلي.

ثالثا: توصيات مقترحة

علي مدى أكثر من عقدين تحولت الصومال إلى مركز للعديد من الأزمات المختلفة، واستغلت العديد من القوى الإقليمية والدولية هذه الحالة في تحقيق مصالحها. ومع مرور السنوات تجاهل الفاعلون الداخليون والخارجيون أسباب نشوب الصراع في الصومال، وكيف أدت عمليات التهميش والمظالم التاريخية لعشائر بعينها إلى إسقاط نظام سياد بري، وما تبعه من انهيار للدولة بأكملها، وما أتاحه من بيئة خصبة وملاذ آمن للجماعات الإرهابية.

لذلك لابد أن تتعامل سياسات مكافحة الإرهاب مع الواقع الصومالي بصورة أكثر اهتماما من خلال التأكيد على مجموعة من الأبعاد، أهمها عدم تركيز سياسات مكافحة الإرهاب على الأداة العسكرية والأمنية دون غيرها من الأدوات لمكافحة تنامي حركة الشباب، بل لابد من تطوير المؤسسات التعليمية والاقتصادية في الصومال، وكذلك الاهتمام بنشر الفكر الصحيح عن الإسلام بعيدا عن كتب المتشددين ودعاتهم.

وتحتاج الصومال إلى التوصل إلى تسوية سياسية تشمل الحكومة الاتحادية والحكومات الإقليمية، على أن تعالج هذه التسوية تحديد أسلوب الحكم، وتحديد دور قوات الأمن في البلاد، ووضع خارطة طريق لتفكيك وإعادة دمج الميليشيات المسلحة العديدة حاليا في البلاد.

كذلك من الضروري أن يفهم القائمون على سياسات مكافحة الإرهاب في الصومال الطبيعة العشائرية للمجتمع الصومالي، ويعملون على تسوية الخلافات بين العشائر، فهزيمة حركة الشباب تعتمد على عزلها عن المحركات العشائرية داخل المجتمع الصومالي، فقد نجحت الحركة في استغلال الانقسامات الداخلية، كما استطاعت التعامل مع المظالم المحلية.

كذلك، يمكن أن تعتمد سياسات مكافحة الإرهاب على فاعلين يثق فيهم الشعب الصومالي، والذي ينظر للقوات الكينية والإثيوبية المشاركة في القوات الأفريقية بريبة، الأمر الذي يجعل من الصعب إدارة تسوية ناجحة بين مكونات الشعب الصومالي في ظل وجود هؤلاء الفواعل "غير المرغوب فيهم".

ومن الضروري أن تعتمد سياسات مكافحة الإرهاب في الصومال في جزء منها على إصلاح الحكومة الاتحادية، والقضاء على الفساد المستشري بين أجهزتها، حيث تعد الصومال الدولة الأكثر فسادًا في العالم وفقا لمؤشرات منظمة الشفافية الدولية. ففي ديسمبر 2017 قررت الولايات المتحدة تعليق مساعدات غذائية وشحنات وقود لمعظم وحدات القوات المسلحة الصومالية بسبب مخاوف تتعلق بالفساد، حيث تؤدي عمليات الفساد إلى نتائج سلبية خطيرة، خاصة فيما يتعلق بالجنود والضباط العاملين ضمن قوات الأمن والذين لا يحصل الكثير منهم على رواتبهم مما يدفعهم للانسحاب من الجيش أو الشرطة وبعضهم ينضم إلى الميليشيات المسلحة.

أيضا يجب أن تعمل سياسات مكافحة الإرهاب على إخراج الصومال من المعادلات والتنافس الإقليمي والدولي نظرا للظروف الاقتصادية والإنسانية السيئة التي يعاني منها الشعب الصومالي.

وهناك أخيرا أهمية كبيرة لتطوير قوانين مكافحة الإرهاب في العالم، بحيث لا تؤثر هذه القوانين على عمل المنظمات الإنسانية وخاصة في المناطق المعرضة للجفاف والمجاعة في الصومال، حيث تواجه الصومال في الشهور الأخيرة موجة جديدة من موجات الجفاف، في الوقت الذي أصبحت العديد من المنظمات الإنسانية تعزف عن تقديم خدماتها الإغاثية في المناطق التي تسيطر عليها حركة الشباب حتى لا تتهم بتمويل هذه الجماعة الإرهابية وتتعرض للملاحقة القضائية.


[1] Katherine Zimmerman, Jacqulyn Meyer Kantack, Colin Lahiff and Jordan Indermuehle, “US Counterterrorism Objectives in Somalia: Is Mission Failure Likely?”, 1 March , 2017. Available at:  https://www.criticalthreats.org/analysis/us-counterterrorism-objectives-in-somalia-is-mission-failure-likely

[2] Ahren Schaefer, Andrew Black, “Clan and Conflict in Somalia: Al-Shabaab and the Myth of “Transcending Clan Politics”, Terrorism Monitor, Vol. 9, Issue 40, November 4, 2011.

[3] مركز مقدشيو للبحوث والدراسات، "الصومال: الأزمة بين الحكومة الاتحادية والولايات الإقليمية.. المسارات والخيارات"، تقدير موقف، أكتوبر 2017.

[4] "International Crisis Group, “Managing the disruptive aftermath of Somalia's Worst Terror attack”,  20 October 2017. Available at: https://www.crisisgroup.org/africa/horn-africa/somalia/b131-managing-disruptive-aftermath-somalias-worst-terror-attack

طباعة
د. أميرة عبد الحليم

خبيرة الشئون الأفريقية بالبرنامج الأفريقى - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية