متابعات تحليلية

الاستراتيجية الوطنية الجزائرية لمكافحة الإرهاب... محاولة للفهم والتقييم

طباعة

تعد الجزائر واحدة من أقل الدول تعرضًا للهجمات الإرهابية خلال السنوات الأخيرة، وذلك على الرغم من تطور الظاهرة الإرهابية وتمدد موجاتها في المحيط الجيوستراتيجي للجزائر، سواء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أو في دول الساحل أو حتى في القارة الأوروبية، وهو أمر ربما لم يكن متوقعًا عندما اندلعت الموجات الأخيرة للإرهاب، لاسيما أن الجزائر قد شهدت خلال تسعينيات القرن الماضي واحدة من أشرس وأطول الموجات الإرهابية التي شهدتها المنطقة، وهي التجربة التي انتهت بتمكّن الدولة الجزائرية من الدحر الحاسم للإرهاب.

وعلى أي حال، فإننا لا نستطع القول بأن نجاح الجزائر في تجنب التهديدات المتصاعدة للموجة الإرهابية الأخيرة؛ هو نتاج طبيعي ممتد لنجاحها في حسم معركة التسعينيات التي استغرقت نحو عشر سنوات كاملة، لاسيما أن ماهية الإرهاب المتفشي مؤخرًا تختلف عن ماهية ذلك الذي واجهته الجزائر خلال الفترة التي أطلق عليها الجزائريون "العشرية السوداء". بل هو نجاح ناتج عن الالتزام بتطبيق استراتيجية وطنية جديدة تقوم على المزاوجة بين "الاحتواء الحاسم للظاهرة" وبين "القضاء على التهديدات المحتملة من المنبع"، وذلك عبر حزمة من السياسات والأدوات المتكاملة التي تهدف إلى تفكيك هذه التهديدات على نحو أكثر تعقيدًا من التعامل الأمني والعسكري المباشر.

وتسعى هذه الورقة إلى تقديم نظرة بانورامية على هذه الاستراتيجية، وتقديم قراءة لأبرز نقاط القوة والضعف التي تحويها، وذلك دون الغوص في كثير من التفاصيل التي لا تسمح بها المساحة المتاحة.

أولا: ملامح وأبعاد الاستراتيجية الوطنية الجزائرية لمكافحة الإرهاب

حرصت دوائر صنع القرار في الجزائر عند وضعها للاستراتيجية الوطنية الخاصة بمكافحة الإرهاب على مراعاة أن تكون هذه الاستراتيجية متسقة مع التطورات التي طرأت على الظاهرة الإرهابية، ومرنة بالقدر الذي يسمح بتطويرها إذا لزم الأمر، كما حرصوا على التمسك بنقاط القوة التي ميزت الاستراتيجية الجزائرية خلال العشرية السوداء، ومنها مبدأ تكامل أدوات دحر الإرهاب الذي التزمت بها هذه الاستراتيجية، حيث حرصت الاستراتيجية الجديدة على استخدام كافة الأدوات المتاحة، بداية من الأدوات الأمنية والعسكرية - والتي شهدت تطورًا ملحوظًا- ومرورًا بالأدوات التشريعية والسياسية، ووصولا إلى الأدوات الاجتماعية والاقتصادية والإعلامية، وذلك على النحو التالي.   

1- السياسات والأدوات الأمنية

سعت الجزائر عبر حزمة من السياسات الأمنية التي تضمنتها الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الإرهاب إلى تحقيق هدفين رئيسيين، أولهما هو تعزيز القدرات الأمنية اللازمة في مواجهة الإرهاب؛ بما تتضمنه من أنظمة إنذار مبكر، أما ثانيهما فهو تجفيف منابع دعم وتمويل الإرهاب، وهو ما سعت الدولة لتنفيذه عبر عدد من الإجراءات، حيث سعت الدولة نحو تعزيز قدراتها الأمنية في مجال مكافحة الإرهاب؛ من خلال الأدوات التالية:

- رفع ميزانية الأمن والدفاع لتتجاوز حاجز الـ 20 مليار دولار سنويا، بعدما كانت لا تزيد عن 15 مليار دولار في 2013.

- زيادة القوة البشرية لأجهزة الأمن والجيش؛ ففي حين تجاوز عدد ضباط وأفراد الجيش حاجز 500 ألف فرد، وصل عدد عناصر الشرطة لنحو 210 ألف فرد؛ وهو ما يعني أن عدد العاملين بالشرطة زاد خلال السنوات الخمس الأخيرة بنسبة تتجاوز 100%.

- رفع كفاءة عناصر الشرطة والجيش العاملين في مجال مكافحة الإرهاب، عبر تنفيذ عدد من البرامج التدريبية الوطنية والمشتركة، فضلا عن تحديث منظومة التسليح المستخدمة في المجال ذاته، حيث أولت الجزائر اهتمامًا واضحًا بأسلحة مكافحة الإرهاب على حساب الأسلحة والمعدات العسكرية الثقيلة.

- تحديث أجهزة التصنت والمراقبة والتي عززت من قدرة أجهزة الأمن الجزائرية في متابعة كافة التنظيمات الدينية والأشخاص المشتبه في تبنيهم أفكاراً متطرفة.

- إنشاء قاعدة بيانات محدثة خاصة بالإرهابيين الأجانب وذلك بالتعاون مع أجهزة استخبارات الدول الصديقة.  

أما في إطار السعي لتجفيف منابع الإرهاب وإغلاق طرق دعمه ومنافذ تمويله، فقد كثفت الجزائر جهودها للحيلولة دون انتقال العناصر الإرهابية من أو إلى الجزائر، سواء عبر إعادة ضبط الحدود بالتعاون مع دول الجوار، أو بتشديد الإجراءات الأمنية بالمطارات والموانئ بالتعاون مع الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول)، وهي المهام التي أسهم الجيش الوطني وجهاز المخابرات (DRS) في تنفيذها بالتعاون مع الشرطة وقوات الدرك. كما أقرت الجزائر سياسة الامتناع عن دفع الفدية لتحرير الرهائن الذين يتم اختطافهم من قبل العناصر الإرهابية، بغرض حرمانهم من أحد مصادر التمويل.

2- السياسات والأدوات التشريعية

بالانتقال إلى السياسات والأدوات التشريعية نجد أن الدولة سعت إلى إضعاف الإرهاب وتقويد المناخ الحاضن له، كما سعت لتجفيف منابع دعمه وتمويله وذلك عبر التطوير المستمر لمنظومة التشريعات المرتبطة بالظاهرة الإرهابية. ففي سبيل إضعاف الإرهاب حرصت الدولة على تشجيع أصحاب الأفكار المتطرفة للعدول عن أفكارهم؛ في مقابل إعطائهم فرصة جديدة للعودة إلى المجتمع، وذلك من خلال الإبقاء على فاعلية العمل بـ"ميثاق السلم والمصالحة" المعمول به منذ 2006 والذي يقضي بالعفو الشامل عن المتشددين المنضوين تحت لواء الجماعات الإرهابية - عدا المتورطين في عمليات القتل- في مقابل وضعهم السلاح وجنوحهم للسلم.

أما في إطار تقويض المناخ الحاضن للإرهاب والمحفز لاستعداء الشباب على الدولة، فقد حرصت الدولة على إعلان إلغاء حالة الطوارئ في 2011 والتي ظلت قائمة لعشرين عاما متصلة، كما أقرت الدولة في عام 2015 عددا من التعديلات التشريعية كان أبرزها تعديل قانون الإجراءات الجزائية بغرض تقليص استعمال الاحتجاز الاحتياطي.

وفي سبيل تجفيف منابع دعم الإرهاب وتمويله، قامت الجزائر بتعديلات واسعة أيضا، شملت إعادة التعريف القانوني لتمويل الإرهاب وتجريم تمويل الفرد الإرهابي والمنظمات الإرهابية على السواء، كما قامت بإجراء تعديلات جوهرية في قانون مكافحة غسيل الأموال؛ قضت بحظر فتح أي حسابات بنكية مجهولة الهوية أو مرقمة، وإلزام المؤسسات المالية بإبلاغ لجنة مكافحة الإرهاب عن المعاملات التي يشتبه في ارتباطها بأي جريمة وعلى رأسها الإرهاب، وهي خطوة اكتسبت أهميتها من تخلف القطاع المصرفي الجزائري والذي مازال في أغلبه غير مميكن ومن ثم يعتمد على الأساليب القديمة.

وفي السياق ذاته، أضافت الدولة إلى قانون العقوبات بعض النصوص التي قضت بتوسيع نطاق واختصاصات القانون ليشمل داعمي المقاتلين الأجانب وأماكن تواجدهم، وذلك في إطار الاستجابة لقرار مجلس الأمن رقم (2178).  

3- الأدوات السياسية

تنوعت الأدوات والإجراءات السياسية التي استخدمتها الجزائر في إطار مكافحة الإرهاب ما بين أدوات سياسية داخلية استهدفت احتواء الظاهرة؛ وأخرى خارجية استهدفت تجفيف منابع الإرهاب ورفع قدرات الجزائر على مواجهة التهديدات. فعلى الصعيد الداخلي، تمسكت الدولة بالمصالحة الوطنية عبر "ميثاق السلم والمصالحة" والذي جاء به الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. كما سمحت الدولة الجزائرية بوجود البدائل التنظيمية الإسلامية لأصحاب التوجه الإسلامي؛ لاسيما الراديكاليين منهم، والتي تمثلت في "الدعوة السلفية العلمية" التي شكلت بديلا للجزائرين الداعمين للجبهة الإسلامية للإنقاذ وغيرهم من المنتمين فكريا للسلفية الجهادية، وكذلك حزب "حركة مجتمع السلم" والذي سمحت الدولة بتأسيسه لاحتواء الشباب الذي فقد الثقة بالأحزاب الإسلامية وعلى رأسهم حزب النهضة والإصلاح. أيضا تركت الدولة مجالا للحركة لحزبي حركة النهضة الجزائرية وحركة الإصلاح الوطني وهي حركات تنتمي فكرياً لجماعة الإخوان المسلمين.

وفي السياق ذاته؛ أعلنت الدولة في عام 2012 عن فتح المجال لتأسيس وإشهار أحزاب سياسية جديدة؛ حتى وصل عدد الأحزاب السياسية بالجزائر حتى الآن إلى 63 حزبا سياسيا، بعدما تجمد عند 24 حزبا قبل هذا التاريخ.

أما على الصعيد الخارجي فقد ظلت الجزائر ثابتة في سياستها الخارجية على مبدأ عدم التدخل في شئون الغير، لاسيما دول الجوار التي تشهد توترات أمنية وسياسية خلال السنوات الأخيرة، وهو ما أسهم بقدر كبير في تجنيبها انتقال الموجات الإرهابية من هذه الدول إليها. أضف إلى ذلك تعزيز التعاون الدولي في مجال مكافحة الإرهاب والذي ظهرت ملامحه في صور عديدة منها:

- التنسيق مع دول الجوار للوصول إلى حلول سياسية لتسوية الأزمات التي تشهدها هذه الدول.  

- تقديم جزء كبير من تمويل لجنة الأمن والاستخبارات التابعة للاتحاد الأفريقي.

- المشاركة في تأسيس المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب (GCTF) في سبتمبر 2011، والذي يسعى لتشجيع الدول الأعضاء على تنفيذ استراتيجية الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب. وقد تولت الجزائر بالاشتراك مع كندا رئاسة المجموعة المختصة بتعزيز قدرات مكافحة الإرهاب في الساحل الإفريقي (SWG).

- المشاركة في لجنة الأركان المشتركة لدول الساحل (CEMOC) مع مالي وموريتانيا والنيجر. وفي هذا الإطار، حرصت الجزائر على استقبال وحدة الدمج والاتصال لتبادل المعلومات التابع لهذه اللجنة.

- تكثيف النشاط داخل مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENAFATF) الخاصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

- المشاركة في "الشراكة من أجل مكافحة الإرهاب عبر الصحراء" (TSCTP)، هو برنامج إقليمي أمريكي مشترك بين الوكالات يهدف إلى بناء قدرات حكومات دول إقليم المغرب العربي ومنطقة الساحل لمواجهة التهديدات التي يخلقها الإرهاب.  

4- السياسات الاقتصادية والاجتماعية

في محاولة لاستيعاب البعدين الاقتصادي والاجتماعي في مجال مكافحة الإرهاب، حرصت الجزائر على انتهاج عدد من السياسات واتخاذ مجموعة من الإجراءات التي من شأنها القضاء على الدوافع الاقتصادية والاجتماعية للظاهرة. فعلى الصعيد الرسمي، قامت الدولة بتنفيذ سياسة اقتصادية جديدة استهدفت بالأساس رفع معدل النمو الاقتصادي عبر زيادة حجم الإنفاق الحكومي الاستثماري. وقد تجسدت هذه السياسة التي بدأت تطبيقها منذ 2001 في ثلاثة برامج تنموية، كان أبرزهم برنامج المخطط الخماسي (2011-2014) والذي دعمته الدولة بغطاء نقدي قيمته 286 مليار دولار، تم إنفاق 45% منها على برنامج تحسین الظروف المعیشة للسكان.  

وفي السياق ذاته، سمحت الدولة للمؤسسات الخيرية الإسلامية وللدعوة السلفية بتقديم المساعدات المادية والخدمات العينية للمواطنين في الأماكن الأكثر احتياجا. كما أبقت على الدور الاجتماعي للمساجد؛ إذ يقوم كل مسجد بجمع التبرعات وإنفاقها على المواطنين والأسر الفقيرة المقيمة في زمامه.

5 - الخطاب الديني والإعلامي

يكشف مضمون واتجاهات الخطابين الديني والإعلامي بالجزائر عن إدارك الدولة لأهمية هذه الأدوات في إطار مواجهة الفكر المتطرف ومكافحة الإرهاب، والأهم من ذلك إدراكها للتباين الفكري والثقافي لجمهور الرأي العام الجزائري، وحرصها على التعامل مع هذا التباين بمرونة شديدة ودون أي محاولة لفرض خطاب أُحادي الاتجاه، فبالنظر إلى الخطاب الديني نجد أن ثمة اتجاهات ومضامين مختلفة تقدمها الدولة أو تسمح بتقديمها عبر فاعلين آخرين لتناسب تباين الاتجاهات الفكرية الدينية للجزائرين، وهي في الأخير تراعي عدم تغذية الفكر المتطرف.

على مستوى الخطاب الديني الرسمي، فقد ركز هذا الخطاب على نبذ المغالاة والتطرف والعنف وإعلاء من قيم التسامح، وهو ما يمكن الاستدلال عليه بعدة شواهد منها محتوى إذاعة القرآن الكريم الجزائرية، وكذلك مذكرة التعاون التي أعدتها الحكومة بين وزارات الداخلية والاتصال والتعليم والشئون الدينية؛ والتي قضت بإطلاق مواقع إلكترونية على شبكة الإنترنت متخصصة لمكافحة الفتاوى المستعملة من قبل المتطرفين.

 في المقابل سمحت الدولة بهامش محدود من المغالاة تبنته الدعوة السلفية التي تحرص -بتوجيهات من الدولة- على إبعاد أفكار أخرى أكثر تشددا وتطرفا قد تشكل نواة لنشاط إرهابي محتمل وهو ما يظهر بوضوح في خطابها المتعلق بسفر الشباب الجزائري للجهاد بالخارج، حيث يرفض علماء السلفية ومنظريها السفر للجهاد بالخارج بدعوى أنها معركة لا تخص مسلمي الجزائر.

وفي السياق ذاته، تستخدم الدولة قادة الفكر والرأي والأحزاب السياسية في حشد وتعبئة المجتمع ضد التطرف والإرهاب، سواء بدفعهم لإصدار بيانات وتصريحات تدين التطرف والإرهاب أو تخصيص المساحات الصحافية والإعلامية لهم لذات الغرض. كما تحظر الدولة نشر الصور أو المقاطع الفيلمية للأعمال الإرهابية، سواء في وسائل الإعلام الرسمية أو عبر شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت). ولا يفوت الدولة هنا استخدام الخطاب الترهيبي من إمكانية تكرار ما شاهدته الجزائر خلال العشرية السوداء.

ثانيا: نقاط القوة في الاستراتيجية الوطنية الجزائرية

ترتكز الاستراتيجية الوطنية الجزائرية لمكافحة الإرهاب على عدد من نقاط القوة التي أسهمت بقدر كبير في تمكين الجزائر من تجنب ويلات الموجة الإرهابية التي تجتاح محيطها الإقليمي مؤخرا، لعل أبرزها:

1- حاولت الاستراتيجية معالجة بعض نقاط الضعف التي شابت الاستراتيجية الوطنية المستخدمة عشية العشرية السوداء، فكانت أبرز المعالجات التي قدمتها الاستراتيجية الجديدة "إلغاء حالة الطوارئ"  -والتي ظلت مسيطرة على المشهد الأمني في الجزائر منذ 1992 وحتى 2011- حيث أسهمت هذه الخطوة في دفع الأجهزة الأمنية نحو تطوير إمكاناتها وتحسين قدرات أفرادها لتتناسب مع العمل في الظروف الطبيعية، وهو ما حدث بشكل كبير.

2- احتفاظ الاستراتيجية الجديدة بمبدأ تكامل سياسات وأدوات مكافحة الإرهاب، إذ لم تكتف هذه الاستراتيجية بالحلول والأدوات الأمنية فحسب، بل حرصت على معالجة الظاهرة عبر سياسات وأدوات أخرى، كان على رأسها السياسات الاقتصادية والاجتماعية.  

3- اعتماد مبدأ "المحاسبة"، إذ لم يحل تمسك نظام الرئيس بوتفليقة بأهل الثقة دون التزامه بحساب المقصرين في تنفيذ الاستراتيجية، وهو ما يمكن الاستدلال عليه بوقائع مختلفة لعل أبرزها إقالة بعض قيادات دائرة الاستعلام والأمن وعلى رأسهم اللواء مهنا جبار رئيس مديرية الأمن المركزية للجيش (DCSA)، واللواء محمد مدين رئيس المخابرات، واللواء عبد القادر آيت وعرابي المسئول عن مكافحة الإرهاب والتجسس بالمخابرات الجزائرية، بالإضافة إلى عدد من قادة الجيش والمخابرات على خلفية اتهامهم بالتقصير.

4- التزام أقصى درجات المرونة خلال صياغة وتنفيذ الاستراتيجية الجديدة، وهو ما ظهر بوضوح في مراعاة طبيعة الدور الوظيفي الجديد للجيش الوطني والتي دفعت واضعي الاستراتيجية نحو إقرار سياسات تضمن تعزيز قدرات الجيش في مجال مكافحة الإرهاب.

ثالثا: نقاط الضعف في الاستراتيجية الوطنية الجزائرية

رغم ما حققته الاستراتيجية الجزائرية لمكافحة الإرهاب من نتائج إيجابية ملموسة، تظل هناك بعض نقاط الضعف أو الثغرات التي تشوب هذه الاستراتيجية، والتي قد يتزايد تأثيرها السلبي مستقبلا لاسيما في ظل تصاعد التحديات، وأبرزها:

1- إفراط الدولة في الاعتماد على القوى والأحزاب الدينية، سواء كحاضنة بديلة تضم أصحاب التوجهات الإسلامية أو كفاعل اقتصادي واجتماعي يقوم ببعض الأدوار الخاصة بالدولة، وهو ما قد يدفع نحو تعزيز نفوذ هذه التيارات في الشارع الجزائري، لاسيما في ظل إفساح المجال السياسي خلال السنوات الأخيرة والذي سمح لبعضها باكتساب شعبية حقيقية، بل ودفع بعضها وتحديدا حزب مجتمع السلم وحزب حركة النهضة الجزائرية وحزب حركة الإصلاح الوطني إلى تكوين تحالف سياسي إسلامي تحت اسم "تكتل الجزائر الخضراء".

2- تفريغ بعض آليات مكافحة الإرهاب من معناها ومن ثم إفقادها جزءً أصيلًا من تأثيرها الإيجابي، ولعل المثال الأبرز على ذلك هو تعنت الدولة في تطبيق "ميثاق السلم والمصالحة"، حيث تقوم الدولة بحرمان الإرهابيين المدمجين بالمجتمع من ممارسة حقوقهم السياسية، الأمر الذي قد يحول دون عدول بعض الإرهابيين عن أفكارهم ويدفعهم للتمسك بمنهجم الراديكالي والاعتماد على العنف كآلية لتغيير المجتمع.

3- الإفراط في التمييز الإيجابي للعاملين بالأجهزة الأمنية والجيش لضمان ولائهم، إذ يترتب على هذا السلوك عدد من الآثار السلبية لعل أبرزها إثارة حفيظة قطاع عريض من الجزائريين، لاسيما مع تدهور أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية.

4- غياب الُبعد الحقوقي عن الاستراتيجية، والذي يدفع بدوره إلى تورط بعض العاملين بأجهزة الأمن في حوادث تعذيب وقتل خارج إطار القانون، خاصة في ظل تغاضي الدولة عن محاسبة المقصرين من رجال الأمن، وهو ما قد يدفع البعض للتفكير في الانتقام؛ ومن ثم يعيد إنتاج فكرة حمل السلاح وانتهاج العنف ضد الدولة.

5- الاستراتيجية لم تراع ضبابية المشهد السياسي الجزائري المتزايدة على خلفية تدهور الحالة الصحية للرئيس بوتفليقة وغياب الآليات التي تضمن تسليم السلطة لمن يخلفه.  

6- في إطار تجفيف منابع تمويل الإرهاب حاولت الاستراتيجية الجزائرية قدر الإمكان محاصرة عيوب النظام البنكي بالجزائر وفرض المزيد من الرقابة على القطاع المصرفي، وذلك دون إيجاد حلول جذرية لمعالجة هذه العيوب التي تسهم بقدر كبير في توسيع الاقتصاد غير الرسمي الذي يصعب على الدولة تتبعه أو استئصاله.   

رابعا: توصيات مقترحة  

لا يمكن بحال من الأحوال إنكار النجاح الذي حققته الجزائر في تصديها للإرهاب عبر استراتيجيتها الوطنية لمكافحة الإرهاب، وهو أمر لا يحتاج لأكثر من الرجوع إلى أعداد العمليات الإرهابية التي تشهدها الجزائر سنويا ومقارنتها بأعداد العمليات التي تشهدها دول المنطقة، إلا أن هذا لا يعني تحصين الجزائر ضد احتمال حدوث انتكاسة قد تنتهي بدخولها دائرة الإرهاب من جديد، لاسيما أن الاستراتيجية التي تنتهجها الدولة الجزائرية تنطوي على عدد من الثغرات ونقاط الضعف التي تشكل تهديدا صريحا للدولة، وعليه نطرح فيما يلي بعض التوصيات لتطوير هذه الاستراتيجية وتجنب سلبياتها:   

- إعادة النظر في إفراط الدولة في الاعتماد على الأحزاب والحركات الدينية، لاسيما في تأدية الأدوار الاقتصادية والاجتماعية والتي يجب على الدولة التمسك بتأديتها.

- تعميق البعد الحقوقي للاستراتيجية والذي يضمن تعزيز مشاعر الانتماء والشعور بالرضا لدى المواطنين، ومن ثم يدحض مشاعر الغضب والرغبة في الانتقام لدى البعض. كما يجب إعادة النظر في التمييز المبالغ فيه للعاملين بالأجهزة الأمنية والجيش والذي يستفز بدوره مشاعر السخط لدى قطاع كبير من الجزائرين.

- السعي لإصلاح القطاع المصرفي وميكنته، بحيث يسهل على الدولة تتبع حركة الأموال وتجفيف منابع تمويل الإرهاب.

- إعداد أكثر من سيناريو يضمن تسليم السلطة بشكل آمن في حال غياب الرئيس.

طباعة
هاني الأعصـــــر

باحث مساعد بوحدة الدراسات الأمنية والعسكرية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية