متابعات تحليلية

السياسة الأمريكية لمكافحة الإرهاب والتطرف... تحديات وفرص ضائعة

طباعة

في الثامن عشر من شهر ديسمبر 2017 أعلن الرئيس الأمريكي ترامب عن الاستراتيجية الجديدة للأمن القومي، والتي جاءت تحت عنوان "أمريكا أولا"، وهو ما يعكس رؤية الإدارة الحالية على مستوى السياسات والتطبيقات لإدارة حل المعضلات الأمنية الأمريكية، والسيطرة على الهاجس الأمني الداخلي في مواجهة الأعباء الخارجية، وهو الأمر الذي يظهر في وضع السياسات التي تضع الأهداف العامة والتي تجمع بين الاستمرارية والتغير. وتعد قضية التطرف والإرهاب من القضايا الأمنية الصاعدة في الاهتمام الأمريكي في الداخل والخارج، والتي تفرض تبني استراتيجية "احتواء" قابلة للتنفيذ في مواجهة تحديات وفرص تفعيلها.

أولا: استراتيجية رد الفعل

على الرغم من أن الحملة الأمريكية ضد تنظيم القاعدة بدأت قبل هجمات 11 سبتمبر 2001 الإرهابية إلا أنه بعد حدوثها أطلقت الولايات المتحدة حملتها العالمية في مكافحة  الإرهاب. وعلى الرغم من مرور ما يزيد عن ستة عشر عاما على تلك السياسات إلا أنها مازالت في حالة "حرب" في الخارج، ومازالت تعاني من تصاعد في التهديدات الداخلية، سواء ممن ينتمون للتنظيمات الإرهابية الإسلامية المتشددة أو عبر ظهور مخاطر أمنية إرهابية جديدة من قبل تيارات أخرى، أو تصاعد معدلات الجريمة المحلية، الأمر الذي يكشف أن عملية مكافحة  الإرهاب أو التطرف في حاجة ملحة إلى المراجعة، خاصة أنها استمرت مع ولاية ثلاث إدارات أمريكية متتالية، إدارة بوش الابن، وإدارة أوباما، ثم إدارة ترامب، مع بعض الاختلافات في الأسلوب.

وبدت تلك الجهود واضحة في ظل إدارة الرئيس كلينتون حين أصدر الكونجرس الأمريكي عام 1996 تشريعا يفرض عقوبات اقتصادية على منظمات إرهابية، إلى جانب سن قانون "مكافحة  الإرهاب وتفعيل عقوبة الإعدام"، والتي عرفت بمجموعة "تدابير مكافحة  الإرهاب". وكان جزء منها موجه فقط ضد المتطرفين الذين "يعرقلون عملية السلام في الشرق الأوسط". لكن سياسة الولايات المتحدة لمكافحة تكتيكات التنظيمات الإرهابية شهدت تغيرات مهمة، خاصة عقب التفجيرات الإرهابية للسفارات الأمريكية فى أفريقيا فى عام 1998، والتي دفعت الولايات المتحدة لاتخاذ أول رد فعل عسكري ومباشر ضد تنظيم القاعدة. وقد دشن ذلك لسابقة مهمة، تمثلت في القيام بشن هجمات ضد "جماعة إرهابية" وليس ضد "دولة" معادية، والموافقة على عملية" اغتيال بن لادن" على الرغم من حظر القانون الأمريكي الاغتيال خارج نطاق القضاء، والذي صنف على أنه "قائد عسكري" للعدو. وكان ذلك قبل ثلاث سنوات من إعلان "بوش"الحرب على  الإرهاب.

 وخلال ولاية بوش الابن وقعت هجمات 11 سبتمبر. وكانت تلك الهجمات هي الأكثر دموية في تاريخ  الإرهاب وأكبر خسارة في الأرواح على الأراضي الأمريكية منذ الحرب الأهلية. وأدى فشل الأجهزة الاستخباراتية في التنبؤ بتلك الهجمات إلى تغيير جذري في التعاطي مع الأجهزة الأمنية وطبيعة دورها، وحدود التدخل الأمريكي في الخارج.

ومن الملاحظ أنه لم تظهر استراتيجية واضحة المعالم لمكافحة  الإرهاب، بل كانت بدلا من ذلك محاولة يائسة لمنع هجوم آخر مماثل أو أكبر، وتحولت إلى مجرد ردود أفعال غير متسقة وغير قابلة على الاستدامة.

وعملت إدارة بوش على وضع  الإرهاب على رأس أولوياتها؛ فقامت بتعبئة كافة الجهود الداخلية، وبتوفير غطاء تشريعي من الكونجرس، والذي وافق بدوره على استخدام القوة العسكرية ضد المسئولين عن هجمات 11 سبتمبر. وذلك من قبيل أنها  في حالة "إعلان حرب". وتغير الهدف من مجرد معاقبة الإرهابيين، إلى العمل على تدمير تنظيم "القاعدة"، ومهاجمة الدول التي توفر له ملاذا آمنا. وشمل تعريف "العدو" الدول التي صُنفت على أنها "محور الشر"، وهي إيران والعراق وكوريا الشمالية. وهو الأمر الذي مهد إلى غزو العراق خارج نطاق الأمم المتحدة.

وعملت إدارة بوش في الولاية الثانية على تبني عقيدة أن العمل على انتشار الديمقراطية هو السبيل لمكافحة  الإرهاب، والذي ينمو كما ترى في بيئة استبدادية، وذلك مع محاولة لتجنب تحويل مكافحة الإرهاب إلى حرب على الإسلام.

وفي الداخل، قامت إدارة بوش باستحداث وزارة "الأمن الداخلي"، واتخذت إجراءات لمراقبة التجمعات الإسلامية، وبدأت المراقبة الإلكترونية على المواطنين على الرغم من كونها غير فعالة وغير قانونية، ومتناقضة مع القيم الأمريكية.

وسعت الإدارة الأمريكية إلى القضاء بشكل نهائي على معسكرات تنظيم القاعدة واعتقال زعيمها وباقي أعضائها ومحاكمتهم عسكريا، وضرب كل مجموعة إرهابية في أي مكان من العالم وفقا لمبدأ "الضربات الاستباقية"، ومطاردة الدول التي تساعد الإرهاب أو تؤويه. وتم رفع شعار بوش (الابن): "إما أن تكونوا معنا أو مع  الإرهاب" على كل دول العالم.

ومع وصول إدارة أوباما بدأت عملية التشكيك في مدى قدرة الآلة العسكرية في مكافحة الإرهاب، ومدى فاعلية ما أطلق عليه "الحرب العالمية على الإرهاب". وبدأت إدارة أوباما في العمل على إفساح الطريق لتوظيف القوة الناعمة في مكافحة الإرهاب في إطار دعم الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان. وتم ذلك عبر ما دعمته من تغيير إبان ما عُرف "الربيع العربي" من أجل إيصال ما أطلقت علية الإدارة الأمريكية "الإسلام المعتدل" إلى السلطة. ومن ثم كان التغيير في إدارة أوباما تغيرا طفيفا، واستكمالا لما أقدم عليه سلفه بوش في ولايته الثانية فيما عُرف "الشرق الأوسط الكبير". وعلى الرغم من إعلان أوباما أن هدفه إنهاء الوجود العسكري الأمريكي في العراق وأفغانستان، إلا أنه لم يستطع إحراز تقدم سوى تمكنه من اغتيال أسامة بن لادن، بالإضافة إلى تردي الأوضاع بعد سقوط طالبان، وتزايد حجم الخسائر البشرية والمادية، وعدم وجود أفق للخروج. وعلى الرغم من ذلك اضطر أوباما لإرسال تعزيزات عسكرية في إطار جدول زمني للانسحاب.

وأعطى رفض العراق التوقيع على اتفاقية أمنية لحماية القوات الأمريكية من الملاحقة القضائية الفرصة لأوباما لعودة تلك القوات من الخارج. لكن بعد مرور عامين تغيرت الاستراتيجية مع حالة الاضطراب في دول "الربيع العربي"، وصعود تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وتوالي حالات الاضرابات الأمنية في سوريا والعراق ومصر وليبيا واليمن.

وتم تشكيل التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، وبتجديد العمليات العسكرية في العراق لمنع وقوع المزيد من الخسائر، ومنع تحول العراق إلى قاعدة جديدة للعمليات الإرهابية ضد الغرب بعد انهيار الجيش العراقي في مواجهة داعش.

وقد زادت إدارة أوباما من عمليات القتل المستهدف خارج نطاق المحاكمات للقادة والكوادر الذين يشتبه في انتمائهم للجماعات الإرهابية، والاعتماد على الغارات الجوية والعمليات الخاصة والطائرات بدون طيار.

ثانيا: استراتيجية أمريكا أولا

ورث ترامب عن سلفه أوباما حربا في أفغانستان، وحملة عسكرية مستمرة ضد داعش، والتورط في الحرب الأهلية في اليمن، إلى جانب الالتزامات العسكرية في أماكن أخرى من العالم. وهو ما اعتبره ترامب تكلفة باهظة بلا مقابل. وقاد ترامب جهود محاربة داعش في إطار التحالف الدولي، وأنهى الدعم للمعارضة السورية، وخفض التركيز على القوة الناعمة وحقوق الإنسان، وتبني تعريفا أوسع للعدو ليشمل الإرهاب الإسلامي الراديكالي فقط، وفرض حظر مؤقت على السفر من 9 دول إسلامية إلى الولايات المتحدة.

ورأى ترامب أن الإرهاب الإسلامي تهديد أجنبي يجب على أمريكا أن تحمي نفسها من خلال حدود أقوى، وتعزيز القيود المفروضة على السفر، وتخفيض تدفقات اللاجئين والهجرة، والفحص الشديد لأولئك الذين يريدون أن يأتوا إلى الولايات المتحدة، وهو يرى أيضا أن تصاعد  الإرهاب في أوربا ارتكز على وجود مستوى عالٍ من الوجود الإسلامي بها وفقدان السيطرة على الهجرة والمهاجرين.

وأكد ترامب على هدفه حماية الشعب ونمط الحياة والمصالح الأمريكية، والتي يمكن أن تتحقق إن أدرك الشعب الأمريكي أن المنافع من التحولات العالمية لا تعني أن تتجاهل الولايات المتحدة حقوقها وواجباتها كدولة ذات سيادة وأن تعمل كذلك على تعزيز أمنها.

ويرى ترامب أن الأعداء يستغلون الحرية والنظام الديموقراطي للإضرار بالولايات المتحدة، كسعى كوريا الشمالية إلى تعزيز قدراتها لتقتل الملايين من الشعب بسلاحها النووي، ودعم إيران للجماعات الإرهابية، وسعى التنظيمات المتشددة، مثل تنظيم داعش، لنشر أيدولوجيتهم للكراهية و"التطرف"، واختراق المجتمع الأمريكي.

وأصبح الفاعلون من غير الدول يعملون كذلك على تقويض النظام الاجتماعي من خلال المخدرات وشبكات الهجره غير الشرعية، والتي تشكل منصة لارتكاب جرائم العنف والآلاف من القتلى كل عام من الشعب الأمريكي واستهداف مصادر قوة الولايات المتحدة، وسرقة حقوق الملكية الفكرية والمعلومات الشخصية والتدخل في العمليات السياسية، والقطاعات المدنية والبحرية والجوية، وهو ما يجعل البنية التحتية الأمريكية في خطر، ويهدد بالتأثير على حياة الشعب الأمريكي.

 ومن ثم، فإن العمل على إعادة الاستقرار والسيطرة على الحدود تمثل خطوة أولى في اتجاه حماية الأراضي الأمريكية وتعزيز السيادة الأمريكية، ومنع خطر التعرض للأخطار النووية والكيماوية والبيولوجية، ومنع وصول الإرهابيين إلى الأراضي الأمريكية، وتعزيز قوة الردع اللازمة لمواجهة الأخطار المحتملة قبل وصولها، وضرب الجماعات الإرهابية والمنظمات الإجرامية العابرة للحدود، وتدمير شبكات الدعم لهم، واتخاذ خطوات سريعة لتعزيز استجابة الشعب الأمريكي لمواجهة الأخطار الطبيعية، والعمل على بناء ثقافة الجاهزية والاستعداد داخل كل الأجهزة الحكومية والبنية التحتية والبنى السياسية والاقتصادية.

ثالثا: سياسات المواجهة

لاشك أن الجهود الأمريكية في مكافحة الإرهاب والتطرف هي عملية تراكمية، إلا أنه في ضوء استراتيجية ترامب للأمن القومي هناك إجراءات عدة لتعزيز الأمن الداخلي ومكافحة الإرهاب والتطرف، نوجزها فيما يلي:  

- دعم أمن الحدود؛ عبر العمل على بناء جدار عازل مع الحدود المكسيكية، واستخدام التكنولوجيا المتقدمة والدفاعات متعددة الاستخدامات، واتساع تعاون الولايات المتحدة مع حلفاء الولايات المتحدة لتعقب المشتبهين قبل دخولهم.

- تعزيز القدرة على تدقيق والتحقق من اللاجئين والمهاجرين، والزائرين الأجانب، وذلك من أجل التمكن من عدم تشكيلهم خطرا على الأمن القومي أو السلامة العامة، ووضع إجراءات أمنية عالية للعمل على ضمان بقاء الأفراد الخطرين خارج حدود الولايات المتحد، إلى جانب تعزيز القدرة على جمع المعلومات والتحليل لتحديد هؤلاء الذين تمكنوا بالفعل من دخول الولايات المتحدة.

- تفعيل قوانين الهجرة؛ سواء على الحدود أو في الداخل وذلك للعمل على تحقيق ردع فعال ضد الهجرة غير الشرعية وتعظيم الجهود لتحديد واحتواء الاحتيال في عملية الهجرة، في إطار تكامل الأطر المنظمة للهجرة.

- دعم أمن وسائل النقل والاتصال؛ من خلال العمل على تحسين القدرة على جمع المعلومات وتشاركها بين أجهزة الحكومة الأمريكية، ومع الشركاء الأجانب لتعزيز الأمن في الطرق العامة والتي هي القناة الأساسية لعبور الأفراد والبضائع، وأن يتم العمل على الاستثمار في التكنولوجيا لاحتواء الأخطار الصاعدة في الملاحة الجوية والطائرات والطرق وقطاعات المواصلات البحرية.

- تعزيز الأمن السيبراني؛ من خلال الاستفادة من المجتمع المفتوح والتقدم في تشفير الاتصالات والإنترنت بهدف مواجهة استخدام الإرهابيين للإنترنت في التجنيد والتعبئة والتمويل للقيام بعملياتها الإرهابية داخل الولايات المتحدة، ومحاربة داعش والجماعات الإرهابية حتى بعد هزيمتهم الميدانية في سوريا والعراق.

- تعطيل مؤامرات الإرهاب؛ عبر دعم الجهود الاستخباراتية وتشاركها محليا وبالتعاون مع الشركاء الأجانب للعمل على تعزيز الجبهة الداخلية بما فيها الأمن الداخلي وتعزيز القانون للعمل على وقف وإبطال الأنشطة الإرهابية قبل حدوثها.

- أخذ رد فعل مباشر؛ من خلال قيام الجيش الأمريكي بالتعاون مع الوكالات الأمنية الرديفة بالقيام بعمل مباشر ضد الشبكات الإرهابية وتعقب الإرهابين الذين يشكلون خطرا على الأمن الداخلي وأمن الشعب الأمريكي.

- استئصال المناطق الآمنة للإرهابيين؛ وذلك من قبيل أن الوقت والأرض يسمحان للحركات الجهادية للتآمر، واتخاذ إجراءات مباشرة ضد خطابهم الديني، والعمل على منع ظهورهم مرة أخرى، والعمل على تعقبهم في شبكاتهم الرقمية والعمل مع الشركات الخاصة لمواجهة تحديات الإرهابيين والمجرمين.

- قطع مصادر القوة للجماعات الإرهابية؛ من خلال العمل على تعطيل موارد الدعم المالي لها، والعمل على وقف تمويلهم وحماية الولايات المتحدة ونظامها المالي الدولي من الخطر، وإصابة قدرتهم على تجنيد الشباب، ومكافحة أيدولوجية الشر التي تقودها الجماعات الجهادية ومواجهة خطاباتهم المتطرفة.

- تشارك المسئولية مع الحلفاء والشركاء الذين هم عرضة أيضا لاستهداف الجماعات الإرهابية، والاستمرار في المشاركة في مقاومة هذه الجماعات، ومساعدة الحلفاء على تطوير وتوسيع المسئولية لتعزيز قدرتهم في مواجهة تلك الجماعات.  

- مكافحة الراديكالية والتجنيد، من خلال العمل على نشر قيم المجتمع الأمريكي الواحد، ومكافحة أيديولوجيات العنف عبر تحسين الثقة في تنفيذ القانون والقطاع الخاص والمواطنين الأمريكيين، وعمل الأجهزة الأمنية الأمريكية وخبراء الأمن الداخلي على دعم الأنظمة الأمنية الأخرى وتقديم معلومات واضحة وفعالة حول الراديكالية.

 

رابعا: تحديات المواجهة


 

أ- لا يتم وصف الأعمال الإرهابية المحلية من قبل الادعاء الفيدرالي على أنها أعمال إرهابية، بل يتم معالجتها وفق القوانين الجنائية التقليدية مثل قوانين مكافحة جرائم الكراهية، وهو ما يجعل هناك ازدواجية في التعامل مع الحوادث الإرهابية المتشابهة، والتي تصنف فقط وفق جنسية أو دين مرتكبها؛فحوادث إطلاق النار يتم تضمينها في إطار الجرائم الداخلية الأمريكية وليس ضمن استراتيجيات مكافحة  الإرهاب والتطرف.

ب- تتسم الولايات المتحدة بوجود قوانين لتنظيم حرية التعبير تتسم بقدر هائل من الليبرالية، والتي يتم توظيفها لإعطاء الحق للعنصريين الأمريكيين أن يروجوا لفكرهم، وهو ما اتخذه الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية للدفاع عن حق أنصار فكرة تفوق العنصر الأبيض، وليست هناك ثمة أغلبية داخل الولايات المتحدة قادرة على فرض قيود على حرية التعبير حتى وإن كانت باسم محاربة النازية أو مواجهة تصاعد اليمين واليسار المتطرف والذي أصبح دوره يتزايد في تهديد الأمن الداخلي مقارنة بألمانيا.

ج- أن سياسة بناء الجدران العازلة غير فعالة وذلك لتكلفتها الباهظة ولكونها حلا غير عملي في مواجهة الهجرة والتي تتطلب الدعم الاقتصادي للبلدان المصدرة للهجرة، إلى جانب قيادة حرب أفكار مقابلة لنشر الخطاب المتطرف، ومن ثم فإن عملية بناء الجسور هي الأفضل عن بناء الأسوار العالية.

د- على الرغم من كون عودة المقاتلين إلى الأراضي الأمريكية ما تزال تمثل خطرا، إلا أن الخطر الأكبر يتمثل في نمو المتشددين المحليين الذين اعتنقوا الفكر المتطرف، وظهر دورهم في القيام بعمليات مرتجلة داخل الولايات المتحدة، ولا يوجد بينهم وبين تنظيم داعش رابط سوى مشاهدة أشرطة الفيديو الدعائية، وأن أيا من الهجمات الجهادية القاتلة التي وقعت في الولايات المتحدة منذ عام 2014 لم تكن مرتبطة عملياتيا بتنظيم داعش أو بشبكاته.

هـ- على الرغم من فاعلية مراقبة قوانين الهجرة إلا أن المشكلة الأكبر قد تأتي من قبل الموجودين بشكل قانوني داخل الولايات المتحدة، وربما يحملون كذلك الجنسية الأمريكية. وتشير التقديرات أن 85% من 415 شخصا متهما بجرائم متصلة بالإرهاب في الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر كانوا إما مواطنين أمريكيين أو مقيمين بصورة قانونية، وقد ولد 207 منهم أي أقل من النصف على الأراضي الأمريكية.


 


 

و- أن مصدر التطرف المحلي يبتعد عن الإسلام، فعلى الرغم من التركيز في الاستراتيجية الأمريكية على خطر "الجماعات الجهادية المتطرفة"، إلا أنه في الفترة من يناير 2008 وحتى نهاية 2016 وقع 63 حادثا إرهابيا داخليا مرتبطا بجماعات إسلامية متطرفة، تم إحباط 76% منها. وخلال الفترة ذاتها وُجد أن اليمين المتطرف كان وراء ما يقرب من ضعف عدد هذه الحوادث المرتبطة بالإرهاب الإسلامي، حيث ارتبط بهم ما يقارب الضعف بتسجيل 115 حادث هجوم، وتم إحباط أكثر من 35% من تلك الحوادث، بمعنى أن التأثير كان أكبر بوقوع المزيد من الضحايا واتلاف الممتلكات العامة.

ي- التضارب في تعاطي المؤسسات الأمنية في توصيف "الإرهاب"، ففي حين يعرف القانون الفيدرالى "الإرهاب المحلي" على أنه أعمال تهدف إلى "تخويف أو إكراه" الجمهور أو التأثير على سياسة الحكومة من خلال "التدمير الشامل والاغتيال والاختطاف، فإن مكتب التحقيقات الفدرالي يعرف "جريمة الكراهية" على أنها "جريمة جنائية بدافع التحيز ضد العرق أو الدين أو الإعاقة أو التوجه الجنسي أو العرق أو الجنس أو الهوية الجنسية."

ز- صعوبة السيطرة على الأسلحة الفردية، فعلى الرغم من أن الذين يموتون نتيجة انتشار السلاح الفردي أكبر من الذين يموتون بسبب الهجمات الإرهابية، إلا أن عملية إعادة فتح النقاش حول انتشار السلاح وسهولة امتلاكه ووضع ضوابط حول انتشار السلاح الفردي تواجهه بعقبتين، إحداهما تتعلق بتعارض ذلك المطمح مع التعديل الثاني من الدستور الأمريكي. وتتعلق الأخرى بقوة اللوبي المساند لتجارة الأسلحة وسيطرته على عملية صنع القرار.

ح- القيود التشريعية من قبل الكونجرس، فرغم تمديد ترخيص استخدام القوة العسكرية الذي أقره الكونجرس في 14 سبتمبر 201 والذي أتاح للسلطة التنفيذية استخدام القوة ضد تنظيم القاعدة وطالبان وفروعها والتي فسرتها المحاكم على هذا النحو، لكن مع انتشار فروع تنظيم القاعدة وغيرها فإن التصريح القانوني لا يشمل تلك التنظيمات الجديدة وهو ما يمثل عقبة. أضف إلى ذلك عدم إصدار الكونجرس تشريع ينظم قيام السلطة التنفيذية لاستخدام الطائرات بدون طيار للقيام بعمليات في الخارج ضد الجماعات الإرهابية.

ط- التحدي المعلوماتي المتمثل في قدرة القضاء الأمريكي على الحصول على المعلومات الشخصية للمشتبه بهم من شركات التواصل الاجتماعي لإجراء مراقبة إلكترونية معتمدة قانونا وقضائيا، ولكن ذلك يمثل إعاقة لإنفاذ القانون وجمع الاستخبارات وتغول السلطة التنفيذية عبر قيامها بالتجسس على المواطنين والمشتبه بهم خارج نطاق القانون.

أخيرا، على الرغم من أن معظم الأمريكيين يظنون أن تهديد داعش والإرهاب الدولي داخل الولايات المتحدة أكبر بكثير من  الإرهاب العنصري المحلي، لكن الواقع والأرقام تقول عكس ذلك، حيث يوجد داخل الولايات المتحدة 41 منظمة و22 ميليشيا، وهي منظمات متطرفة وبلا هوية دينية واضحة وتبني مواقف عنصرية معادية للسود أو لليهود أو لهما معًا، وتتباين فيما بينها من حيث درجة نضج خطابها السياسي.

خامسا: فرص المواجهة

مما لا شك فية أن أية استراتيجية ناجحة لمكافحة  الإرهاب والتطرف يجب أن ترتكز على العمل على الموازنة بين الحرية والأمن، وبين استخدام القوة الخشنة والقوة الناعمة وأن ترتكز على التعاون بين الداخل والخارج للعمل على مواجهة الإرهابيين في أمكان اختبائهم وضرب ملاذاتهم الآمنة، والضغط على الدول لوقف دعم  الإرهاب، وتعزيز قدرات الأجهزة الأمنية للكشف عن عمليات التخطيط للقيام بعمليات إرهابية، وذلك بالإضافة إلى أهمية تقديم الدعم والخبرة للأصدقاء في المواجهة. وإن كانت تهدف الولايات المتحدة إلى تبني استراتيجية ناجزة لمكافحة التطرف فإن الرئيس ترامب بتصرفاته وسلوكه ذي الطابع العنصري يساعد بشكل آخر في إجهاض أية فرصة لنجاح استراتيجية مواجهة التطرف، إلى جانب أن ترامب ركز فقط على "الإرهاب المتمثل من جماعات إسلامية متشددة"، في حين أن هناك تصاعد في خطر التطرف اليميني واليساري على الأمن الداخلي الأمريكي، ولم يتم تضمينهم في إطار استراتيجية المواجهة.

وعلى الرغم كذلك من تأكيد ترامب على أهمية التعاون مع الأصدقاء إلا أنه بدا أنه يعاني من عزلة دولية، إما كنتيجة لانسحاباته من بعض الالتزامات الدولية، أو نتيجة فقدان الثقة في السياسة الأمريكية، ومن ثم فإن تحويل الاستراتيجية من طابع وطني إلى طابع تحالفي –دولي يواجه مشكلات عدة، كون الإرهاب عابر للحدود، ومن ثم يتطلب تعاونا مخلصا من جانب الدول الكبرى في دحض تلك الحركات المتطرفة، وأهمية العمل على تعزيز قيم المواطنة داخل الولايات المتحدة ومكافحة سبل التمييز العنصري، وبخاصة -على سبيل المثال- يتم التعداد السكاني للولايات المتحدة استنادا على التقسيم العرقي والعنصري، حيث يتم التقسيم إلى خمسة أعراق (البيض، السود، الأسبان، الأسيويون، الأمريكيون الأصليون).

وانطلاقا من القيم الأمريكية والتي يجب أن تكون واضحة في الاستراتجية الفاعلة لمكافحة  الإرهاب، فإن الولايات المتحدة لا يجب أن تتخلى عن قيمها من أجل الحفظ على الأمن المادي، وأنه لا تأثير لعمليات مكافحة  الإرهاب على القيم الأمريكية في الداخل.

ويجب أن يتم إعادة تعريف القوانين المعنية بالإرهاب، وبخاصة في ضوء قانون "باترويت"، على أن يتم توصيف الإرهاب المحلي على أنه تلك الأعمال التي "تسبب في إصابات جسدية خطيرة أو تفضي إلى الموت"، بدلا من جميع الأعمال التي "تشكل خطرا على حياة الإنسان"، خاصة أن ذلك التعريف الضيق يستبعد سلوك المنظمات والأفراد الذين ينخرطون في ارتكاب أعمال عنف أو أضرار بالممتلكات.

إن عملية تعزيز الغطاء القانوني لتصرفات الشرطة الأمريكية ومعها باقي الأجهزة الأمنية في مكافحة الإرهاب، خاصة في ظل قانون "باتريوت" والتعديلات على قانون مراقبة الاستخبارات الأجنبية، تعمل على المساعدة في إضفاء طابع مؤسسي على تدابير احتواء ومواجهة الإرهاب وتوفير مقياس للشرعية السياسية وتهدئة المخاوف العامة وتعزيز الثقة في وسائل مواجهة الإرهاب التي تستخدمها السلطة التنفيذية إلى جانب توفير ضمانات للشركاء الأجانب والانخراط في التعاون المشترك.  

ومن الأهمية بمكان إدراك الارتباط العملي بأن الوقت هو جوهر القدرة في عمليات مكافحة الإرهاب وأن السلطات القانونية يجب أن تُصاغ بطريقة تسمح بالمرونة لصناع القرار والسلطة التنفيذية بالتصدي للظروف دون تأخير. ومن المهم أن يكون هناك إشراف مناسب على استخدام السلطات التنفيذية لصلاحياتها لضمان حماية الحريات المدنية وحماية الخصوصية للأفراد. وأن أي استراتيجية أمريكية شاملة لمكافحة الإرهاب يجب أن تتضمن سياسات اقتصادية لتشجيع التنمية وإتاحة الفرصة للمهمشين للاندماج في المجتمع والمساعدة في التنمية في المناطق المصدرة للعناصر الإرهابية والفكر المتطرف. أضف إلى ذلك ضرورة تعزيز دور المجتمع المدني العالمي ووسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية في مكافحة عملية انتشار خطاب الكراهية والعنف، إلى جانب دور المؤسسات الدينية والتنشئة الاجتماعية، والعمل على تسوية الصراعات وتعزيز التعاون الدولي المخلص والأمين في تشارك المعلومات والاستخبارات.

طباعة
د. عادل عبد الصادق

خبير بوحدة الدراسات الأمنية والعسكرية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية