مقالات

الروهنجيا... قضية اضطهاد ديني أم أزمة تحول ديمقراطي؟

طباعة

ارتبط الفصل الأخير من أزمة مسلمي الروهنجيا في إقليم أراكان (راخين) بميانمار، والذي بدأت أحداثه في الإسبوع الأخير من شهر أغسطس 2017، بعدد من التطورات المهمة بالمقارنة بالفصول السابقة من هذه الأزمة. فبالإضافة إلى الاهتمام الإعلامي الواسع، والاهتمام الملحوظ من جانب عدد كبير من الدول، والمنظمات غير الحكومية، خاصة المعنية بحقوق الإنسان، كان التطور الأكثر أهمية هو التكييف القانوني الصادر عن المندوب السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، زيد رعد الحسين، في 11 سبتمبر 2017 أثناء افتتاح الدورة السادسة والثلاثين لمفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، والذي وصف معاملة الروهنجيا من جانب حكومة ميانمار بأنها "نموذجا كلاسيكيا لعملية تطهير عرقي". أضف إلى ذلك مناقشة القضية داخل مجلس الأمن، والذي انتهى إلى إصداره بيانه الرئاسي في 6 نوفمبر 2017، الذي أعرب فيه عن "قلقه الشديد" إزاء التقارير الصادرة بشأن انتهاكات حقوق الإنسان بولاية راخين، وطالب فيه حكومة ميانمار بعدم استخدام القوة العسكرية ضد الروهنجيا، ومحاسبة المسئولين عن انتهاكات حقوق الإنسان، واتخاذ إجراءات عاجلة لعودة اللاجئين إلى مناطقهم.  

وبصرف النظر عن عدم قدرة المجتمع الدولي على إجبار حكومة ميانمار على تغيير مواقفها –السياسية والقانونية- تجاه أقلية الروهنجيا، استنادا إلى تكييف المندوب السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان لهذه السياسة، ودونما أي دفاع أخلاقي عن هذه السياسية، فإن توصيف ما يحدث ضد الروهنجيا على أنه "تطهير عرقي" يثير تساؤلا عن الإطار الأنسب لفهم أزمة الروهنجيا، فهل ما يحدث في إقليم راخين هو مجرد اضطهاد ديني، أم أزمة عملية تحول ديمقراطي؟

واقع الأمر، لا يمكن فهم تفجر معضلة الروهنجيا خلال السنوات الأخيرة، خاصة منذ عام 2012، بمعزل عن مسار عملية التحول الديمقراطي التي بدأت في ميانمار في عام 2011، أي منذ حوالي سبع سنوات فقط، حيث تبدو ظاهرة العنف بأشكالها المختلفة؛ العنف الطائفًي والديني والقومي، ظاهرة لصيقة تقريبا بالمراحل الأولى من عمليات التحول الديمقراطي في المجتمعات ذات التعدديات القومية والدينية، كما هو الحال في ميانمار. وتزداد احتمالات هذا النمط من العنف في حالات وجود خبرة صراعية بين المكونات الدينية والقومية، أو وجود فجوة كبيرة في موازين القوى بين هذه المكونات، أو وجود أزمة ثقة بين النخب المختلفة، أو وجود تنظيمات متطرفة تغذي الصراع وتتبنى تصورات دينية أو عرقية حول مستقبل الدولة والمجتمع.

العديد من هذه الشروط تنسحب على حالة ميانمار، فمن ناحية، هناك خبرة صراعية تاريخية بين البوذيين والمسلمين في إقليم أراكان، الذي تحول إلى ساحة للمواجهة بين بريطانيا واليابان خلال مرحلة الحرب العالمية الثانية، حيث انحاز البوذيون إلى اليابان بينما انحاز مسلمو الإقليم (الروهنجيا) إلى بريطانيا. وقد ظلت حالة الاستقطاب والصراع تلك بين الجانبين حتى بعد انتهاء الحرب واستقلال بورما. من ناحية ثانية، هناك فجوة كبيرة في موازين القوى بين البوذيين والمسلمين في ميانمار بشكل عام، حيث تفتقد الأقلية المسلمة، والروهنجيا بشكل خاص، وجود أية مؤسسات سياسية أو اقتصادية أو ثقافية تعبر عن مصالحهم في مواجهة الأغلبية البوذية، وتضمن المشاركة في إدارة عملية التحول الديمقراطي الناشئة. وفي المقابل، فإن الأغلبية البوذية تمتلك ليس فقط المؤسسات السياسية والدينية التي تضمن التعبير عن مصالحها وتصوراتها السياسية والدينية، ولكن هناك -بجانب ذلك- العديد من التنظيمات الدينية البوذية المتشددة التي تسعى إلى فرض أيديولوجيتها وتصوراتها الدينية حول مستقبل الدولة والمجتمع، والدفاع عن مقولاتها الدينية خاصة مقولة "النقاء البوذي" أو الحفاظ على "الهوية البوذية" للمجتمع البورمي.

وهكذا، وعلى الرغم من نجاح العديد من دول المنطقة في بناء أنظمتها السياسية التي استطاعت التعامل مع حالة التعددية الدينية، والقومية، واللغوية (إندونيسيا، ماليزيا، الهند ...إلخ)، إلا أن تأخر بدء عملية التحول الديمقراطي في ميانمار بالمقارنة بدول المنطقة، أدى إلى تأخر حسم العلاقة بين المكونات العرقية والدينة للمجتمع البورمي، وتأخر بناء صيغة سياسية مناسبة للتعامل مع حالة التعددية القومية والدينية القائمة. 

الكثير من التقارير والتحليلات تتحدث عن تورط المؤسسات الرسمية في عمليات الاضطهاد السياسي والديني ضد الروهنجيا، لكن مع أهمية دور السياسات الرسمية لحكومة ميانمار في تكريس الوضع الراهن لأقلية الروهنجيا، لكن لا يمكن اختزال مسئولية تطور معضلة الروهنجيا في السياسات الحكومية، إذ لا يمكن إغفال دور العوامل الدينية، متمثلة في الأساس في تطور ما يمكن وصفه "بالتطرف البوذي" داخل المجتمع البورمي، والذي أخذ شكل ظهور مجموعة من التنظيمات الأيديولوجية البوذية المتشددة، والتي حظيت بنفوذ كبير داخل المجتمع البورمي، وشكلت مركز قوة مهم في مواجهة الحكومة والمؤسسات الرسمية، بما فيها الجيش. ويأتي على رأس هذه المنظمات "جمعية حماية العرق والدين" Association for the Protection of Race and Religion  والمعروفة بـ"ماباتا" MaBatha، ومنظمة "969" البوذية.

وقد نجحت هذه التنظيمات في الترويج للعديد من المقولات التي عززت من فكرة رفض دمج الأقلية المسلمة، بشكل عام، والروهنجيا بشكل خاص، داخل المجتمع البورمي. من ذلك، على سبيل المثال، مقولة أن إقليم راخين يمثل "البوابة الغربية" لميانمار، والتي جاء عبرها "الغزو الإسلامي" التاريخي لميانمار. ومن ثم- وفقا لتلك المقولة- فإن حماية ميانمار من موجات جديدة من هجرات المسلمين، يقتضي ليس فقط تمكين البوذيين من إقليم راخين، ولكن أيضا طرد بقايا البنغاليين (الروهنجيا) من الإقليم. وتصل هذه التنظيمات في تهديدها من هذا الخطر إلى حد القول بأنه لولا البوذيون المقيمون في راخين لانتهت البوذية ليس فقط في ميانمار ولكن في إقليم جنوب شرقي آسيا ككل. وبغض النظر عن دقة هذه المقولات، إلا أنه يتم استخدامها كفزاعة قوية ضد الروهنجيا وضد أية أفكار لدمجهم في المجتمع البورمي. أضف إلى ذلك وبالإضافة إلى هذه المقولات، هناك أيضا مقولة "النقاء البوذي" للمجتمع البورمي، التي يتم استخدامها لتبرير تجريد الأقلية المسلمة في بورما، من العديد من الحقوق، من ذلك حرمانهم من حق التملك وحق الزواج من الفتيات البوذيات، خوفا من إنجاب عدد كبير من الأبناء وإجبارهم على اعتناق الإسلام بشكل يهدد الطبيعة البوذية للمجتمع.

وهكذا، وعلى الرغم من الشعبية الكبيرة التي يحظى بها حزب "الجبهة الوطنية للديمقراطية" National League for Democracy بقيادة السيدة/ أونج سان سو تشي، التي ارتبط اسمها بتدشين عملية الإصلاح السياسي وعملية التحول الديمقراطي الناشئة في ميانمار، إلا أنها تحظى بإدراك سلبي من جانب المنظمات البوذية المتطرفة، وعلى رأسها منظمة "ماباتا"، حيث تنظر هذه المنظمات إلى حزب سو تشي على أنه حزب "علماني" "ليبرالي" ذي توجهات "غربية" لديه الاستعداد لدعم حقوق الأقليات والتنوع داخل المجتمع، على نحو يهدد "النقاء البوذي" للمجتمع البورمي. ومن ثم، فإن أي توجه من جانب الحكومة المدنية الحالية بقيادة حزب أونج سان سو تشي لتقويض شعبية هذه المنظمات أو إعلانها منظمات غير قانونية، قد يؤدي إلى حدوث اضطرابات شديدة داخل المجتمع البورمي، وتزايد احتمالات العنف ضد الأقلية المسلمة بشكل عام داخل ميانمار وليس ضد أقلية الروهنجيا فقط، بل وربما ضد مؤسسات الدولة، بالنظر إلى ما تتمتع به المنظمات البوذية المتشددة من درجة كبيرة من الشرعية بالمقارنة بالمؤسسة الدينية الرسمية، الأمر الذي قد يهدد "التجربة" الديمقراطية الناشئة، ويهدد فرص بقاء حزب "الجبهة الوطنية للديمقراطية" في السلطة، ويعدد المستقبل السياسي لـ"وأونج سان سو تشي"، وهو مسألة شديدة الحساسية بالنسبة للجبهة وسو تشي، بالنظر إلى علاقتهما المتوترة بالجيش ومع الأحزاب القريبة منه، والتي تسعى إلى العودة إلى السلطة مرة أخرى في أقرب انتخابات قادمة. فعلى الرغم من تصنيف الحكومة "جيش تحرير الروهنجيا- أراكان" Arakan- Rohingya Salvation Army (ARSA) منظمة إرهابية، إلا أن الحكومة لا تستطيع- إذا أرادت ذلك- اتخاذ الموقف ذاته فيما يتعلق بالمنظمات البوذية المتطرفة، كما لا تستطيع إقناع المؤسسة الدينية الرسمية اتخاذ قرار بحظر هذه المنظمات أو إبعادها عن الحياة السياسية، رغم ما تشكله هذه المنظمات من خطر على الاستقرار وعلى عملية التحول الديمقراطي الناشئة في البلاد.

بمعنى آخر، فإن صعود القومية البوذية والمنظمات البوذية المتطرفة، والتي تصاعد ظهورها مع بدء حالة الحراك السياسي منذ عام 2001، كان عاملا مهما وراء صعود ممارسات العنف ضد الروهنجيا.

في ظل هذه الأوضاع الداخلية، ليس من المتوقع أن تنجح الحكومة المدنية الحالية بزعامة أونج سان سو تشي في تغيير هذا الواقع الداخلي لأقلية الروهنجيا، بشكل خاص، أو الأقلية المسلمة في ميانمار بشكل عام – وذلك بافتراض قناعتها وسعيها إلى ذلك- بالنظر إلى علاقتها المعقدة والحساسة بالجيش، ونفوذ المؤسسة الدينية البوذية بشكل عام، والتنظيمات البوذية المتشددة بشكل خاص. فمثل هذه التحولات تحتاج إلى عمليات إصلاح سياسي وثقافي وديني تستغرق بطبيعتها فترات طويلة زمنية طويلة، وتحتاج لنجاحها شروطا محددة.

بالطبع نحن هنا لا ندافع عن سياسات حكومة ميانمار ضد أقلية الروهنجيا، أو البحث عن تبريرات لتلك السياسات، بقدر ما حاولنا فهم أحد مكونات الواقع الذي أفرز هذه السياسات، ومن ثم بعض الصعوبات التي تواجه تغييرها.

طباعة
د.محمد فايز فرحات

رئيس برنامج الدراسات الآسيوية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية