مقالات

الأحزاب والانتخابات الرئاسية

سعيد عكاشة * 3195 4-2-2018
طباعة

مع نهاية المدة القانونية التي يُسمح فيها للمواطنين وتمثيلاتهم السياسية (الأحزاب تحديدًا) بالتقدم لخوض سباق الرئاسة المصرية، أصبح الرئيس عبد الفتاح السيسي ورئيس حزب الغد مصطفى موسى، المرشحين الوحيدين المتنافسين على مقعد رئاسة مصر للسنوات الأربع القادمة. عكست هذه النتيجة حقيقة عجز الأحزاب السياسية المصرية التي يتجاوز عددها حاليا المائة حزب عن أداء دورها الأساسي، وهو أن تكون الإطار الأهم للمنافسات السياسية، سواء على مقعد رئاسة الدولة أو في انتخابات البرلمان والانتخابات المحلية وانتخابات الروابط والتجمعات الأهلية. الرئيس السيسي يخوض الانتخابات استنادا إلى التوكيلات التي حصل عليها أنصاره، بينما يخوض منافسه مصطفى موسى السباق بعد تمكنه من الحصول على تزكية 20 عضوا في  البرلمان، وبعد أن كان قد أعلن في السابق تأييد حزبه للرئيس السيسي في الانتخابات المقبلة. 

مما لا شك فيه أن البيئة السياسية والأوضاع العامة، خاصة الاقتصادية والأمنية، قد لعبت دورًا لا يمكن إنكاره في جعل السباق الانتخابي محصورا بين مرشحين اثنين فقط، لكن ذلك لا يعفي الأحزاب السياسة - خاصة الأحزاب التسعة عشر الممثلة في البرلمان - من مسئولية تحول المشهد الانتخابي الخاص بأعلى منصب في الدولة إلى مشهد مثير للجدل، سمح لأساطير وأوهام عديدة أن تصنع لها قدرا من الشرعية الزائفة في تفسيره.

ضعف الأحزاب السياسية... ظاهرة عالمية

بعيدًا عما تثيره أحزاب المعارضة المصرية - منذ التجربة الحزبية الثانية في التاريخ المصري الحديث والتي بدأت منتصف السبعينيات من القرن الماضي - من تبريرات لضعفها، وعلى رأسها انغلاق المجال السياسي، بعيدًا عن ذلك فإن الحقيقة المثيرة أن هناك حالة تراجع ملحوظة في حجم عضويات الأحزاب السياسية في الديمقراطيات الغربية عامة، وتراجع أكبر في ثقة الجمهور بها. ولم يكن فوز دونالد ترامب، الذي لم يكن عضوا بالحزب الجمهوري الأمريكي، في الانتخابات الأولية على منافسين ينتمون قلبا وقالبا للحزب، كما لم يكن تمكن بوبي ساندرز، غير المنتمي للحزب الديمقراطي الأمريكي، من المنافسة حتى اللحظات الأخيرة على مقعد مرشح الحزب للانتخابات الرئاسية في مواجهة عضوة الحزب العتيدة هيلاري كلينتون، ولم يكن فوز ترامب غير المنتمي حزبيا في النهاية على كلينتون.... لم تكن كل هذه الوقائع إلا مؤشرات على حالة الأزمة التي تعيشها الأحزاب السياسية في العالم بشكل عام منذ ثمانينيات القرن الماضي على الأقل. ففي كتابه متلازمة الفساد: الثروة والسلطة والديمقراطية، يشير مايكل جونستون، إلى حقيقة أن الإقبال على المشاركة السياسية من خلال الأحزاب يبدو متوسطا في القارة الأوروبية وفِي الولايات المتحدة واليابان، وأن هناك نزعة متزايدة من جانب أغلب مواطني هذه الدول للنظر إلى العملية السياسية بالإجمال، وإلى وضع الأحزاب السياسية بشكل خاص، على أنها أمور تشوبها تأثيرات الفساد الناتج عن سطوة المال والنفوذ الاقتصادي لفئات قليلة في المجتمع، مع تحول الديمقراطية إلى مجرد لعبة تديرها أطراف بعينها ويصعب على الجمهور الواسع التعامل معها.  

الخبرة المصرية

وَمِمَّا لا شك فيه فإن التجربة الحزبية المصرية، وبغض النظر عن السياق العالمي، كانت مأزومة على الدوام سواء في عهدها الأول (1906- 1953) أو في عهدها الثاني الذي يمتد من عام 1976 وحتى الآن. ففي المرحلة الأولى تشكلت معظم الأحزاب على قاعدة التنافس على من يكون الأقدر على تحقيق الاستقلال الوطني وتحقيق العدالة الاجتماعية. وانتهت هذه التجربة بثورة 1952 نتيجة فشل هذه الأحزاب في تحقيق هذه الأهداف. أما المرحلة الثانية، ورغم تنوع برامج الأحزاب التي ظهرت خلالها  فقد انتهت بأزمة جمود سياسي امتدت لنحو ثلاثين عاما تفجرت على إثرها ثورة 25 يناير. ورغم اتساع حرية الأحزاب وزيادة عددها عقب ذلك، إلا أنها فشلت في مواجهة جماعة الإخوان المنحلة وتوجهاتها الفاشية بعد سيطرتها على البرلمان ومنصب رئيس الدولة لمدة عام كادت خلاله أن تدفع بالبلاد إلى حافة الحرب الأهلية، وانتهى الأمر باندلاع ثورة يونيو 2013.

وتغلب على أحزاب المعارضة توجيه الاتهامات للنظم التي حكمت مصر منذ عبد الناصر وحتى الرئيس السيسي، بأن هذه النظم كانت السبب الرئيسي في ضعفها، وبالتالي في ضعف الحياة السياسية إجمالا، وهو اتهام لا يكون موضوعيا أو منصفا دون تحديد لنصيبها هي (أي الأحزاب) في صناعة هذا الضعف ودون قيامها بإجراء نقد ذاتي لنفسها. فعلى سبيل المثال، لا نجد أيا من الأحزاب السياسية الحالية قد قدم تقريرا شفافا عن الأزمات والانشقاقات الداخلية فيه، والأسباب التي قادت إلى ذلك، والأهم: التأثيرات التي تركتها هذه الأزمات عليها وعلى مدى قدرتها على التركيز على مهامها الأكبر مثل تثقيف أعضاء الحزب وتجنيد أعضاء جدد وإجراء انتخابات داخلية شفافة قبل أن يسألها الناخبون عن مدى قدرة أي منها على تحقيق أهدافه في الوصول إلى السلطة وتنفيذ برامجه بواسطة فوزه في الانتخابات. لقد ذكر أحد قادة التجمع (طلب عدم ذكر اسمه) أن عضوية الحزب الذي يزيد عمره على الأربعين عاما (تأسس عام 1976) لا تزيد عن ستة آلاف عضو، ولا ينشط منهم عمليا في أنشطة الحزب سوى 20٪ منهم. 

وحتى استغلال القانون الانتخابي الذي يسمح لأي شخص يحظى بتأييد عشرين عضوا في البرلمان بأن يترشح للرئاسة، لم يجري استغلاله من جانب أحزاب تمتلك عدد مقاعد أكبر من هذا العدد (تمتلك أحزاب المصريين الأحرار، مستقبل وطن، الوفد 65، 52، 46 مقعدا على التوالي). كما كان بوسع ستة عشر حزبا آخر ممثلة في البرلمان أن تشكل ائتلافات فيما بينها أو أن تتفق على تأييد مرشح لرئاسة الدولة من إحداها أو بالاتفاق فيما بينها على تأييد شخصية معينة من خارج البرلمان ومن خارج الأحزاب. 

إن الإصرار من جانب أحزاب المعارضة على المبالغة في دور الدولة في تضييق المجال السياسي ومنع الأحزاب من ممارسة أنشطتها رغم إدراكها (أَي هذه الأحزاب) أن العمل السياسي لا ينبغي أن يتم اختزاله في حرية التظاهر فقط، ورغم إدراكها لمدى التحديات التي تفرضها الجماعات الإرهابية على الدولة والمجتمع حاليا... هذا الإصرار يمكن تفسيره على أنه نوع من التهرب من مسئولية النقد الذاتي الذي كان يمكن لو تمت ممارسته أن يٌظهر بوضوح أن المجال السياسي لم يكن مغلقا تماما في أَي وقت على مدى أربعين عاما، بل كانت هناك مساحات - حتى ولو محدودة - لم يجر استغلالها. كما أن الادعاء بمصادرة حرية التعبير اعتمادا على أسطورة تحالف الدولة مع رجال الأعمال على احتكار وسائل الإعلام، لا ينهض على أساس قوي في ظل عصر السوشيال ميديا التي يمتلك أكثر من 35 مليون مصري حسابا عليها، وهي وسائط محررة بشكل كبير ولا تسيطر عليها الدولة، بل إن الإعلام التقليدي لم يتمكن من إنجاح هيلاري كلينتون في الانتخابات الأمريكية الأخيرة رغم انحياز 90٪ منه لها، بينما نجح خصمها ترامب في هزيمتها مستندا إلى قوته في مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة تويتر. 

من ناحية أخرى، تكشف المقولة التي تتردد على ألسنة المعارضين الحزبيين وغير الحزبيين، وهي أن على الدولة أن توفر للأحزاب وللقوى السياسية الأجواء التي تمكنها من المساهمة بفاعلية في الحياة السياسية... تكشف هذه المقولة عن حالة استدعاء غير واعي لفكرة الدولة الأبوية التي توفر لمواطنيها كل احتياجاتهم دون مسؤلية من جانبهم لتوفير الموارد اللازمة لذلك، فليس من المفهوم أن يختار المعارضون لغة العنف والإهانات للنظام كأسلوب للحوار السياسي في وقت يجب عليهم فيه إدراك أن لغة الشعارات وأحكام القيمة المطلقة لا يمكنها أن تمد المجال السياسي بموارد حقيقية لتنميته وتطويره، كما لا يمكن فهم عملية التهوين من المخاطر التي تمر بها البلاد في ظل تحدي الإرهاب المدعوم من جهات خارجية والادعاء بأن النظام يستخدم ذلك كفزاعة لمنع التطور الديمقراطي!!! دون النظر إلى الحقائق الماثلة على أرض الواقع من عمليات إرهابية تم تنفيذها وأسقطت آلاف الضحايا من الجيش والشرطة والمواطنين الأبرياء. 

إن التهوين من هذه المخاطر وعدم التفات الأحزاب والقوى المعارضة إلى مخاوف قطاع لا بأس به من المجتمع المصري من العودة إلى حالة الفوضى وعدم الاستقرار السياسي والأمني بعد ثورة 25 يناير، يعني بكل وضوح أن هذه القوى تعتبر خوفها على الديمقراطية له شرعية أكبر من خوف الجمهور، خاصة البسطاء وأبناء الطبقة الوسطى من الفوضى، رغم أن درس "ركوب" جماعة الإخوان للثورة وسعيهم لتأسيس حكم فاشي ما يزال ماثلا في ذاكرة الجميع. 

وأخيرا، فإن فرصة المراجعة ونقد الذات في وقت مبكّر مع بدء أحزاب المعارضة في التفكير الجدي في كيفية مشاركتها في انتخابات عام 2022، على أسس واقعية وعملية، تستدعي الرهان على إعداد الكوادر وخلق التجانس الداخلي وإدخال مخاوف قطاع من الجمهور في حسابات القرار الحزبي والسياسي خلال الأربعة سنوات القادمة، على أن يكون تقديمها المرشح الرئاسي المحتمل قبل حلول موعد الانتخابات الرئاسية القادمة بعام على أقل تقدير.

طباعة
سعيد عكاشة

باحث مشارك - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية