متابعات تحليلية

العملات الافتراضية... إلى أين؟

طباعة

أثار تنامي استخدام عملة "بتكوين" الرقمية جدلا واسعا خلال الفترة الأخيرة، وطُرحت العديد من التساؤلات حول ماهية هذه العملات، وسماتها وآليات عملها، وموقف الحكومات منها، والفرص والمخاطر المحتملة المرتبطة بهذه العملات؟ خاصة ما التطورات المتسارعة في مجال التطبيقات الخاصة بالأمن السيبراني. وقد أخذ هذا الجدل في مصر منحى مهم بعد إصدار الدكتور شوقي علام، مفتي الجمهورية، في الأول من يناير 2018، فتوى تحرّم استخدام عملة "بتكوين" الرقمية لما تنطوي عليه من مخاطر عالية على الأفراد والدول، وقال في بيان له إنه "لا يجوز شرعًا تداول عملة البتكوين أو التعامل من خلالها بالبيعِ والشراءِ والإجارةِ وغيرها، بل يُمنع من الاشتراكِ فيها؛ لعدمِ اعتبارِها كوسيطٍ مقبولٍ للتبادلِ من الجهاتِ المخُتصَّةِ، ولِمَا تشتمل عليه من الضررِ الناشئ عن الغررِ والجهالةِ والغشِّ في مَصْرِفها ومِعْيارها وقِيمتها، فضلًا عما تؤدي إليه ممارستُها من مخاطرَ عاليةٍ على الأفراد والدول".

تطور العملات الافتراضية

تاريخيا يفضل مستخدمو العملات العمليّات الآمنة داخل نظام مستقر، ومرن وسهل الاستخدام. وقد استُخدمت العملات الذهبيّة منذ فترة زمنية طويلة كمخزن للقيمة، ووحدة حساب، ووسيط للتبادل، فهي سلعة ذات قيمة في حدّ ذاتها. وكانت إمدادات الذهب في العالم وفيرة بما فيه الكفاية للحفاظ على استخدامها كعملة. ورغم أنّ معظم العملات القائمة على السلع الأساسيّة قد حافظت على قِيَم مستقرّة، بيد أنها كانت عرضة لتقلّبات في القيمة تتخطّى سيطرة أيّ من السلطات النقديّة، ذلك أنّ أساس قيمة العملة يعكس العرض والطلب على السلعة. وعلى مرّ الزمن، حولّت معظم الدول عملاتها من تلك القائمة على السلع الأساسيّة إلى العملات الورقيّة. هذه العملات هي عملات رسميّة صادرة عن السلطة المركزيّة لتكون عملات قانونيّة ليس لها أيّ قيمة ذاتيّة، وتكون قابلة للتحويل إلى سلعة مثل؛ الذهب وفقاً لتقدير السلطة المركزيّة. وبالتالي، فإنّ قيمة العملات الورقيّة ترتكز على ثقة مستخدميها بأن السلطة المركزيّة ستكون قادرة على الحفاظ على قيمة العملة. ويعتمد استقرار العملات الورقيّة على سياسات الاقتصاد الكليّ للحكومات، بيد أنها قد تواجه تقلّبات كبيرة - خلال فترات التضخم –فقد قيمتها كليّاً في بعض الأوقات.

وقد أحرز التقدم المرحلي الأول نحو العملات الافتراضية من قبل باحث التشفير"دايفيد تشوم" David Chaumالذي استخدم عملات رمزيّة مشفّرة غير قابلة للتعقّب "الاتجار الإلكتروني بالذهب" عام 1996. ثم أصبحت العملات الافتراضية شائعة وبشكل متزايد في السنوات الأخيرة، ولكن حتى الآن، لم تتحول هذه العملات إلى عملات ورقيّة، ولم تعتمد أيّاً منها كعملة رسميّة، ومع ذلك فقد تم تصميمها لتكون بمثابة مخزن للقيمة، ووحدة حساب، ووسيط للتبادل داخل مجتمع لا يشغل بالضرورة وحدة جغرافية أو سياسيَّة واحدة. وبالتالى تتلخص فكرتها الجوهرية في خلق نظام يخلق بدوره مناخا من الثقة اللازمة لتبادل المعاملات بشكل ثنائي ما بين الأفراد من خلال استخدام التكنولوجيا بدون الرجوع لسلطة مركزية.

تتسم العملات الافتراضية بالعديد من الخصائص أهمها: العالمية؛ فهي لا ترتبط بنطاق جغرافي معين، ولا تنتمي لدولة معينة، ولا يقوم بطباعتها بنك مركزي معين. وعلى خلاف التعاملات البنكية الاعتيادية فإن عمليات البيع والشراء تتسم بالسرية والأمان، ولا يمكن مراقبتها أو التدخل فيها، كما يمكن امتلاك العديد من حسابات والمحافظ بدون أن تكون متصلة باسم أو عنوان. ومن الخصائص المهمة لهذا النمط من العملات أيضا سرعة تحويل المال وانخفاض قيمة الرسوم؛ فبدلا من الحاجة إلى وسيط لنقل المال، الذي يقوم بخصم نسبة من المال، تتم هذه العملية من خلال كود العملة بدون وسيط و تسمى بـ P2P أو الند بالند. إلى جانب أنه لا يمكن تجميدها أو مصادرتها ويمكِنُ مبادلتها بالعُملاتِ الورقيةِ مِثلِ الدولارِ واليورو من خلال عملياتٍ مُشفَّرةٍ عبرَ الإنترنت. أضف إلى ذلك أيضا صعوبة التعقب والتي تعد من أهم الميزات التي تجعل هذا النمط من العملات جاذبة للعناصر الإرهابية، وجماعات الجريمة المنظمة، وغسل الأموال، وتجارة المخدرات والأسلحة، حيث يصعب تعقب تلك المعاملات بغرض تحديد الأطراف، والجهات المتعاملة، وغموض السلع والمنتجات المستخدمة في عملية التبادل.

العملة الافتراضية الإلكترونية الأكثر انتشارا حتى الآن هى "البتكوين" Bitcoin، والتى طُرِحت للتداول في الأسواق المالية منذ عام 2009، على يد شخص أطلق على نفسه الاسم الرمزي  ساتوشي ناكاموتو Satoshi Nakamoto، وهي عبارة عن وحداتٍ رقَمية مُشَفَّرة ليس لها وجودٌ فيزيائيٌّ في الواقع. كما أنها غيرُ مغطَّاةٍ بأصولٍ ملموسةٍ، ولا تحتاج في إصدارها إلى أي شروطٍ أو ضوابطَ، وليس لها اعتمادٌ ماليٌّ لدى أيِّ نظامٍ اقتصادي مركزي، ولا تخضعُ لسلطات الجهات الرقابية والهيئات المالية؛ لأنها تعتمدُ على التداول عبر الشبكة العنكبوتية الدولية (الإنترنت). وهى أداةً ماليةً يميلُ سِعرُها إلى التّقلُّبِ، فقد ارتفعت قيمتُهُا، حيث كان الدولارُ يساوي 1000بتكوين عند صُدورِه عام 2009، وتجاوزت قِيمتُه الـ 1090 دولار لِيقترِب من سعرِ الذهبِ، وفي أواخر عام 2017 وصل إلى حوالي 20 ألف دولار للبتكوين، لكن سرعان ما هبط إلى معدل 13 ألف دولار بعد التحذيرات المتتالية من استخدام هذه العملة، إضافة إلى عمليات القرصنة الإلكترونية، ما أدى إلى حدوث انخفاض كبيرفي قيمتها.

وتُصدر هذه العملة من خلال عملية يُطلق عليها "تعدين البتكوين" Bitcoin Mining، حيث تعتمد في مراحلها على الحواسب الإلكترونية ذات المعالجات السريعة عن طريق استخدام برامج معينة مرتبطة بالشبكة الدولية للمعلومات (الإنترنت)، وتُجرى من خلالها جملة من الخطوات الرياضية المتسلسلة (الخوارزميات)، والعمليات الحسابية المعقدة والموثقة؛ لمعالجة سلسلة طويلة من الأرقام والحروف وخَزْنها في مَحَافِظَ (تطبيقات) إلكترونية بعد رقْمنتها بأكواد خاصة، وكلما قَوِيت المعالجةُ وعَظُمَت زادت حصةُ المستخدم منها وفق سقفٍ مُحَدَّدٍ للعدد المطروح للتداول منها، حيث إن الحد الأقصى لتداولها هو 21 مليون بتكوين.

وتتم عملياتُ تداول هذه العملة بشبكة "الند للند" P2Pبين المستخدمين من محفظةٍ إلى أخرى دون وسيطٍ أو مراقبٍ من خلال التوقيع الإلكتروني عن طريق إرسال رسالة تحويل مُعَرَّف فيها الكود الخاص بهذه العملة وعنوان المُستلم، ثم تُرْسل إلى شبكة "البتكوين" حتى تكتملَ العمليةُ وتُحْفَظَ في دفتر حسابات موزع وعام  يُعرف بسلسلة الكتل Block Chain، من غير اشتراط للإدلاء عن أي بيانات أو معلومات تفصح عن الهوية الشخصية للمتعامل.

وبخلاف البتكوين هناك عملات افتراضية أخرى أبرزها؛ عملة "اللايتكوين" التي وصلت قيمتها السوقية إلى حوالي 19.53 مليار دولار، وارتفعت بأكثر من 9% حتى 19 ديسمبر 2017، ويطلق على اللايتكوين اسم "فضة البتكوين" والتى أنشأت عام 2011 بهدف إنتاج المزيد من النقود المعدنية بحد أقصى 84 مليون عملة، في حين أن البتكوين لديها 21 مليون عملة كحد أقصى. بينما وصلت قيمة  "البيتكوين كاش" إلى 37.08 مليار دولار على الرغم من انضمامها حديثا إلى العملات الافتراضية وبالتحديد في أغسطس 2017. ومن العملات التي لفتت الانتباه أيضا في الآونة الأخيرة، نجد "نيو" التي أطلق عليها اسم "إثريوم الصين"، وتبلغ قيمة نيو السوقية 5.01 مليار دولار، وسجلت في عام 2017 ارتفاعا بنحو 69%. ويتم حاليا تبادل 65 مليون قطعة نقدية من أصل 100 مليون معروضة في السوق. أما عملة "مونيرو" فقد تم إنشاؤها من قبل طرف مجهول على غرار البتكوين، ووصلت قيمتها السوقية إلى 5.9 مليار دولار، وسجلت ارتفاعا في ديسمبر 2017، بحوالي 3.03%. وتتميز بنظام تشفيرها العالي حيث إنه يصعب الكشف عن هوية المرسل أو المتلقي أو حجم الصفقة، وهو ما جعل الأغلب يعتقد أن هذه العملة سيقع استغلالها في المعاملات غير المشروعة. وعلى عكس "اللايتكوين" و"البيتكوين"، فإن "مونيرو" ليس لديها حجم محدد من العملات النقدية المعروضة. أما عملة  "الريبل"  فقد وصلت قيمتها السوقية إلى 29.66 مليار دولار، وحققت في عام 2017 ارتفاعا بنسبة 12%، وتستعمل عملة الريبل للربط بين البنوك وخدمات الدفع وتبادل الأصول الرقمية والشركات. ويتم حاليا تبادل حوالي 38.7 مليار دولار من إجمالي الحد الأقصى المتاح بواقع 100 مليار دولار، وهو أكثر بكثير من باقي العملات الافتراضية.

اللافت للنظر أن هذه الثورة في مجال العملات الافتراضية في حال استمرارها -وهو احتمال مرشح بقوة نظرا لتزايد أعداد المستثمرين بها- قد تفضي بشكل حقيقي إلى القلق على ودائع البنوك كونها تشجع المستثمرين بدون الالتفات للأخطار المتعلقة بخيار شراء هذه العملات التي تتأثر بعوامل العرض والطلب. وفي تقرير مركز كامبريدج للتمويل البديل قدرت إحصائيات عدد المستخدمين النشطين في مجال العملات الإلكترونية بـ 3 ملايين شخص حول العالم خلال النصف الأول من عام 2017.

من العوامل الأخرى التي تتحكم في سعر العملات الافتراضية هو أن العديد من المستثمرين في قطاع العملات لجأوا إليها كعملات بديلة وملاذ آمن عند حدوث تقلبات في أسعار العملات التقليدية مما أسهم في صعود قيمتها بالشكل الكبير الذى حدث ولا زال مستمرا.

مواقف متباينة

كانت ألمانيا في مقدمة الدول التي اعترفت رسميا بعملة البتكوين كنوع من النقود الإلكترونية، وهو ما يسمح للحكومة الألمانية بفرض ضرائب على الأرباحِ التي تُحقِّقها الشركاتُ التي تتعامَل بالبتكوين، مع إعفاء المعاملات الفردية من هذه الضرائب. والأمر ذاته بالنسبة لليابان، الأمر الذي يعزز موقع هذه العملات، ويفتح الباب أمام مزيد من التنظيم الرقابي عليها. في حين تحظر أغلب الدول – وفي مقدمتها روسيا والصين - التعامل بهذه العملة على اعتبار أنها "مواد للمضاربة" والتهرب الضريبي، وتتمسك بتطبيق جميع قواعد مكافحة المعاملات غير القانونية عليها، خاصة أنه يتم استخدامها في عمليات مشبوهة. وقامت أغلب الدول العربية بإعلان إجراءات ضد هذه العملات، سواء بمنع تداولها أو إطلاق الفتاوى الدينية من بعض المرجعيات لتثبيط الأفراد عن استخدامها أو الاستثمار فيها. بيد أن بعض هذه الدول بدأت - مؤخرا- في استخدام البتكوين بشكل طفيف، حيث أعلن عن  قبول هذه العملة، للمرة الأولى، في الأردن، في أحد المقاهي في العاصمة عمان، ثم في مطعم بيتزا، وصراف آلي في دبي، وبعدها في شركة أنظمة معلومات في فلسطين، وأيضا في سوق السفير بالكويت. وبشكل عام، لا تشير الوقائع إلى أية تحركات بخلاف التحذيرات، واتخاذ إجراءات لمنع التداول بهذه العملات فقط بينما لم تلجأ وزارات المالية أو البنوك المركزية إلى أى خطوات على الأقل لحساب قيمة التعاملات، أو مدى انتشار الاستثمار في هذه العملات الافتراضية، وجدوى الاستفادة منها.

وفى حين يرى البعض أن الاعتراف الرسمى بهذه العملات يحمل جانبا إيجابيا يتمثل في إسباغ الشرعية عليها، يرى آخرون أن هذا قد يفتح الباب أمام المزيد من تنظيم العملة وربطها بالسياسات الحكومية الرسمية، وهو ما يتعارض مع فلسفة العملات الافتراضية من عدم خضوعها لأى جهة. وبالتالي فالاعتبارات المختلفة لطبيعة البيتكوين على مستوى العالم بين اعتباره عملة، أو سلعة أو أصل مالي أو أداة استثمار غالبا ما ترتكز على طبيعة استعماله في حدود البلد.

جدير بالذكر أن هذه العملات تنتظر قرارات حكومية بشأنها، وعلى رأس هذه الدول (بريطانيا، والنمسا، والهند)، وهي دول صرحت بأنها على مشارف إطلاق تشريعات منظمة لتداول العملات الرقمية، وأنها أيضا في حاجة لوضع الضوابط القانونية لمنع استخدام العملات الرقمية في أعمال مخالفة للقانون أو كوسيلة للتهرب الضريبي.

فرص وتحديات

فرضت العملات الافتراضية واقعا جديدا على ساحة الاستثمار الدولية، حيث تباينت آراء المستثمرين ما بين مؤيد ومعارض لتداول العملة الافتراضية الأشهر "البتكوين" وسط حماس المستثمرين للربح السريع من جهة، وتحذيرات ومخاوف الخبراء من جهة أخرى، حول مستقبل التداول فيها والتي قد لا تظهر عادة في الاستثمارات التقليدية، واحتمالات وجود فقاعة سعرية، سوف تحدث معها أزمات اقتصادية نتيجة تغير قيمتها بشكل حاد، وعدم استقرارها مقارنة بالعملات الأخرى، ولكونها مجهولة المنشأ، كما أن تعدينها يُعد عملية صعبة للغاية تتطلب وقتا وتكلفة وأجهزة ذات كفاءة عالية.

وقد يواجه التشجيع على اعتماد العملات الافتراضية تحديّات كبيرة من حيث قبول المجتمع بها كعملة جديدة لا تتمتّع بخلفيّة تاريخيّة، وبالتالي قد تفتقر إلى الشرعيّة كونها عملة لا تتمتّع بتمثيل ملموس على شكل ورقة أو نقود في المجتمعات التي اعتادت أن يكون المال فيها ماديّاً. قد يتم التغيّير في المواقف عندما تصبح التكنولوجيا التي تقوم عليها هذه العملات الافتراضية أكثر شيوعا وجدارةً بالثقة. إضافةً إلى ذلك، في المكان الذي تكون فيه العملة الافتراضية الوسيلة الوحيدة للقيام بعمليّات التحويل، قد ترغم الحاجة الاقتصاديّة الناس على القبول بالعملات الافتراضية.

ورغمَ أنّه قد يكون من الطبيعي وجود عملات افتراضية تفيد التعاملاتِ الاقتصاديةِ في الوقت الراهن، خاصة مع تزايُدِ التعاملات الإلكترونية بصورةٍ كبيرةٍ؛ إلاّ أنّ التعامُلَ بعُملةٍ افتراضيةٍ يُصدِرُها أشخاصٌ مجهولو الهُوية، في ظل عدم وجود أى سلطة مالية تراقبها يؤدي إلى استخدامها في عمليات غسيل الأموال أو تجارة المخدرات أو تحويلِ أموالٍ ناتجةٍ عن عملياتِ الجريمةِ المنظَّمةِ، وهي بذلك تُسهِمُ في زيادةِ عملياتِ النَصْبِ والاحتيالِ المالي، هذا بالإضافةِ إلى مخاطرها الاقتصادية المتمثِّلة في تهديدِ الاستقرارِ النقديِّ في الدولِ التي ينتشر استخدامها فيها.

وبينما تستند قيمة العملات التقليدية على الذهب أو الفضة، تحدد قيمة "بتكوين" بناءً على حجم المضاربات، وإقبال الناس على تداول هذه العملة، والتعامل بها فيما بينهم كبديل للنقود العادية؛ التماسًا للاستفادة من مزاياها. وعلى الرغم من كون هذه السوق هي أكبرَ الأسواقِ المالية مخاطَرَةً، فهي أيضًا أعلاها في معدلات الربح، وهذه السمة هي التي يستعملها السماسرة ووكلاؤهم في جذْب المتعاملين والمستثمرين لاستخدام هذه العملات، مما يؤدي إلى إضعاف قدرة الدول على الحفاظ على عملتها المحلية والسيطرة على حركة تداول النقد، واستقرارها، وصلاحيتها في إحكام الرقابة، فضلًا عن التأثير سلبًا بشكل كبير على السياسة المالية للدولة، وحجم الإيرادات الضريبية المتوقعة، مع فتح المجال أمام التهرُّب الضريبي.

أضف إلى ذلك التحديّات التقنيّة التي تواجه نشر عملة افتراضية ومدى الإلمام التكنولوجي اللازم لتطويرها، ومهارات ربط الشبكات، والحوسبة، وتقنيّات التشفير. وفيما قد يكون الحاسوب كافياً للقيام ببعض عمليّات تحويل العملة الافتراضية، سيحتاج مستخدمو العملة الافتراضية، لإتاحة التحويلات اليوميّة، إلى عدد أكبر من الأجهزة المحمولة التي تتمّ من خلالها عمليّات التحويل. وعلى عكس عمليّات تحويل العملة الورقيّة، تشكّل تركيبة هذه التحويلات المعقّدة الحاسوبيّة عائقا أمام النشر، لأنّ المستخدم العاديّ قد لا يملك الوسائل الماديّة المستعملة التي تخوّل له القيام بعمليّات التحويل اليوميّة، خاصة أن الضعف التقني بسبب تأخر الوقت في تأكيد المعاملات يؤدي إلى أن استخدام المبالغ أكثر من مرة في عمليات أخرى، خلال هذه الثواني القليلة، كما يمكن لشخص غير نزيه أن يقدم دفعة ثانية أو المبلغ نفسه لمستخدم آخر والحصول على حصة غير عادلة، عكس البنوك التقليدية، التي يتم تأمين الخسائر جزئيا للعملاء.

مما لا شك أن استخدام العملات الافتراضية يزيد من عمليات تهريب الأموال واستخدامها كغطاء لعمليات غسيل الأموال وأيضا يعرض مستخدميها إلى عمليات القرصنة الإلكترونية، لذلك فإن مخاطر استخدام العملة كبيرة، ولكن إذا ما تم تنظيمها من قبل الحكومات المركزية أو حتى إنشاء هيئة دولية تقوم بدور التنظيم والرقابة على العملة، وفرض الرسوم والضرائب وغيرها من الإجراءات الحمائية، ستتحول العملة الافتراضية إلى كونها عملة آمنه تماما تسهم في خلق بيئة أعمال جديدة تسهل عمليات التجارة بشكل أسرع وآمن.

إنّ العناصر الرئيسة التي تستلزم التطور هي العملة بحدّ ذاتها بما في ذلك خيارات التصميم المهمة والمتعددة، ووسائل اكتساب العملة والحفاظ عليها وتحويلها كجزء من العمليّات الماليّة بما فيها الوسائل الماديّة التي تستطيع أن تدعم هذه التحويلات كالهواتف الذكيّة، والخدمات المالية الكافية للدفع اللاحق، وأنظمة عمليّات الدفع المباشر لدعم الخدمات جميعها بطريقة آمنة ومرنة.

خلاصة القول، إن ظاهرة العملات الافتراضية لازالت تحتاج إلى دراسة عميقة، بالنظر إلى أبعادها الفنية الدقيقة؛ إضافة إلى الحاجة الشديدة لضبط شروط هذه المعاملة والتكييف الصحيح لها، فضلا عما تتسم به سوقِ صرفِ هذه العملات عن غيرها من الأسواق المالية من كونها أكثرُ هذه الأسواق مخاطرةً على الإطلاق؛ حيث ترتفع نسبةُ المخاطرة في المعاملات التي تجري فيها ارتفاعًا يصعب معه - إن لم يكن مستحيلًا- التنبؤ بأسعارها وقيمتها؛ فهي متروكةٌ لعوامِلَ غيرِ منضبطةٍ غير مستقِرَّة، كأذواق المستهلكين، مما يجعلها سريعةَ التقلُّب وشديدةَ الغموضِ ارتفاعا وهبوطا.

طباعة
د. إيمان مرعى

خبير - مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية