مقالات

الانسحاب الأمريكي من الشراكة عبر المحيط الهادئ... أفول العولمة الغربية؟

طباعة

كان أبرز ما شهدته القمة الأخيرة لمنتدى آبك APEC هو إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انسحاب بلاده بشكل نهائي من اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ Trans-Pacific Partnership Agreement (TPP) الذي كان قد تم توقيعه في عام 2015 بين اثنى عشرة دولة من الدول الأعضاء بالمنتدى (ضم بالإضافة إلى الولايات المتحدة كلا من أستراليا، بروناي، كندا، شيلي، اليابان، ماليزيا، المكسيك، نيوزيلندا، بيرو، سنغافورة، فيتنام)، بهدف تسريع عملية التكامل الاقتصادي وتحرير التجارة فيما بينها، وهي مسألة مقبولة بها في إطار ما اتسمت به تجارب الإقليمية الجديدة من الأخذ بما يعرف بمنهج "السرعات المتباينة"، بمعنى إمكانية تبني عدد من الدول الأعضاء مشروعا للتكامل أو تحرير التجارة أسرع من باقي الأعضاء، وفقا لظروفهم الاقتصادية.

الانسحاب الأمريكي من الاتفاق يسبق قمة آبك، إذ يعود إلى ما قبل وصول ترامب إلى البيت الأبيض، عندما أعلن في 21 نوفمبر 2016 ما وصفه باستراتيجية "أمريكا أولا"، من خلال إعادة التفاوض العادل حول الاتفاقات التجارية الثنائية التي تجلب الوظائف وتعيد الصناعة إلى الولايات المتحدة". وكجزء من هذا التوجه، تعهد ترامب بالانسحاب من الاتفاق في أول يوم له داخل البيت الأبيض، وهو ما حدث بالفعل حيث قام في 23 يناير 2017 بتوقيع "أمر تنفيذي" يقضي بانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق. لكن إصرار ترامب على الإعلان من جديد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق أثناء انعقاد قمة آبك وفي حضور شركاء الولايات المتحدة في منطقة آسيا المحيط الهادئ كان له دلالاته المهمة.

وبقدر ما بدا قرار ترامب صادما للدول الأطراف، ما أجبرها على إعادة النظر في الاتفاق والتفاوض على صيغة جديدة تحت اسم "الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ" Comprehensive and Progressive Agreement for Trans-Pacific Partnership (CPTPP)، بقدر ما أكد هذا القرار انحياز ترامب إلى توجه "انكفائي" تحت شعار "أمريكا أولا". فقد سبق هذا الانسحاب، انسحاب أمريكي مماثل من اتفاق باريس للتغير المناخي عقب وصول ترامب مباشرة إلى السلطة، بدعوى أن الاتفاق لم يكن صارما مع الصين والهند! وأنه ينطوي على أضرار بالنسبة للشركات والعمال الأمريكيين.

في مقابل هذا التوجه الأمريكي، أعاد الرئيس الصيني شي جين بينج تمسك بلاده بالعولمة، ودافعت الصين بقوة عن نسختها الخاصة لتعميق التكامل الاقتصادي والتجاري بين دول آسيا المحيط الهادئ من خلال مشروع "الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة" Regional Comprehensive Economic Regional Partnership (RCEP) الجاري التفاوض بشأنه مع عدد من دول جنوب وجنوب شرقي آسيا وشمال شرقي آسيا (دول الآسيان العشر، اليابان، أستراليا، الهند، كوريا الجنوبية، نيوزيلندا بجانب الصين). وفي محاولة لتفهم ظروف الاقتصادات الناشئة وضم أكبر عدد من الدول، فإن مشروع الاتفاق لا يتضمن التقيد بالمعايير العمالية والبيئية على النحو الذي أخذ به "اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ".

على الرغم من أن هذا التوجه الأمريكي "الإنكفائي" وشعار "أمريكا أولا" لم يصل إلى مستوى التوجه "الانعزالي"، ولازال توجها انتقائيا، إذ لازالت إدارة ترامب حريصة على التورط الخارجي في العديد من الملفات العالمية، خاصة السياسية والأمنية، إلا أن الخطابين الأمريكي والصيني فيما يتعلق بالاتفاقات الاقتصادية والتجارية متعددة الأطراف يعكسان في الحقيقة مفارقة مهمة؛ ففي الوقت الذي أبدت فيه الولايات المتحدة تمسكا تاريخيا بالاتفاقات الإقليمية ومتعددة الأطراف خلال العقدين الماضيين، والتي مثلت جوهر ظاهرة العولمة، كأطر أساسية لتحرير التجارة العالمية، وكامتداد لنظرية تحرير التجارة باعتبارها شرطا رئيسا للتوزيع العادل لمكاسب العولمة الاقتصادية، فقد اعتادت الصين، والدول النامية بشكل عام، توجيه النقد لظاهرة العولمة باعتبارها ظاهرة "غربية" المنشأ، تتحيز في الأغلب لمصالح ورؤى الاقتصادات الغربية، فإننا نجد اليوم مشهدا مغايرا تماما، حيث وقف الرئيس الأمريكي منتقدا هذا النمط من الاتفاقات، بينما يدافع الرئيس الصيني عن العولمة الاقتصادية وتمسك بلاده بها.

واقع الأمر، إن قراءة دقيقة لهيكل المؤسسية الاقتصادية العالمية، وتطور المجموعات الاقتصادية الناشئة، وحجم الدورين الأمريكي والصيني في هذه المجموعات، وتوجهات كل منهما إزاء الاقتصاد العالمي، ونمط الارتباطات الأمريكية والصينية بالأقاليم الاقتصادية العالمية، كل ذلك يشير إلى استنتاج مهم، وهو أننا إزاء مرحلة من الأفول التدريجي للعولمة ذات الصبغة الأمريكية والغربية لصالح بزوغ نمط من العولمة ذات صبغة صينية.

ففي مقابل الاتجاه الانسحابي الأمريكي هناك اتجاه "اقتحامي" صيني، يتم عبر مبادرات صينية ضخمة، على رأسها مبادرة الحزام والطريق، بشقيها البري والبحري، والتي طرحها الرئيس الصيني خلال عام 2013، ولقيت تفاعلا إيجابيا واسع النطاق من جانب عشرات الدول، بما فيها دول أوروبية مهمة. وفي الوقت الذي تمثل فيه المبادرة نوعا من الاستجابة الصينية لمجموعة من التحديات التنموية الداخلية، فإنها تمثل أيضا تجسيدا لتحول الصين من الانخراط في ظاهرة العولمة الاقتصادية إلى محاولة للمساهمة في تشكيل هذه الظاهرة وفقا لرؤية وشروط جديدة. ويأتي دور مبادرة الحزام والطريق هنا أنها تعمل على إعادة تشكيل ظاهرة العولمة الاقتصادية في اتجاهاين رئيسين. الاتجاه الأول، هو ضمان تحول الصين إلى رقم مهم في هذه الظاهرة، من خلال تعميق علاقات الإنتاج والتصنيع والاستثمار والتجارة بين الصين وحوالي 64 دولة، بإجمالي عدد سكان حوالي 4.4 بليون نسمة، تتوزع على معظم الأقاليم وفقا لمشروع صيني واحد (جنوب شرقي آسيا، جنوبي آسيا، الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وسط أوروبا، أوروبا الشرقية، وسط آسيا)، الأمر الذي يضمن تحول الصين إلى مركز مهم في إدارة ظاهرة العولمة على حساب الولايات المتحدة والقوى الأوروبية.

الاتجاه الثاني، هو إعادة التوازن لظاهرة العولمة ذاتها. وللتوازن هنا شقان، الأول هو تحويل العولمة من كونها ظاهرة تقوم بالأساس على تدفق التجارة ورؤوس الأموال إلى كونها ظاهرة تُعلي من الأهمية النسبية لمسألة التنمية، أو التحول من ظاهرة "العولمة التجارية" إلى ما أطلق عليه أحد الخبراء الصينيين "العولمة التنموية". ويأتي في قلب تعميق الطابع التنموي لظاهرة العولمة ربط الأقاليم والدول الواقعة على مسار المبادرة بشبكة من الطرق والممرات الاقتصادية والتنموية (شبكات الطرق البرية والبحرية، والمدن الصناعية والموانئ البحرية، وأنابيب نقل النفط والغاز...إلخ). الشق الثاني، هو تحويل العولمة من ظاهرة متحيزة لمصالح الدول الصناعية الغربية، إلى ظاهرة أكثر تحيزا لمصالح الدول النامية والناشئة، من خلال الاهتمام الذي توليه المبادرة بمشروعات تنمية البنية الأساسية. وفي هذا السياق نفهم المساحة المهمة التي يوليها الخطاب الصيني العالمي للتأكيد على مبادئ التنمية والمنافع المشتركة، والتعاون مع القوى الخارجية وليس مزاحمتها، وذلك من خلال تضمين المبادرة سلعا استراتيجية ذات منفعة عالمية عامة، وتجنب السياسات أحادية الجانب؛ فهي وإن كانت مبادرة صينية إلا أنها لا تقوم على مشروع أحادي الجانب بقدر ما تقوم على دمج المصالح الأقاليمية والدولية، خاصة في ضوء استمرار تمسك الصين بمبدأ عدم التدخل المتبادل في الشئون الداخلية للدول الأخرى، وهو ما يفسر أيضا تجنب الصين ربط المبادرة ببناء كيان أو تنظيم عابر للأقاليم، وذلك تجنبا لتصدير إدراك بارتباط المبادرة بمشروع للهيمنة الصينية، فضلا عن التأكيد على الالتزام بقواعد وآليات السوق في تخصيص الموارد، ودور القطاع الخاص، الأمر الذي يشير إلى أن المبادرة لا تسعى إلى الصدام مع النظام الاقتصادي العالمي الراهن ومبادئه الأساسية، بقدر ما تسعى إلى تحسين هذا النظام وتعظيم الاستفادة منه.

ولا تقتصر مقومات "العولمة الصينية" على مثل هذه المشروعات الضخمة التي تمثل إطارا لربط عدد كبير من الاقتصادات والأقاليم بالاقتصاد الصيني، ولكنها تشمل أبعادا مؤسسية وثقافية وقيمية. فعلى المستوى المؤسسي تستند "العولمة الصينية" إلى  مؤسستين ماليتين مهمتين، إحداهما صينية هي "صندوق طريق الحرير"، والثانية متعدد الأطراف هي "البنك الآسيوي للاستثمار في البنية الأساسية" AIIB. ورغم تأكيد الحكومة الصينية، والوثائق المنظمة لعمل هاتين المؤسستين، أنهما لا تمثلان بديلا للمؤسسات المالية العالمية التقليدية (صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي)، فضلا عن التأكيد على الطابع الانفتاحي لـ"لبنك الآسيوي لتنمية البنية الأساسية" كمؤسسة متعددة الأطراف، إلا أن هذا لا ينفي ما تمثله هاتان المؤسسان الجديدتان من تحدي للمؤسسات التقليدية، خاصة في ضوء ارتباط القروض المقدمة منهما بمشروعات تنمية البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية بشكل عام، وهو ما يميزهما عن المؤسسات المالية التقليدية التي تركز على تمويل برامج الإصلاح الاقتصادي والمالي بهدف معالجة الاختلالات الاقتصادية والمالية في الدول المستقبلة للتمويل، دونما علاقة مباشرة بتمويل التنمية.

أما فيما يتعلق بالمكون القيمي والثقافي، لا يمكن هنا إغفال الاهتمام المتزايد الذي باتت توليه الصين للسياسة الناعمة. ولا تمثل شبكات التليفزيون والمواقع الإليكترونية الناطقة بلغات غير صينية، وحركة الترجمة الواسعة للأدب الصيني إلى اللغات الأخرى وبالعكس، وتزايد حجم المنح العلمية للطلاب الأجانب، والمؤتمرات الدولية المشتركة..إلخ، سوى مؤشرات محدودة في هذا الاتجاه. ويتوقع أن تشهد السنوات القليلة القادمة نقلة نوعية ضخمة في هذا المجال على خلفية ما تتضمنه مبادرة الحزام والطريق من استحداث آليات ضخمة للتفاعل بين الشعوب مثل التوسع في تنظيم الأعوام الثقافية ومهرجات الفيلم ومعارض الكتاب، وتبادل المسلسلات والأفلام، وتشجيع السياحة والتفاعل بين الأحزاب السياسية والبرلمانات والمنظمات غير الحكومية...إلخ.

وإذا كانت أدوات التواصل الاجتماعي والتجارة الإليكترونية، مثل واتس آب وفيس بوك وأمازون، قد مثلت بعض "أيقونات" العولمة الغربية في بعدها التكنولوجي، فإن النمو المتسارع لمستخدمي الأدوات المقابلة ذات المنشأ الصيني، مثل "وي تشات "WeChatو"على بابا" alibaba قد لا تترك الأدوات الغربية على عرشها كثيرا.

طباعة
د.محمد فايز فرحات

رئيس برنامج الدراسات الآسيوية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية