عروض

"السكان وتحديات التنمية" عرض العدد 67 من فصلية "أحوال مصرية"

أحمد عسكر * 2499 23-1-2018
طباعة

لما كانت القضية السكانية أحد أبرز القضايا التي تشغل صانع القرار في مصر خلال الحقب المختلفة، لانعكاساتها المتعددة وتأثيراتها الضاغطة على أركان الدولة، فقد تضاعف تعداد السكان في مصر خلال العقود الثلاثة الأخيرة، الأمر الذي اعتبرته الحكومات المتعاقبة أزمة، يتطلب حلها العديد من الإجراءات والبرامج التي تعمل على تحديد النسل وتنظيم الأسرة، وهو ما تبنته الدولة خلال السنوات الماضية. وفي ظل عدم اتخاذ خطوات جادة ومتقدمة نحو التنمية والإنتاج على المستوى الاقتصادي، تصبح الزيادة السكانية عبئا على الدولة، في الوقت الذي تعتبر أحد أهم المقومات لتقدم الأمم والشعوب، إذا ما تم استغلال تلك الثروة البشرية بطريقة صحيحة، من خلال الاهتمام بالعنصر البشري الذي هو الأساس لعملية التنمية، بصقل مهاراته وقدراته في شتى المجالات.

ويسعى العدد الجديد من "أحوال مصرية" إلى محاولة إبراز الجانب الإيجابي من الثروة السكانية التي تتمتع بها مصر، إلى جانب استعراض الاختلالات التي تواجه القضية السكانية، إضافة إلى المعالجات الممكنة للقضية السكانية من منظورها الواسع، مع الأخذ في الاعتبار المساعي التي تبذلها الحكومة المصرية إلى مواجهة التضخم والتركز السكاني والعشوائيات من خلال بناء مدن جديدة.

وقد أوضح الدكتور أيمن السيد عبد الوهاب أن الحديث عن السكان كثروة أو كمشكلة، تعني أننا أمام تحدي الواقع وآمال المستقبل، حيث أن التحدي الراهن يرتبط بالقدرة على تحويل المشكلة السكانية إلى ثروة ومورد داعم لعملية بناء الدولة المصرية الحديثة، وإن كانت أعراض القضية السكانية متعددة باعتبارها من أبرز المشكلات التي تواجه مسيرة التنمية، وتحدّ متزايد يفرض تداعيات على معظم عناصر قوة الدولة، ومن ثم، فالمطلوب تحديد أساس وجوهر المشكلة، وطبيعة التعامل معها كمشكلة تنظيم الأسرة، فهل نسعى من خلالها لتخفيف معدل النمو السكاني؟ أم نتعامل معها باعتبارها مشكلة تنموية ضاغطة على مفاصل الدولة؟ الأمر الذي يتطلب رؤية وتكامل سياسات تتعلق برؤيتنا الأوسع لشكل الدولة المصرية وعناصر قوتها.

واستهدف الدكتور محمد يوسف تحليل وتشخيص الوضع الراهن للمشكلة السكانية في الاقتصاد المصري، في ضوء النظريات المفسرة لعلاقة هذه المشكلة بمشكلات التنمية الاقتصادية، وفي ضوء الخبرات التاريخية لتلك المشكلة في بلدان العالم المتقدم والنامي على السواء. كما توصل إلى عدة مداخل علاجية متتابعة ومتكاملة للقضية السكانية في مصر، والتي تتمثل في التخطيط السكاني، والتنمية الإقليمية المتوازنة، علاوة على تخطيط الاستثمار، والتصدي لمشكلة البطالة.

كما قدمت الدكتورة أماني الحديني بعض الآليات في إطار عملية الدمج التنموي كسبيل لمعالجة النمو السكاني على المدى القصير، والتي تتمثل في تشجيع الاستثمارات التي تحسّن من السياسات الصحية والتعليمية والاقتصادية التي تشجّع من تباطؤ النمو السكاني، بالإضافة إلى كسر الدائرة المفرغة من الفقر، والمعدلات المنخفضة من التعليم، ومستويات الإنجاب المرتفعة، والتعرف على احتياجات سوق العمل وتشجيع الاستثمارات في القطاعات كثيفة العمالة، علاوة على تصدير رأس المال البشري.

فيما أشارت الباحثة أمل مختار إلى الخبرات الدولية فيما يتعلق بالإدارة الكفء للكثافة السكانية، حيث أوضحت أن القصور في خطط الهند للاستفادة القصوى من الزيادة السكانية، يرتبط بالأساس بعدم القدرة على التمويل، إلا أن الخبرة الهندية المتميزة تكمن في اقتناصها لفرصة ظهور وازدهار صناعة التكنولوجيا الرقمية والمعلوماتية في العالم، واتباعها لسياسات مكثفة لتأهيل وتدريب أعداد كبيرة من السكان ليكونوا هم العمالة الأولى في شركات التكنولوجيا الرقمية في العالمة، وهو ما انعكس بقوة على زيادة تحويلات النقدية الأجنبية إلى داخل الهند. وفي السياق ذاته، أشارت إلى أن التميز الصيني فيما يتعلق بمسألة الزيادة السكانية يتمثل بالأساس ليس في خطط تحديد النسل، بل في التجربة الصينية الخاصة في التنمية البشرية، والتي تميزت بعنصر الواقعية والأصالة؛ الواقعية في ربط العملية التعليمية بخطط التنمية الاقتصادية، إلى جانب إيصالها إلى السكان كافة. والأصالة لأنها قدمت مشروعًا تعليميًا حديثًا لكنه مرتبط بقوة بالموروث الثقافي والقيمي للمجتمع الصيني.

وفي المقابل، أكدت الباحثة صافيناز محمد أحمد بأن المجتمعات الأوروبية من أكثر المجتمعات التي تعاني من ظاهرة شيخوخة السكان، حيث تتراجع فيها معدلات المواليد، وفي الوقت نفسه ترتفع فيها معدلات أعمار السكان، ففي أوروبا أكبر نسبة من كبار السن، مقارنة بعدد السكان الكلي، ويتوقع أن يشكلوا نحو 29% من السكان بحلول عام 2030. ويؤدي ذلك إلى تراجع معدل النمو الديموجرافي فيها بوضوح؛ فبعض دول أوروبا تواجه تحديات جادة بشأن مستقبلها الديموجرافي، وترتبط تلك التحديات بقلة عدد المواليد، وتراجع نسبة السكان صغار السن، مع ارتفاع معدلات الشيخوخة.

وأوضح الدكتور أحمد عبد العزيز البقلي أنه لا يمكن رد القضية السكانية إلى مجرد قوانين وأفعال بيولوجية محضة، مستقلة تمامًا عن الظروف والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وإنما هي قضية تتعلق بسوء توزيع الثروة والدخل ومشاكل الجوع والبطالة والفقر، والعادات والتقاليد ونظام القيم، ومن ثم، يجب تبني رؤية جديدة للمشكلة السكانية من أجل الوصول إلى تنمية متكاملة ومتوازنة في كل المجالات، وتحقيق عدالة اجتماعية تعمل على إشباع الحاجات الأساسية للسكان، وتقلل من درجات التفاوت في مستويات المعيشة.

في ذات السياق، أشار الأستاذ الدكتور حسن سلامة إلى أن القضية السكانية برغم تعقيدها وتشابك ملفاتها وتعقيدها، إلا أنه يُنظر للخطاب السياسي الإعلامي بوصفه الشرارة الأولى التي أطلقت الاهتمام والتوظيف الرسمي والمجتمعي لتلك القضية. وأن تكامل الأدوار الوظيفية بين مكونات هذا الاهتمام محدد لا غنى عنه لأي تقييم شامل لهذا الخطاب ومضامينه.

وحذر الدكتور مجدي خالد من استمرار مستويات النمو السكاني الحالية في مصر، كونها ستؤدي إلى تراجع العائد من جهود التنمية، وبشكل أكثر تحديدًا، فإن نصيب الفرد من الإنفاق على الصحة والتعليم والمواصلات، ونصيبه من الأرض الزراعية والمياه والطاقة سوف يتراجع، فضلًا عن أن الزيادة السكانية سوف تعرقل الجهود التنموية للقضاء على الفقر والبطالة والاكتفاء الذاتي.

كما قدم الدكتور عاطف الشيتاني، استراتيجية خاصة ببرنامج تنظيم الأسرة في مصر، حيث يستهدف على المدى القصير المجتمعات الأولى بالتدخل، من خلال إعداد خريطة فعلية للمناطق والقرى الأكثر فقرًا، من أجل وضع سياسات واقعية، وتصميم برامج إنمائية متكاملة، لتلبية احتياجاتهم الفعلية. أما على المدى البعيد، فتتمثل الاستراتيجية في السيطرة على سوق خدمات تنظيم الأسرة ككل، وتوسيع مجال الاختيار من بين وسائل منع الحمل، علاوة على مجانية الوسائل والخدمات بالقطاع الحكومي، ووضع نظام صارم للتحسين المستمر لجودة الخدمة، أضف إلى ذلك تكامل خدمات تنظيم الأسرة مع الخدمات الصحية، وتطوير نظام بث الرسائل التوعوية للمجتمع.

كما أشارت الدكتورة حنان أبو سكين إلى ضرورة تبني نظرة شاملة للمشكلة السكانية، حيث أنها ذات ثلاثة أبعاد تتمثل في البعد الخاص بالنمو السكاني، وآخر يتعلق بسوء التوزيع، أما الثالث يتعلق بتدني الخصائص السكانية. فالهدف الرئيسي هو تحسين الخصائص السكانية، وضبط زيادة السكان، ومن ثم فيجب مراعاة زيادة نسبة الإناث في قوة العمل، وتصحيح الخلل والتوزيع المتكافئ للسكان بين المحافظات المختلفة، والتشجيع على تبني مفهوم الأسرة الصغيرة، وتكثيف حملات التوعية المجتمعية، من أجل ضمان نجاح السياسة السكانية.

طباعة
أحمد عسكر

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية