متابعات تحليلية

المواقف الأوروبية من الاحتجاجات الإيرانية... محاولة للفهم

طباعة

مع بداية تصاعد حدة الاحتجاجات الإيرانية منذ 28 ديسمبر 2017، بدا لافتا أن الدول الأوروبية حرصت على تبني مواقف حذرة تجاهها؛ فلم تساير الموقف الأمريكي المندفع بتأييد الاحتجاجات وإدانة سياسات النظام الإيراني، كما عبر عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونائبه مايك بنس.

وبدلا من ذلك، ركزت الدول الأوروبية على مطالبة النظام بمراعاة مطالب المحتجين وعدم انتهاك حقوق الإنسان في التعامل مع الاحتجاجات، بل إنها بدأت حتى بالإشارة إلى أنها لا تربط بين تلك الاحتجاجات وبين سياسات النظام الإيراني في الخارج، وإمعانه في التدخل في الشئون الداخلية لدول المنطقة ودعم بعض الميليشيات الإرهابية والمسلحة. كما وجهت الدول الأوروبية إشارات عديدة أفادت أنها ما زالت حريصة على علاقاتها مع إيران، والتي رأت أنها تطورت بشكل كبير منذ توقيع الاتفاق النووي في 14 يوليو 2015 في إطار صيغة "5+1" (منها ثلاث دول أوروبية هي بريطانيا وفرنسا وألمانيا). فقد شارك مسئولون أوروبيون سابقون في المؤتمر الدولي الثاني للأمن الذي عقدته إيران في 8 يناير الجاري (2018)، مثل جاك سترو، وزير الخارجية البريطاني الأسبق، في رسالة حرصت من خلالها طهران على التأكيد أن الاحتجاجات لا تمثل مشكلة لها على المستويين السياسي والأمني، أو على صعيد علاقاتها الخارجية مع بعض القوى الدولية.

وفي الاتجاه ذاته، أجرى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اتصالا بالرئيس الإيراني حسن روحاني دعاه فيها إلى ضبط النفس إزاء التعامل مع المحتجين، فيما طالبه الأخير بالتحرك ضد ما أسماه "جماعات إرهابية إيرانية تثير الاضطرابات داخل إيران"، في إشارة إلى "المجلس الوطني للمقاومة"، و"منظمة مجاهدي خلق" التي سعت إلى تنظيم احتجاجات في بعض العواصم الغربية لدعم الاحتجاجات داخل إيران، واتفقا على استمرار الاتصالات من أجل تحديد موعد لزيارة متوقع أن يقوم بها ماكرون إلى طهران خلال العام الحالي.

ربما يمكن تفسير المواقف الحذرة التي اتبعتها العواصم الأوروبية في التعامل مع الاحتجاجات الإيرانية في ضوء عوامل عديدة، نطرح أهمها فيما يلي:

1- إعطاء الأولوية للاتفاق النووي

على عكس الولايات المتحدة الأمريكية التي وسعت نطاق خلافاتها مع إيران لتشمل إلى جانب الاتفاق النووي الدور الإقليمي لإيران ودعمها للتنظيمات الإرهابية والمسلحة الموجودة في المنطقة، ما زالت الدول الأوروبية مصرة على منح الأولوية للصفقة النووية. ففي رؤيتها، فإن هذه الصفقة منعت احتمالات اندلاع حرب جديدة في المنطقة، باعتبار أنها أجلت، على الأقل، مساعي إيران للوصول إلى مرحلة امتلاك القدرة على إنتاج القنبلة النووية. فضلا عن أنها فتحت الباب أمام عودة الشركات الأوروبية الكبرى إلى السوق الإيرانية، وفي مقدمتها شركة "توتال" الفرنسية، بعد أن خرجت منها هذه الشركات عقب تعرض إيران لعقوبات دولية من مجلس الأمن بسبب أزمة ملفها النووي قبل إبرام الصفقة.

وترى الدول الأوروبية أن التدخل في أزمة الاحتجاجات الإيرانية، على غرار ما فعلت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يمكن أن يفرض تداعيات سلبية على الاتفاق، باعتبار أن ذلك سيمنح الفرصة للمتشددين داخل إيران من أجل ممارسة ضغوط على حكومة روحاني لاتخاذ خطوات أكثر تصعيدا خلال المرحلة القادمة، على غرار استمرار إجراء تجارب خاصة بإطلاق صواريخ باليستية، أو عدم التراجع عن دعم الحلفاء الإقليميين في المنطقة، خاصة نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وحزب الله في لبنان وحركة أنصار الله الحوثية في اليمن والميليشيات الطائفية في كل من العراق وأفغانستان وباكستان.

2- تجنب تصعيد الخلافات

تقوم وجهة النظر الأوروبية على أن دعم الاحتجاجات من شأنه أن يدفع بالنظام الإيراني إلى اتخاذ مواقف متشددة إزاء العلاقات مع الدول الأوروبية، خاصة بريطانيا، التي تبدي القيادة العليا في إيران ممثلة في المرشد خامنئي، شكوكا دائمة في سياساتها ونواياها تجاه إيران. بل إن العلاقات بين الدولتين سبق أن قُطعت في عام 2011 عقب اقتحام مجموعة من الإيرانيين للسفارة البريطانية في طهران في 29 نوفمبر من ذلك العام، بعد أن وجهت إيران اتهامات لبريطانيا بدعم الجهود الدولية لفرض عقوبات عليها بسبب أزمة ملفها النووي، قبل أن تعيد الدولتان العلاقات الدبلوماسية بينهما مرة أخرى في 23 أغسطس 2015، عقب توقيع الاتفاق النووي.

فضلا عن ذلك، فإن التدخل في الاحتجاجات يمكن أن يؤثر على بعض القضايا العالقة بين الطرفين وتحظى باهتمام خاص من جانب الدول الأوروبية، مثل القضايا الخاصة بأحكام السجن التي صدرت ضد بعض مزدوجي الجنسية، مثل نازانين زغاري راتكليف البريطانية من أصل إيراني والموظفة في مؤسسة تومسون رويترز، التي اعتقلتها السلطات الإيرانية في أبريل 2016، وصدر ضدها حكم بالسجن خمسة أعوام، في سبتمبر من العام ذاته، بتهمة التحريض ونشر دعايا ضد النظام.

ولم تنجح الجهود التي بذلها وزير الخارجية بوريس جونسون، الذي زار طهران في ديسمبر 2017، في الإفراج عنها حتى الآن، رغم أن إيران تستخدم مثل هذه النوعية من القضايا كآلية للمساومة مع الدول الأخرى، على غرار ما فعلت في السابق مع إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، عندما أبرم الطرفان اتفاقا لتبادل السجناء في يناير 2016.

ومن ثم، فإن اتخاذ أية خطوات تصعيدية ضد تعامل السلطات الإيرانية مع المحتجين يمكن أن يدفع الأخيرة إلى وضع المزيد من العقبات التي تحول دون تسوية مثل هذه القضايا التي تحظى باهتمام خاص من جانب الأوروبيين.

3- التعويل على روحاني

ما زالت الدول الأوروبية تعول على إمكانية نجاح الرئيس روحاني في ممارسة الضغوط من أجل إجراء تغييرات في السياسة الإيرانية التي تسببت في نشر الفوضى وتكريس حالة عدم الاستقرار في المنطقة، خاصة بعد نجاحه في تمرير الصفقة النووية في الداخل. ولذا، ارتأت الدول الأوروبية أن التدخل بدعم المحتجين سوف يزيد من حدة الضغوط التي يتعرض لها روحاني، خاصة في ظل الانتقادات التي توجهها معظم الأطراف الرئيسية في الداخل إن لم يكن مجملها، حتى بما فيها أنصاره الذين بدءوا في الإعلان عن استيائهم من عزوفه عن تحقيق تقدم في التعهدات التي التزم بها خلال حملته الانتخابية.

4- رؤية مخالفة لواشنطن

في الوقت الذي رأت فيه الإدارة الأمريكية أن الاحتجاجات يمكن أن تساعد في تغيير السياسة الإيرانية التي لا تتوافق مع السياسة الأمريكية في المنطقة، رجحت اتجاهات عديدة داخل الدول الأوروبية أن ينجح النظام في احتواء الاحتجاجات، حتى لو طال أمدها، على غرار ما فعل في الأزمات السابقة التي واجهته، وآخرها أزمة عام 2009.

هذا التكييف دفع بالدول الأوروبية إلى التعويل على استمرار التفاهمات مع إيران بدلا من التدخل في أزمة سوف تفرض في النهاية تداعيات سلبية على المصالح الأوروبية في إيران، خاصة أنها لا تعول كثيرا على فكرة "تغيير النظام" كما هو قائم بالنسبة لواشنطن، التي أعلنت على لسان وزير خارجيتها ريكس تيلرسون في أكتوبر 2017، أن أحد أهداف الاستراتيجية التي وضعها الرئيس ترامب في الشهر ذاته هو دعم القوى المنادية بالديمقراطية وتغيير النظام في إيران.

وهكذا، يمكن القول إن حرص الدول الأوروبية على استمرار التفاهمات مع إيران دفعها إلى الابتعاد عن الموقف الأمريكي المؤيد للاحتجاجات. ربما يكون هذا الموقف هو أحد المتغيرات التي ستؤدي إلى اتساع مساحة الخلافات بين تلك الدول والولايات المتحدة الأمريكية خلال المرحلة القادمة، خاصة في ظل السياسة التي تتبناها الإدارة الأمريكية تجاه الاتفاق النووي، الذي يبدو مقبلا على مرحلة حاسمة، مع اقتراب الموعد الذي سيحدد فيه الرئيس ترامب موقفه من مواصلة تعليق العقوبات المفروضة على إيران في مجال الطاقة أم لا، في منتصف يناير الحالي 2018، حيث سيكون لذلك تأثير قوى على مستقبل الاتفاق في المرحلة القادمة.

طباعة
محمد عباس ناجى

رئيس تحرير مجلة "مختارات إيرانية" - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية