متابعات تحليلية

تحولات محتملة... تراجع الحسم العسكري وتزايد التسوية للأزمة الليبية

د. زياد عقل * 4847 1-1-2018
طباعة

مع نهاية عام 2017 وبداية عام 2018، تدخل الأزمة الليبية عامها السابع منذ اندلاعها مع ثورة 17 فبراير 2011، وتقترب أزمة الانفصال السياسي بين الشرق والغرب من عامها الرابع منذ أن حدث الانقسام في 2014. وظن البعض في بدايات عام 2017 أنه سوف يمثل نوعا من الانفراجة في حالة الانسداد السياسي الموجودة في ليبيا، والتي حالت دون تفعيل الاتفاق السياسي الذي تم توقيعه في مدينة الصخيرات في ديسمبر 2015، وكان هناك سببان رئيسيان لتوقع خروج ليبيا من عنق الزجاجة فيما يتعلق بحالة الانفصال السياسي. السبب الأول، هو التنسيق المشترك الذي تم بين دول جوار ليبيا مصر، والجزائر، وتونس في نهاية عام 2016، وهو التنسيق الذي عبرت عنه عملية إعادة إحياء آلية دول الجوار للتعامل مع الأزمة الليبية، وهو ما أدى لارتفاع سقف التفاؤل بشأن دور دول الجوار في التأثير على الأطراف المختلفة في الداخل الليبي. السبب الثاني، هوإعلان دول الجوار عن عقد عدد من اللقاءات التي ستجمع بين أطراف النزاع الرئيسية، وعلى رأسها كل من خليفة حفتر وفايز السراج، بهدف التوصل لتفعيل الحل السياسي، وهي اللقاءات التي تمت بالفعل في أوائل عام 2017 في كل من القاهرة وأبوظبي.

ولكن على الرغم من ارتفاع سقف التوقعات في بدايات العام 2017، لم تقترب الأزمة الليبية من التسوية، ولم تخرج ليبيا من عنق الزجاجة، ولم تحسم ليبيا جدلية التسوية السياسية والتدخل العسكري، وهو ما يعني أن الأزمة الليبية خلال العام 2017 لم تقترب من الحل، ولكنها شهدت عددا من التحولات التي من الممكن أن تكون بمثابة نقاط انطلاق إيجابية لعملية التسوية السياسية، وشهدت أيضا عددًا من النقاط التي من الممكن أن تؤدي للمزيد من التصعيد بين الأطراف الليبية المتنازعة.

وبالتالي، يطرح العام 2017 تساؤلا جوهريا حول مسارات الأزمة الليبية في عام 2018 بين التصعيد، على المستويين السياسي والعسكري من ناحية، وبين التوجه نحو التسوية السياسية، من ناحية أخرى، وهي التساؤلات التي تطرح المزيد من الأسئلة حول توازنات القوى في الداخل الليبي خلال العام الماضي، وكيف ستنعكس هذه المتغيرات في مجمل التوازنات على مسار التسوية السياسية، وعلى التنازلات التي سيقدمها كل طرف من الأطراف المتنازعة في سياق التفاوض وفقا للموازين الجديدة خلال عام 2018.

أولا: توازنات القوى العسكرية في الداخل الليبي

لعل أول هذه المتغيرات هو التواجد العسكري وحجم المساحة الميدانية التي يسيطر عليها كل فصيل من الفصائل المتنازعة في الداخل الليبي، حيث شهد عام ٢٠١٧ تحولا ملموسا في حجم الأراضي التي يسيطر عليها كل طرف من الأطراف. فقد تمدد نفوذ خليفة حفتر والجيش الوطني الليبي بشكل ملحوظ في شرق وجنوب شرق ليبيا خلال العام 2017، وتمكن الجيش الوطني الليبي من فرض سيطرته على مناطق كانت تشهد العديد من الاشتباكات مع الميليشيات المسلحة والتنظيمات الإرهابية في الشرق الليبي، وعلى رأس هذه المناطق مدينة درنة، وهي السيطرة الميدانية التي استعان الجيش الوطني الليبي فيها بالضربات الجوية المصرية التي نفذتها القوات المسلحة المصرية ضد عدد من التنظيمات الإرهابية في ليبيا، خاصة بعد العملية الإرهابية التي وقعت في مدينة المنيا في صعيد مصر، والتي تلاها رد فعل رسمي من القوات المسلحة المصرية حفاظا على الأمن القومي المصري، وأمن منطقة جنوب المتوسط ككل.

وبخلاف تزايد التواجد الميداني للجيش الوطني الليبي في شرق ليبيا، تمكن خليفة حفتر خلال العام 2017 من عقد عدد من التفاهمات مع قبائل الطوارق والتبو، وهي القبائل التي تسيطر على أغلب مناطق الجنوب الليبي. وتحولت الولاءات القبلية في الجنوب الليبي لكي تسمح لخليفة حفتر والجيش الوطني الليبي ببسط المزيد من النفوذ السياسية والعسكرية في الجنوب الليبي شرقا وغربا. وبغض النظر عن المكاسب العسكرية الناتجة عن السيطرة على مناطق من جنوب ليبيا، هناك عدد من المكاسب السياسية التي تؤمنها السيطرة على الجنوب الليبي نظرا لحساسية المنطقة في الوقت الحالي لعدد من الفاعلين الإقليميين والدوليين في المشهد الليبي.

على الجانب الآخر، تستمر التحالفات العسكرية في الغرب الليبي في التقلص، وبات من الصعب تحديد قوة عسكرية مسيطرة على أجزاء جغرافية شاسعة من الغرب الليبي، كما أنه بات من الأصعب الربط بين الأذرع السياسية والكيانات العسكرية في غرب ليبيا، وهو ما يؤدي لتراجع مستمر في الثقل السياسي للغرب الليبي في سياق الصراع. والجدير بالذكر أنه منذ بدء الانقسام السياسي، لم يعرف الغرب الليبي قوة عسكرية نظامية موحدة، بل كانت القوة العسكرية في غرب ليبيا تتجسد في صورة تحالفات بين ميليشيات متنوعة، تتفق فيما بينها على عدد من التوجهات السياسية أو المصالح المادية، ولكنها لا تمتلك رؤية وطنية أو تطلعات للتحول المؤسسي كقوات عسكرية تابعة للدولة.

ومنذ بدء الانقسام، قادت ميليشيات فجر ليبيا التواجد العسكري في الغرب الليبي في سياق الصراع مع الشرق، ثم انهارت هذه التحالفات وحل محلها تحالف آخر من الميليشيات تحت اسم "البنيان المرصوص"، وهو التحالف الذي نجح بمساعدة الطيران الأمريكي في طرد تنظيم داعش من مدينة سرت في نهاية عام 2016.

ولكن عام 2017 أظهر حقيقة مهمة فيما يتعلق بالكيانات العسكرية في ليبيا، حيث إن هناك رغبة وإرادة سياسية لقيادة عملية من التحول المؤسسي لقوات الشرق، أو الجيش الوطني الليبي، فخليفة حفتر يسعى باستمرار لإضافة المزيد من المهنية والمؤسسية على الجيش الوطني الليبي، وهو ما يتجلى في الأكاديميات العسكرية وفي التدريب الذي تحصل عليه كوادر الجيش الوطني الليبي من قبل القوات المسلحة المصرية ودولة الإمارات العربية المتحدة.

وبالتوازي مع ذلك، ظهرت خلال عام 2017 غياب المهنية والمؤسسية عن الكيانات العسكرية الشرعية في غرب ليبيا، حيث اشتبكت قوات تابعة لخليفة الغويل، رئيس حكومة الانقاذ، مع قوات تابعة لفايز السراج، رئيس المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق. واتخذت هذه الاشتباكات من العاصمة طرابلس مسرحا خلال العام 2017. وبالتالي، مع كل بوادر غياب الاستقرار التي جاء بها العام 2017، بات من الضروري التساؤل حول مستقبل الأزمة الليبية خلال العام 2018.

ثانيا: دور الأمم المتحدة في التسوية السياسية

ولعل النقطة الأبرز التي يتطلع إليها متابعو الشأن الليبي خلال عام 2018 هي مسألة التسوية السياسية، وخطة الأمم المتحدة التي يسعى غسان سلامة، المبعوث الجديد للأمين العام للأمم المتحدة ورئيس بعثة الدعم في ليبيا، لتطبيقها منذ بداية ولايته وانتهاء ولاية سلفه الألماني مارتن كوبلر. يتطلع غسان سلامة خلال العام 2018 لتغيير نمط عمل الأمم المتحدة كمنظمة في ليبيا، فهو من ناحية يسعى للتأكيد على استمرارية شرعية اتفاق الصخيرات، ومن ناحية أخرى، يهدف سلامة لإرساء خطة طويلة المدى فيما يتعلق بالشأن الليبي، يندرج في ثناياها قضايا المصالحة الوطنية وعودة فصائل سياسية واجتماعية لمشهد صنع القرار في الداخل الليبي، وهو ما يعد تحدياً مستقلاً بذاته فيما يتعلق بعودة أنصار نظام معمر القذافي، وعلى رأسهم سيف الإسلام القذافي للعب دوراً سياسيا.

تسعى بعثة الدعم للأمم المتحدة في ليبيا لفرض عملية مصالحة سياسية تستوعب كل الفصائل المتنوعة في المشهد السياسي الليبي، ولكن الجدير بالذكر أن الأطراف الفاعلة في سياق الصراع في الوقت الحالي، وعلى رأسها خليفة حفتر وفايز السراج، لا ترغب في زيادة كيانات إضافية للمعادلة السياسية، وبالتالي، تظل الإرادة السياسية للأطراف الفاعلة في الصراع الليبي غير قابلة لعودة رموز نظام القذافي للمشهد السياسي، سواء كان هذا الرفض على أرضية عدم القبول بعودة فصيل سياسي معادي لثورة 17 فبراير، أو كان على أرضية عدم التوصل لتصور مؤسسي وسياسي لدمج عناصر النظام السابق في العملية السياسية، وهو ما يشير لغياب البعد العملي والميداني فيما يتعلق بالأداء الأممي المرتبط بمحاولات التسوية السياسية في ليبيا.

وبالتالي، تقبع ليبيا في بداية عام 2018 تحت وطأة التساؤل حول جدلية التدخل العسكري والتسوية السياسية، ويتسيد هذه التساؤلات موقف خليفة حفتر من التسوية السياسية خلال العام 2018، خاصة بعد انتهاء المدة المقررة في اتفاق الصخيرات للفترة الانتقالية، والتي كانت من المفترض أن تنتهي في ديسمبر 2017، وهو ما استخدمه خليفة حفتر مؤخرا لنيل المزيد من المكاسب السياسية في سياق عملية إعادة التفاوض.

ولكن الجدير بالذكر أن الغالبية العظمى من حلفاء خليفة حفتر يظلوا متمسكين بالاتفاق السياسي، ويظلوا غير قادرين على معاداة الإرادة السياسية الدولية المساندة لاتفاق الصخيرات دعماً لخليفة حفتر، وهو ما تجسد في تأكيد كل من جمهورية مصر العربية ودولة الإمارات العربية المتحدة بتمسكهم باتفاق الصخيرات، وبالتزامهم بالخارطة الأممية التي أعلن عنها غسان سلامة، والتي وإن كانت لا تحظى بالكثير من الدعم في الداخل الليبي، فهي تمتلك كل الدعم الإقليمي من قبل الفاعلين في الأزمة الليبية، والذين يرون في خارطة التسوية السياسية التي طرحتها الأمم المتحدة مخرجاً من صراعات الداخل الليبي بأقل الخسائر السياسية الممكنة.

ثالثا: مستقبل الأزمة الليبية في عام 2018

لذا يصبح التساؤل الأكثر منطقية في بدايات العام 2018 هو استمرار شرعية اتفاق الصخيرات من عدمه، حيث أعلن خليفة حفتر انتهاء المدة المقررة من قبل الأمم المتحدة، والمنصوص عليها في اتفاق الصخيرات بمثابتها فترة انتقالية، وبالتالي لم تعد الكيانات التي تحظى بشرعية تمخضت عن اتفاق الصخيرات ممثلا شرعيا للشعب الليبي، بل إنها باتت كيانات لا تتسم بأي نوع من الشرعية بعد انتهاء المدة التي كان من المفترض أن يُفعل الاتفاق السياسي خلالها.

وردا على ذلك، وعلى الجانب الآخر، تتمسك الكيانات التي تستمد شرعيتها من اتفاق الصخيرات، وعلى رأسها المجلس الرئاسي، ببنود الاتفاق، وترى أن حكومة الوفاق لم تنل إجازة مجلس النواب، وهو الشرط الذي تبدأ منه الفترة الانتقالية التي كان من المفترض أن تنتهي في ديسمبر 2017، وبالتالي، يظل الاتفاق فاعلا نظرا لعدم تفعيل الشرط الذي كان من المفترض أن يشكل نقطة بداية للفترة الانتقالية.

ووفقا للمعطيات في المشهد الليبي في الفترة الحالية، وعلى الرغم من تصريح خليفة حفتر بانتهاء شرعية الكيانات السياسية الصادرة عن اتفاق الصخيرات، إلا أن مسار التسوية السياسية للأزمة الليبية الذي تقوده الأمم المتحدة يظل هو المسار الأكثر حظا في سياق الأزمة خلال العام 2018. وتشير المعطيات على أرض الواقع إلى تقدم مستمر، سياسيا وعسكريا، للشرق الليبي، ولكن المعطيات وموازين القوى، إقليميا ودوليا، تجعل من المجلس الرئاسي بقيادة فايز السراج جزءا محوريا من المعادلة.

فعلى الرغم من قلة سيطرته الميدانية على مساحات جغرافية، خاصة إذا ما تم مقارنة هذه السيطرة بالتقدم الميداني للجيش الوطني الليبي، يظل المجلس الرئاسي يحظى بدعم من عدد من الدول الأوروبية، وعلى رأسها إيطاليا، وهو الدعم الذي من المتوقع أن يستمر خلال العام 2018 نظرا للدور الذي يقوم به المجلس الرئاسي في رعاية المصالح الإيطالية في الغرب الليبي. ولذا، من المتوقع أن يشهد الصراع الليبي خلال العام 2018 تقدما ميدانيا متزايدا للجيش الوطني الليبي، ويقابله على الجبهة الأخرى دعم سياسي أوروبي مستمر للمجلس الرئاسي كبند من أحد بنود معادلة التسوية السياسية في ليبيا.

ويبدو أن عام 2018 سيشهد استمرار التساؤل حول إمكانية إقامة عملية سياسية مؤسسية في ليبيا، سواء جاءت هذه العملية في شكل انتخابات تشريعية ورئاسية، أو في شكل استفتاء على الدستور الذي من المفترض أن تنتهي لجنة صياغة الدستور من مسودته خلال الأشهر الأولى من عام 2018. وبغض النظر عن الدعم الدولي للعملية السياسية في ليبيا، إلا أن التساؤل حول إمكانية القبول بنتيجة انتخابات سياسية في بلد ينتشر فيه السلاح خارج سيطرة الدولة، وتتحكم في العديد من شئونه ميليشيات مسلحة لا تعمل على أرضية وطنية، يظل تساؤلا مشروعا ومعني بمُخرجات عملية التسوية السياسية في الحالة الليبية.

في هذا الإطار، تشير كل المعطيات على أرض الواقع إلى أن العملية السياسية والقبول بنتائجها سيحتاج لتقديم تنازلات من قبل الأطراف المتنازعة في الداخل الليبي، حيث سيسعى كل طرف لتأمين أعلى سقف ممكن من المكاسب السياسية، في ظل اضطرار الأطراف المختلفة لتقديم عدد من التنازلات السياسية. وسوف تكون الموازنة بين المكاسب والتنازلات السياسية في إطار عملية التسوية هي الشغل الشاغل للأطراف الليبية المتصارعة خلال عام 2018، ويبقى شرق ليبيا، وفقا لمعطيات الصراع خلال عام 2017، هو الطرف الأوفر حظا في سياق عملية التسوية.

قراءة مجمل تحولات المشهد الليبي في الفترة (2017- 2018) توضح أن الفترة القادمة هي فترة تتراجع فيها احتمالات الحسم العسكري، في حين تتعاظم، نظرا لأسباب متعددة، فرص التسوية السياسية. ويبدو أن عام 2018 سوف يكون العام الذي يحاول خلاله كل طرف من أطراف الصراع لتأمين أكبر كم ممكن من المكاسب السياسية في سياق التفاوض حول التسوية. ومن المتوقع أن تظل الدول الفاعلة على المستويين الإقليمي والدولي في سعيها لتمكين حلفائها في الداخل الليبي، ولكن لن يخرج هذا التمكين عن سياق الاتفاق السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة. كما أنه من المتوقع أن يشهد عام 2018 خلافا شديدا حول عودة رموز النظام السابق للعمل العام، وهو ما سيكون بمثابة أحد الأبعاد المُشكلة للجدل السياسي في المشهد الليبي خلال عام 2018.

طباعة
د. زياد عقل

خبير في علم الاجتماع السياسي بوحدة الدراسات المصرية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية